الأقيال

جــــــــــوهـــر الأزمـــــــــــة الـــــيمـنيـه…


جــــــــــوهـــر الأزمـــــــــــة الـــــيمـنيـه

مــصــطــفــۍ مــحــمــود
11/9/2022م

في كل مرة يقرأ المرء فيها، أو يستعرض، الأرقام التي خلّفتها الحرب في اليمن على صعيد الإنسان والمادّة، يخالجه إحساس بأمرين. أولهما، أن تكرار قراءة هذه الأرقام لا يدفع إلى الاعتياد عليها، ولا يخفّف أبدًا من وطأة الشعور بالصدمة إزاء الكارثة الكبرى التي حلّت بهذا البلد وأهله (نصف مليون قتيل، 60% من الشعب مشرد، 40% من البنية التحتية مدمّر .. إلخ). وثانيهما، أن المرء لا يفتأ يتوقف مليًا عند معنى هذه الأرقام ومغزاها، لجهة تعبيرها عن مخزون العنف الكامن وراءها، وهو يحاول الإجابة عن السؤال الجوهري في الأزمة اليمنيه : أين حدث الخطأ، وكيف وصلنا إلى هنا؟

عند طرح هذا السؤال، لا بد أن يتبادر إلى الذهن سريعًا موضوع تحديد المسؤولية، وهو أمر لم يعد، بعد مايقارب عشر سنوات، يحتاج إلى نقاش، فالحوثي السلالي هو المسؤول الأول والأخير عن الكارثة التي حلّت باليمن ارض وانسان ، إن لم يكن لشيء، فبحكم اجتياح العاصمه صنعاء واسقاط الدوله والسيطره علي مقدراتها وخوض حرب شعواء ضد اليمنيين .. لكن هذه الإجابة السهلة لا تساعد في فهم الأسباب التي أملت على الجميع (الحوثي والشرعيه والكيانات المسلحه والمحايدين أو المستقلين إذا جاز التعبير لوصف من يرفضون الحوثي والشرعيه معا)، التصرّف بالطريقة التي تصرفوا بها، إن لجهة الاستعداد لاستخدام أقصى درجات العنف المادي الموصوف، أو حتى مجرد تأييد استخدام الحصار والتجويع (ضد المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ)، كسلاح حرب وأداة لتحقيق غايات سياسية.

إذا شئنا فعلا التوصل إلى إجابةٍ تخرجنا من الدائرة المغلقة التي نعيش فيها منذ عقد واجتراح حل، فإننا نحتاج إلى القفز على اللحظة الراهنة، لنستنتج أن المسألة أعقد وأكثر عمقًا من أن تختصرها هذه الإجابة السهلة، وأن أزمة اليمن التي تبلغ مايقارب عشرة أعوام تمتد جذورها إلى نشأة الدولة نفسها، الشطريه والموحده، وفيما نحاول ذلك، ينبغي أيضا تجنب الوقوع في مقارناتٍ لا تساعدنا على الفهم، مثل محاولة مقارنة نشأة الدولة الشطريه ثم الدوله اليمنيه الموحده بنشأة جمهورية يوغسلافيا السابقة التي ظهرت نتيجة قيام الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بلملمة ولصق أجزاء غير متجانسة من بقايا الإمبراطورية النمساوية – المجرية، ليس بينها روابط كافية لإنشاء “مجتمع سياسي” قادر على إفراز هوية وطنية جامعة خارج إطار الأجزاء التي تتكون منها (صربيا، كرواتيا، سلوفينيا .. إلخ).

السبب الرئيس في أزمة اليمن الراهنة مرتبط بعجز اليمنيين عن تطوير هوية وطنية جامعة خاصة بهم، لكن تشبيه اليمن بيوغسلافيا يفتقر إلى الدقة، ويعد تسويغا لتقسيمها وتفتيتها، في حين أن أزمة اليمن تنبع من حالة معاكسة تماما للحالة اليوغسلافية، فمنذ الإعلان عن قيام الجمهوريه شمالا وجنوبا في ستينيات القرن الماضي واجهت الهوية الوطنية اليمنيه شمالا وجنوبا ضغوطا على مستويين: فوق الوطني، وقد نشأ عنه رفض النخب اليمنيه ، في العموم، الاعتراف بالتقسيمات الاماميه و الاستعمارية

وإصرارهم على فكرة أن اليمن جزء من كل (بالنسبة للقوميين العرب، هي جزء من أمة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج، بالنسبة للإسلاميين هي جزء من الأمة الإسلامية. بالنسبة للشيوعيين هي جزء من أممية البروليتاريا العالمية). الثاني هو المستوى تحت وطني، والمرتبط بوجود انقساماتٍ مجتمعية (مناطقية، طائفية، جهوية… إلخ) لا يخلو منها أي مجتمع حديث. وقد حاول الامام و البريطانيون تكريس هذه الانقسامات تحت وطنية، عندما قسّموا اليمن إلى دولتين وقسم البريطانيون الجنوب الي عدد من الدويلات السلطنات لكنهم فشلوا.

المشكلة أن أنظمة ما بعد الاستقلال عجزت عن البناء على هذا الفشل الامامي البريطاني ، لترسيخ جذور هوية وطنية يمنيه جامعة، أخذت تبرز بوضوح بعد الثورتين المباركتيين سبتمبر واكتوبر من خلال تحويل الكيان السياسي الذي صنعه الامامه شمالا و المستعمر الأوروبي جنوبا إلى مجتمع سياسي (Political Community)، يشترك أفراده في سلوك وقيم وثقافة المواطنة والانتماء الوطني.

وقد برز هذا الفشل بقوة خلال الأزمة الراهنة، إذ افتقد اليمنيون في ما بينهم التضامن الذي يشعر به عادة أفراد الجماعة الواحدة (community)، فانقسموا سريعا إلى جماعاتٍ وجدت كل واحدة منها امتداداتها خارج الحدود، فاستعانت بها على الجماعات الأخرى. وهذا يعني أننا لن نخرج من الأزمة إلا إذا امتلك اليمنيون وعيًا جمعيًا وشعورا تضامنيا بأن ما حصل كارثة وطنية، وأن من يحاول زرع وهم أن جزءا منهم انتصر على الآخر إنما يساهم في تدمير ما تبقى من أسس عيشهم المشترك.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. يادكتور …للحقيقه وجوه متعدده كما يُقال…وأنت بتنظيرك وذكرك للنموذج اليوغسلافي بضني تُشتت القارئ ولا تُقرب له الصوره..وبنفس الوقت عدم ذِكر الأسباب الحقيقيه لن يكون بصالح اليمنيين وستستمر التصدعات بالولآء الوطني وتتعمق لأجيال قادمه/وذِكرك للحوثيين وتغفل عن مُنشِئْهُم والداعم لهم(والمتحالف معهم)كذلك لا يخدم الحقيقه وفهمها…الحقيقه الواضحه للعيان بأن تصدع الوحده الوطنيه رأسي وأُفقي وجهوي ومالم يتم((صهر الهويه الوطنيه اليمنيه))وإذابة جميع الهويات الفئويه والمناطقيه والمذهبيه وحتى الدينيه ضمن هويه وطنيه يمنيه حقيقيه فلن تظهر الشخصيه الوطنيه اليمنيه الحقيقيه والناضجه للنور والعلن..وجميع مايتم تسويقه مرحليآ لن يُساعد على تجاوز اليمن أزماتها العميقه والمستمره منذ زمنٍ طويل مضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى