كتّاب

ليلة الست…

ليلة الست…


ليلة الست
قومى يا محاسن، إصحى يا إنصاف.. قوموا يابنات: دى ليلة الست، أفيق على صوت أمى قبل شروق الشمس فى مطلع الستينيات، وكانت هذه النداءات إيذانا بأن يتحول بيتنا بعد ساعة إلى خلية نحل، كنس ومسح وتنفيض للكليم والسجاد، وغسيل للأبواب والشبابيك والزجاج وإعادة ترتيب للكراسى والكنب، ووجبة غداء شهية إذ قد يكون مدعوا على الغداء يومها بعض أعمامى من القاهرة أو من القرى المجاورة، ويتأكد أبى من جودة بطارية الراديو على الرف المعلق أسفل رف الراديو وكان من الراديوهات المعدودة فى البلدة، ولما لم تكن بلدتنا الباجور منوفية قد عرفت الكهرباء بعد، فبمجرد غياب الشمس توقد بعد أن تعمر بالجاز وتنظف بورق الجرائد زجاجاتها جميع “اللمبات” المتاحة، نمرة خمسة ونمرة عشرة، “والكلوب” الكبير ذو الرتينة الحريرية البيضاء والذي يشع ضوءا يشبه ضوء النيون المعاصر وأن كان أكثر نصوعا وبهجة، ولم يكن هذا الكلوب يوقد إلا فى المناسبات أو بعض أيام امتحانات إخوتى الجامعيين،
ويبدأ ضيوف الحفلة فى الوصول الكثيرين منهم بصحبة زوجاتهم، يتقدم الرجل إلى غرفة الجلوس ليتخذ مقعده بين الرجال على كنبة من الكنبات الثلاث، بينما تدخل الزوجة إلى الصالة لتجلس أرضا على السجادة مع أمى وصديقاتها، ويتزايد توافد المستمعين، فإذا كان منهم المسن أو ذو الحيثية، يتنازل له أحد أقاربنا البسطاء ذوى الجلاليب البلدى عن مكانه على الكنبة ليقرفص على السجادة، وقبل موعد إذاعة الحفلة يخرج أبى صحيفة الأهرام التى كانت تنشر فى صفحتها الأخيرة نص أغنية الموسم لأم كلثوم، ويروح أبى بصوت عذب متقن الأداء يتلو لضيوفه من كلمات مأمون الشناوى:”أنساك دا كلام .. أنساك يا سلام.. كان لك معايا أجمل حكاية العمر كله .. سنين بحالها مافات جمالها على حب قبله .. سنين ومرت زى الثوانى فى حبك إنت .. وإن كنت أقدر أحب تانى أحبك إنت…” والضيوف ما بين من يبدى إعجابه بلفظ الجلالة “الله الله” ومنهم بمصمصة شفتيه، ومنهم من تنوشه الذكريات فيلوذ بالصمت، ويدور حوار صاخب بين أبى وضيوفه حول أم كلثوم ومؤلفي أغانيها وملحنيها، تتخلله ضحكات أبى المجلجلة وهو الذى كان يبتسم فقط، بينما أقوم أنا برحلات مكوكية بين المطبخ وغرفة الجلوس لاستبدال أطباق الموز واليوسفى الممتلئة بالتى فرغت، حريصا فى نفس الوقت على متابعة الحوار الثرى والباسم حول أم كلثوم وفنها،
وينتبه الجميع والراديو يعلن الانتقال إلى إذاعة خارجية لإذاعة حفل أم كلثوم من قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، وينطلق الصوت العذب لجلال معوض الذى يحملنا على أجنحة الشوق: هاهى ليلة جديدة من ليالى الشجن والحب التى طالما عشنا فيها مع أم كلثوم، والليلة تقدم لنا أم كلثوم فى وصلتها الآولى .. ويروح يذكر الأغنية والمؤلف والملحن واسماء العازفين: على القانون والكمان وعلى الناى والعود و.. و..ثم دقات متتابعة، ويعلن المذيع وهاهى دقات المسرح الثلاث تعلن عن فتح الستار..ثم تصفيق مدو.
ويحبس الضيوف عندنا أنفاسهم وتنطلق الموسيقى الساحرة لبليغ حمدى … وعندما تصل أم كلثوم إلى نهاية الكوبليه الأول: دا مستحيل قلبى يميل ويحب يوم غيرك أبدا .. أهو دا اللى مش ممكن أبدا .. حتى ينتفض الجميع.. منهم من يقف.. ومنهم من يصفق.. ومنهم من يشوح بيديه الاثنين.. ومنهم من يصيح بصوت جهورى – يجيب آخر الشارع – بينما أبى يصيح فيهم وهم أقرانه: أقعد ياله أسكت يا ابراهيم خلينا نسمع… وعندما ينطلق من الراديو مع تصفيق الجمهور الحقيقى زغرودة تصفق إمى ورفيقاتها، ويصحن تعجبا من تلك القاهرية التى تستطيع أن ترقع مثل هذه الزغرودة الحيانى التى تسمعها الدنيا كلها.. وهكذا
حتى ينطلق صوت جلال معوض الجميل وقد اقترب الفجر: وهكذا أيها السادة عشنا معا تلك اللحظات الساحرة مع صوت أم كلثوم .. و . و. ويودع أبوصلاح وأم صلاح، أبى وأمى ضيوفهما بالأحضان والقبلات والدعوات الصالحات للبيت المفتوح
وفى ضحى اليوم التالى وبينما شقيقاتى تكنسن آثار الأمس أنظر مبتسما إلى بقايا تلك اللليلة الرائعة التى سأظل أحمل عطرها الساحر ما حييت ….. يسعد أوقاتكم


يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى