تجاوز الخامسة والسبعين ويقرأ أربع ساعات يوميا:…


تجاوز الخامسة والسبعين ويقرأ أربع ساعات يوميا:
ابن عمي وطه حسين الجاد والكريم:
كتبت من قبل عن طه حسين والثقافة المنحطة التي تزعم أنه كان بخيلا وتافها يصطنع الإثارة الجوفاء وانه يسرق موضوعاته، وناقشت كثير من تلك الأفكار وأواصل اليوم.. حول قراءات طه حسين وكرمه، من خلال قصة حقيقية لابن عمي الأستاذ أحمد عبد المجيد مغيث – رحمه الله- وكان درعميا مثقفا وقديرا، كنا في منتصف الستينيات يعمل موظفا في مَجمَع اللغة العربية.. وفي نفس التاريخ كان طه حسين قد أصبح رئيسا للمجمع بعد موت أستاذه لطفي السيد سنة ٦٣..وكان قد تجاوز الخمسة وسبعين سنة من عمره، وتوقف بعد كتابيه الشيخان ومرآة الإسلام في آخر الخمسينات عن التأليف، وراح يجمع في كتب بعض مقالاته وأحاديثه التي لم تنشر بعد، ويكتفي ببعض المحاضرات التذكارية هنا وهناك. ولم يكن يستطيع الذهاب للمجمع إلا في جلسته الشهرية.
المهم استأذنه سكرتيره “فريد شحاته” في القيام بأجازة شهرين لزواجه، فطلب طه حسين من الأستاذ ابراهيم الترزي، أمين المجمع أن يرسل له في بيته “رامتان” بالهرم من يقرأ له من موظفي المَجمع مشترطا عليه أن يكون ممن يقرأوا جيدا بلا لحن ولا أخطاء.. فاختار الترزي ابن عمي، قائلا له: هنيئا لك لقد اخترتك للقراءة “للباشا” شهرين كاملين، ويكفي انك من سكان الهرم كالباشا.. وكفاية انك حتقعد معاه..
وفى التاسعة صباحا، يدق ابن عمي جرس الباب في رامتان، فيفتح له خادم أنيق يقوده لغرفة المكتب والمكتبة ذات الباب الخاص على الخارج وباب يفتح على داخل البيت، ويأتيه الخادم بكوب ليمون، كنا في الصيف، ثم فنجان من القهوة، وفي التاسعة والنصف تماما يدخل الباشا مرتديا قميصا أنيقا وبنطلونا – لم يره مطلقا ببيجامة أو جلابية – ويجلس على المكتب وبجانبي تقبع كومة من المجلات الأسبوعية والصحف والدوريات، اتناولها واحدة واحدة لأقرأ عناوينها: مثلا: عبد الناصر يفتتح مؤتمر كذا.. او، لويس عوض يكتب كذا.. وهكذا آتي على العناوين واحدا واحدا حتى يطلب الباشا مني قراءة الموضوع. وهكذا لمدة ساعتين كاملتين، وفي الحادية عشرة والنصف يقف الباشا ويغادر إلى الداخل، ويأتيني الخادم بكوب عصير ثم فنجان قهوة ثان، وفي الثانية عشرة تماما يعود الباشا ليجلس إلى مكتبه، ويقول: كنا بنقرا إيه بالأمس، فأقول: الأمالي لأبي على القالي، أو الخراج لأبي يوسف، أو فتوح البلدان للبلازري،.. وأتناول الكتاب وأفتح من خلال الشريط الأحمر الملتصق بكعبه على الصفحة التي توقفنا عندها، وأواصل القراءة.. ساعتين أخريين، وفي الثانية تماما يقف الباشا قائلا: شكرا، وموعدنا غدا
وبعد شهرين أتممت البرنامج اليومي المعتاد: ساعتين من القراءة للصحف والدوريات.. وساعتين من القراءة في كتب التراث.
وفى نهاية اليوم قال الباشا: شكرا يا أستاذ مُغيث، لقد كنت مُجيدا وقد استمتعتُ بقراءتك وقد عاد فريد من أجازته وانتهت مهمتك فأرجو أن تعود غدا للمجمع.. ولا تنس أن تأخذ المظروف الذي على يمينك.. فقلت: أي مظروف يا باشا أنا منتدب من المجمع، فرفع الباشا كفه لأعلى إيذانا بنهو النقاش.. فتناولت المظروف وسلمت على الباشا وخرجت
وبمجرد أن ابتعدت عن باب رامتان أخرجت المظروف بحرص فوجدت به خمسين جنيها.. وكانت تعادل أكثر من مرتب ثلاث أشهر بالنسبة لي..
سألته ماذا كنت تستطيع أن تفعل بها، قال: لو كنت العروسة موجودة، كانت تكفى نصف تكاليف الزواج
….. يسعد أوقاتكم


يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

«وحيد حامد»: حزب عشاق الكلمة…

«وحيد حامد»: حزب عشاق الكلمة نحن جيل محظوظ حاور «الرمز».. وعشق سطوراً جعلت لوجودنا «قيمة».. تعلمنا أن الثورة «فن» يتقنه الأذكياء.. وأن الكتابة «شرف» لا