“… أدار نجيب الفكرة في رأسه مئات المرّات، ولم يصل لقرار. يريد الجبل، يريد الأو…


“… أدار نجيب الفكرة في رأسه مئات المرّات، ولم يصل لقرار. يريد الجبل، يريد الأوبة إلى وصاب.
ومن وصاب لا يريد سوى نجيبة.
لكنه، وبشكل دائم، يريد البحر فقط.

عندما كان في الرابعة من العمر وُلِدت نجيبة.

“منحوها الاسم لأنها ستكون لي. عندما كانت في الرابعة من العمر تركتُ قرية الدكّة، وعندما بلغتُ العاشرة تركت الحديدة ودخلت أفريقيا من جهة الشمس.”
قدحت الكلمة ماضي الأعرج. لقد اتبّع طريق الشمس، هو الآخر، ووجد أفريقيا الخاصة به. وجد الباهوت.

“في زنجبار تركتُ نجيبة تكبُر. ساق راديو زنجبار خبر مقتل الإمام أحمد وسقوط ملكه عندما بلغت نجيبة الثالثة عشرة. وعندما أصبحتْ في الخامسة عشرة من عمرها حدثت مجزرة زنجبار، وكنتُ أكبرها بأربعة أعوام. خشيتُ على نجيبة من انتقام الإئمة. قال عمّي إنهم يعتقدون أن اليمن ملكهم، وإنهم سيقاتلون حتى يموتوا جميعاً أو ينتصروا. إذا انتصروا فذلك سيعني أنهم قتلوا نجيبة. كان راديو زنجبار يقول إن هنالك حروباً في اليمن، ولا يقول ذلك إلا نادراً. وكنتُ أرتجف وأتساءل: ما دخل نجيبة بكل ذلك”.

“رجوتُ سلوى العُمانية، عندما زرتُ بيتها لأول مرّة على طرف المدينة، أن أسميها نجيبة. في البدء تشككتْ، وانفعلتْ. لكنها قبلت الأمر بعد ذلك. أخبرتُها أن نجيبة ملكة يمنية قديمة، وأنها قُتلتْ في البحر وهي تدافع عن موانئ عُمان وحضرموت. قالت إنها لم تسمع بذلك الاسم من قبل. وقلتُ لها إن المرأة لا تسمع الكثير عندما تكون في أفريقيا. هزّت رأسها وقالت: صحيح، ولكن لماذا كانت تدافع عن سهول عُمان؟ قلتُ لها: بل عن سواحل عُمان.
ثم أصبحت تقول لي: أنت الملك نجيب، أنا الملكة نجيبة. وكانت تكبرني بعشرة أعوام على الأقل.

لم أضاجعها أول مرّة إلا بعد أن أعدت حساب عُمر ابنة عمّي نجيبة، لئلا تكون لا تزال طفلة. كان ذلك في رمضان، بعد المجزرة بثلاثة أعوام. كانت نجيبة بين السابعة عشرة والثامنة عشرة من العُمر. في تلك الليلة اعتليت سماء زنجبار وصرخت: نجييييييبةةةةة. أما سلوى فكتمت أنفاسها لدقائق، ثم شهقت حتى رأيت المحيط يغرق في حلقها. رأيت قوافل التجار تحترق في أنفاسها. بينما كانت تشهق مغمضة العينين رأيتها تحارب على مقربة من شواطئ عُمان وتصاب بسهم على كتفها، وتنزف. ظللت أصرخ وأنا أغرق فيها، وأضع يدي على كتفها لأوقف الدم، وتتطاير دموعي. عندما أوصلتُها إلى الحدود أحسست أني أنقذتها من الموت، وألقيت بجسدي إلى جوارها.

استعدتُ في تلك الليلة مُلك العُمانيين على جزر المُحيط. وفي اليوم التالي قالت لي سلوى: هكذا أحسستُ أنا أيضاً ”

“كنتُ جائعاً لها. وكانت تسألني ما إذا كان كل اليمنيين جياعاً مثلي. أخبرتُها أني أعرف شيئاً واحداً وحسب، وهو أني جائع، وأن أولادي سيكونون جياعاً مثلي، ولا أعرف الكثير عن سائر اليمنيين”.

مضت أشهر على وصول نجيب إلى وادي المُلك. ضربت الريح سفينتهم في عرض البحر وأوشكوا على الغرق. وفي الليل سمعوا هديراً يخترق سماء البحر المكشوفة، فقال قائد السفينة إنه موسم الجراد. كانت السفينة في طريقها إلى الحديدة، وعلى ظهرها أفارقة وهنود وعرب لا يعرف بعضهم بعضاً. وعندما رأى النخيل من بعيد طلب من قائد السفينة أن يلقيه في البرّ. “ولكنها ليست الحديدة” صاح به. لكن نجيب أعاد توسّله “أرجوك، القِني هُناك وأكمل رحلتك”.

كان نجيب قد عمل أيضاً بحّاراً، لكنه كان يتجه جنوباً في الشرق الأفريقي، وقلما صعد المحيط باتجاه اليابسة العربية. كان يجلب البضائع إلى زنجبار مع البحّارة العُمانيين والهنود. وعندما رسم له بحّار هندي، قال إن اسمه تُواري، خارطة المُحيط الممتد من شرق أفريقيا حتى جنوب الهِند ارتعدت سيقان نجيب، وتوقف قلبه عن الحركة لعدّة أيام. بالطبع لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً، لكن نجيب بدا متأكداً من أنه لم يسمع ضربات قلبه لأيام عقب رؤيته لحجم المُحيط.

“في أعالي المُحيط قد تتوقف الرياح. إذا توقفت الرياح سيتوقف المركب. المركب في المحيط ـ قالها وهو يضرب على صدره ـ هو قلبُك. ولا يضرب القلب سوى في الرياح. لا نحصد إلا في الرياح يا منصور. لذلك لم أدخل أعالي المُحيط، ولا الأماكن التي قد تسكن فيها الرياح”.

كان يتحدّث كحكيم عرف البحر جيّداً، أو كأن البحر صديق طفولته. وأمام حكايات الأدرد لم يكن منصور الأعرج سوى تائه، وغريب، ومنفعل.

وبعد مقتل الحمدي في صنعاء قرّر نجيب العودة إلى قرية الدكّة.

في ذلك المساء جاء إبراهين الفتّة راكضاً وملتاعاً ووقف أمام الناس. كانوا مجتمعين في عريش من القش والسعف مخصص للسمَر، يفصله عن البحر مئات الأمتار. صاح إبراهين الفتة:
“قتلوا إبراهيم في صنعاء”
فعلى الصياح وبكى بعضهم، ودخلت الغمة فجأة إلى الوادي، وفاض الكرب.
في تلك الأيام لم يكن المرء يسأل عن القاتل في صنعاء، فهناك دائماً قتلة. كانت هوية المقتول هي التي تحدد نوع الحُزن وحجم الخيبة والفزع.
“قلتُ لكم إنه لن يعيش طويلاً وأنهم سيقتلونه” كان مُعين يصيح، ولا يبدو أن أحداً سمعه.
أما ابنه جعفر فذهب يرفس الرمل بقدمه وهو يقول:
“قتلوه عيال إيري”.
وعندما سأله طفل يقاربه في السن عن المقتول أجابه: “إبراهين”.
ركض الطفل في الظلام ودخل القرية وهو يصيح “أمااااااه قتلوا إبراهين” فشقت أمه ليل البحر والوادي “قتلوا إبراهيين”.

لو دخلتَ وادي المُلك في ذلك الليل لتمنيتَ أن تكون مقتولاً في صنعاء، ويكون اسمُك إبراهين.

ــــــــــ

من رواية “منصور الأعرج” أو رياح الحصاد لمروان الغفوري.
تصدر قريباً.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

الفتح الفرنساوى للمحروسة…

الفتح الفرنساوى للمحروسة “3” فى تلك الأيام كانت مصر تحت الإحتلال الإسلامى منذ 1200 سنة تقريبا، بداية من حكم الخلفاء الراشدين، إلى الحكم الأموى ثم