في كتابي [على مقام الصبا] طرحت مسألة تبني علماء زيدية كبار [مجد الدين المؤيدي، ا…


في كتابي [على مقام الصبا] طرحت مسألة تبني علماء زيدية كبار [مجد الدين المؤيدي، الهادي بن إبراهيم] لمقتل عثمان، مرددين علانية أن الحدث كان بتدبير من علي بن أبي طالب.

في الفصل الذي عنونته ب “من يقتل الخليفة وله كذا وكذا” تقرؤون:
ـــــــــــــــ

أما الرجل الثاني الذي عينه عليّ حاكماً على مصر فكان اسمه مالك بن الحارث الأشتر، وكان قاتلاً محترفاً وزعيم عصابات من الخيالة والصعاليك، وكان يمنيّاً. نفي الأشتر من حواضر عديدة في العراق والشام، وعندما ضاقت عليه السبل ذهب إلى عثمان، الخليفة الثالث، وأعلن توبته عن الفوضى. كان أناركياً بامتياز، لا يخضع لأي سلطة لا يكون هو على رأسها. يصفه عموم المؤرخين بطالب السلطة، والحقيقة أنه كان عدواً لكل سلطة حتى إنه غضب في وجه علي بن أبي طالب عندما ولى ابن عمه على البصرة، ونهره قائلاً: علامَ قتلنا الشيخ إذن؟ يقصد عثمان.

انتقل الأشتر من العراق إلى المدينة ضمن حشد من المتمرّدين، وفي سياق تاريخي معقد تمكن ومن معه من قتل الخليفة وفرض حاكم جديد. ما فعله الأشتر كان سرّاً مفتوحاً تجنّب المؤرخون السنّة الانتقال من رصده إلى تأويله. على أن بعضاً من أبرز علماء الزيدية، مثل المؤيدي (1) ، قالوا في مؤلفاتهم بوضوح إنّ عليّاً شارك في تدبير عملية قتل الخليفة وكان “لسافكي دمه مآبا”، أي مأوى. في كتابه “لوامع الأنوار” جاء المؤيدي بقصيدة شعرية نظمها الهادي بن إبراهيم (2)، وسيلقبه المؤيدي بنجم العترة الطاهرة وبحر العلوم الزاهرة. في القصيدة يرد الهادي على من قال إن عليّاً كان عوناً للخلفاء، وأن مقتل عثمان أحزنه. تذهب القصيدة إلى القول، صراحة، إن عليّاً وفّر المأوى لقتلة عثمان، أن القتلة كانوا من أنصار العترة، وأنّ عليّاً أسدل على نفسه النقاب ساعة ذهب أصحابه لقتل الخليفة. قدّم المؤيدي لقصيدة الهادي قائلاً “إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً”.

عليّ خالف الخلفاء فيما/ زعمتم أنه فيه أجابا
ولو كان الذي فعلوه حقّاً/لما حضروا سقيفتهم وغابا
وما سبب التقاعد عن عتيقٍ/ إذا كانت خلافته صوابا
و قلتم فى الوصيّ لنا مقالا/ و لم تخشوا من الله العقابا
و بايع لابن عفانٍ، زعمتم/وتابعه و لان له الجنابا
فلِـمْ فى قتل عثمانٍ تأنّى/ و أغدف يوم مقتله النقابا؟
و لـِمْ قتلته أقوامٌ و كانوا/ لحيدرة و عترته صحابا
ولمْ ردّ القطائع من يديه /وكان لسافكي دمه مآبا؟(3)

[عتيق: من أسماء أبي بكر]

أما الرجل الأول فكان محمد بن أبي بكر. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره حين جعله عليّ حاكماً على مصر. توفي والده أبو بكر الصديق وهو رضيع، فتزوجت أمه أسماء بنت عميس بالرجل الذي سيصبح الخليفة الرابع. نشأ “محمد” في كنف علي، وكان شديد الإخلاص والطاعة لزوج أمّه وولي نعمته، حتى إنه كان يقلّده في مسائل كثيرة، ولا يفعل شيئاً يعرف أنه سيغضب والده بالتبني.

وعندما هبّ المتمردون من الأمصار التحق بهم محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وآخرون. استمر الحصار شهراً كاملاً، وقيل أربعين يوماً كما في البداية والنهاية لابن كثير. وحين علم المتمرّدون أن عثمان أرسل إلى معاوية في الشام يستنجد به زادوا في حصارهم ولم يعد بمقدوره الخروج إلى الصلاة. يذكر ابن كثير، ناقلاً عن الطبري، أن عثمان استدعى الأشتر النخعي للتفاوض. وحين رآه سأله من كوّة في داره “يا أشتر ماذا يريدون؟” فأجابه الأشتر “إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته أو جلدته أو حبسته، وإما أن يقتلوك”. وفي رواية، يقول ابن كثير، أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم (4).

كان الأشتر يتحدث نيابة عن المتمرّدين، طلبه عثمان للتفاوض لما يعلمه من دور الرجل في تلك الفوضى. ما طرحه الأشتر على عثمان كان صعب التحقيق، فهو يطلب من الحاكم الأعلى أن يقف في ميدان عام ليجلده الناس، أو أن يترك الحكم له ولأصحاب ليحددوا مستقبل بلاد مترامية الأطراف. أجابه عثمان مستغرباً “وأي شئ إلي من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميراً عزلته، وكلما رضيتم عنه وليته؟ والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، ولا تصلوا جميعاً أبداً، ولا تقاتلوا بعدي عدواً جميعاً أبداً”(5) .

من الخيارات التي طرحها الأشتر على عثمان أن يقبل بأن يُراق دمُه، والأخير يزجره محذراً من أن قتل الخليفة سيكون من شأنه أن لا تجتمع الأمّة على كلمة واحدة من بعد. الصلاة جميعاً، التي ستخسرها الأمّة بموت الخليفة، هي الكلمة السياسية الواحدة، أي نظام الحكم الذي يجمع الناس تحت سقف واحدة. لم يجد عثمان من ينوب عنه في تلك المفاوضات، وكان يخرج من وقت إلى آخر وينادي في الناس سائلاً عن أشخاص بعينهم، كعمّار أو طلحة، ولا يجيبه منهم أحد. حين استفحل الأمر جعل يذكّرهم بأيامه مع رسول الله، وما فعله للإسلام، تحديداً: أنه اشترى بئراً للمسلمين وأرضاً ليقام عليها مسجدهم، كذلك تجهيزه لجيش العسرة. لم تفلح تلك المحاولات في زعزعة صفوف المحاصِرين (6).

آلت المفاوضات مع الأشتر إلى طريق مسدود، وكان الأشتر واضحاً في شروطه الثلاثة التي طرحها. في الأثناء تلك اقتحم محمد بن أبي بكر الدار صحبة ثلاثة عشر رجلاً، كما يروي ابن كثير في البداية والنهاية. أخذ محمد بلحية عثمان وجعلَ يشدّها حتى سُمع وقع أضراسه (7) . يروي ابن سعد في الطبقات الكبرى أن محمداً بن أبي بكر بعد أن أمسك بلحية عثمان بادر إلى طعنه في جبينه بمشقص كان في يده، ثم أجهز عليه رجاله الذين اقتحموا معه الدار . محاولات تبرئة محمد بن أبي بكر من العملية القتل تخلي يديه من عملية الطعن المباشر. غير أن قيادته لمجموعة الاقتحام، مبادرته بالانقضاض على الخليفة وسحله من لحيته، إهاناته اللفظية لعثمان، اتهامه بأمور ترفعه إلى درجة الخائن الأكبر، ثم انقضاض أعضاء خلية الاقتحام على جسد الخليفة، تحت بصر محمد وكان قائداً لمجموعة الاقتحام، هو سيناريو تكاد تتفق عليه أبرز المصادر التاريخية. وهي كذلك عند الطبري، ابن كثير، ابن سعد، ابن عساكر، الطبراني، وسواهم. يذهب الطبراني بعيداً، يقول إن عثمان حين رأى محمدَ بن أبي بكر مقبلاً عليه قال له “أنت قاتلي. قال محمد: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتى بك رسول الله يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة، فخريت عليه” ( – 8- ) . حتى وإن استنكر ابن كثير هذه الرواية إلا أنها تفيدنا عن الصورة التي بات الناس يرسمونها لمحمد بن أبي بكر. وذلك ما سيدفع ابن تيمية للقول إنه كان رجلاً لا فضيلة له.

كان عليّ نائياً عن الخليفة، بحث عنه عثمان ولم يجده، وكان بمقدوره – بما له من قربى من النبي- أن يساند رئيس الدولة بدلاً عن أن ينتظر عثمان النجدة من البصرة والشام. بدا لأبسط الناس أن الأحداث إن انتهت بمقتل الخليفة فإن الأمة ستدخل في حرب أهلية، ولا يوجد ما يدل على أن عليّاً كان قد تخيّل المآلات على هذا النحو، كما لو أن أنه كان معنياً بأمر آخر. ربما لم يكن عليّ راغباً في إنقاذ الخليفة الذي كان مقتله يتأكد يوماً وراء يوم. وربما إنه لم يكن يحظ بالاحترام والتبجيل اللازم لدى سائر الناس، لا عند المتمرّدين ولا لدى من لزموا الحياد. خصوصاً وأنه حتى تلك اللحظة لم يكن يكن قد مارس أي ضرب من القيادة، لا العسكرية ولا السياسية، ولا حتى الدينية. الرجلان، الأشتر ومحمد بن الأشتر، سيصبحان أهم رجال علي بن أبي طالب على الإطلاق. سيقود الأشتر جيشه، ويتولى محمد حكم مصر.

حدثت الجريمة وقتل الخليفة، وانطلق المتمرّدون في المدينة يأخذون البيعة لعلي. قيل لعلي إن ذلك لا يكفي وأن عليه أن يتريث في الأمر لسببين: لأن بيعة أهل المدينة لا تكفي، ولأن القتلة لم يأخذوا عقابهم بعد. رفض علي تلك المقترحات قائلاً إن الأمر أمرُ المدينة ، هي من تقرّر. كانت واقعة في قبضة المتمرّدين، ساد فيها الخوف والهلع، كما يلاحظ ابن تيمية في منهاج السنة النبوية. ما يعني أن بيعة أهلها حدثت تحت الإكراه، وهذا ما سيردده طلحة حين يتمكن من الإفلات.

ماجت الجزيرة والأمصار بالخبر، وتتابعت الوفود على علي من سائر البلاد يطلبون منه إحالة القتلة إلى القضاء، احتراماً لدين الله، ووأداً للفتنة. يضعنا ابن تيمية في منهاج السنة النبوية أمام الصورة التي أصبحت عليها المدينة عقب مقتل عثمان:

“وأما عليّ رضي الله عنه فإنه بويع عقيب مقتل عثمان رضي الله عنه والقلوب مضطربة مختلفة، وأكابر الصحابة متفرّقون، وأحضر طلحة إحضاراً حتى قال من قال إنهم جاءوا به مكرهاً، وأنه قال بايعت واللجُّ – أي السيف- على قَفيّ. وكان لأهل الفتنة شوكة لـمّا قتلوا عثمان، وماج الناس لقتله موجاً عظيماً. وكثيرٌ من الصحابة لم يبايع عليّاً كعبدالله بن عُمر، وكان الناس معه ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف لم يقاتلوا معه، فكيف يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له”(9)

ـــــــ
مصادر وترجمات:

1- مجد الدين بن محمد المؤيدي (١٩١٤ – ٢٠٠٧): أبرز علماء الزيدية في القرن العشرين، ألّف عدداً من الأعمال أبرزها “لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار”.
2- الهادي بن إبراهيم ابن الوزير (١٣٥٧ – ١٤١٩م): من أبرز علماء الزيدية في اليمن في القرن الخامس عشر الميلادي، تنقل بين الحواضر في اليمن والحجاز ومات في ذمار. له عدد كبير من المؤلفات، منها هداية الراغبين إلى مذهب العترة الطيبين.
3- مجد الدين المؤيدي، لوامع الأنوار، الجزء الثاني، ص: ١٤٢-١٤٣
4- ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، ص: ٢٠٢. نجد هذا الحوار بين الرجلين أيضاً عند: ابن عساكر، تاريخ دمشق، الجزء ٣٩، ص: ٤٠٤. وعند ابن سعد في الطبقات الكبرى، الجزء الثالث، ص: ٧٢.
5- ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، ص: ٢٠٢
6-ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، ص: ١٩٨- ٢٠٢
7- انظر: ابن سعد في الطبقات الكبرى، الجزء الثالث، ص: ٧٣. كذلك: ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، ص: ٢٠٦.
8 – ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، الجزء ٣٩، ص: ٤١٠. كذلك: ابن كثير، البداية والنهاية، الجزء السابع، ص: ١٩٨- ٢٠٢
9- ابن تيمية، منهاج السنّة النبوية، الجزء الأول، ص٥٣٤-٥٣٥

ــــــ

من كتاب “على مقام الصّبَا”. مروان الغفوري

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

الفتح الفرنساوى للمحروسة…

الفتح الفرنساوى للمحروسة “3” فى تلك الأيام كانت مصر تحت الإحتلال الإسلامى منذ 1200 سنة تقريبا، بداية من حكم الخلفاء الراشدين، إلى الحكم الأموى ثم