توعية وتثقيف

جولة فى تاريخ البشريه (١٣)…


جولة فى تاريخ البشريه (١٣)

ذكرت فى الحلقة السابقة (١٢) أن الأدب الروسي شاهد نهضة فى أواخر العصر القيصرى كان لها تاثير على الأدب فى العالم كله، وبالأخص فى مجال الرواية والقصة القصيره. لذا يتعين علينا أن نلقى نظرة ولو عابره على تلك الفتره. لا يحدث كثيراً أن يظهر فى بلد واحد وفى نفس الوقت ثلاثة من أعظم من كتبوا أدباً فى العالم كله وعلى مدى التاريخ. لكن هذا بالضبط هو ما حدث فى روسيا فى أواخر القرن ١٩، والثلاثة هم ليڤ تولستوي (Lev Tolstoy) وأنطون تشيخوف (Anton Chekhov) وفيودور دوستوييڤسكى (Fyodor Dostoyevsky). وكان هؤلاء من العظمة بحيث طغى نورهم على مواهب أخرى نشطت فى نفس الحقبة وكان من شأنها أن تلمع لو لم يشاء حظهم أنهم عاشوا فى ظل الثلاثة الكبار.

تميز تولستوي بكتابة روايات ملحمية تجرى أحداثها على إمتداد فترات طويلة ويشترك فيها عدد كبير من الشخصيات. وكانت عظمته تتجلى فى القدرة على نسج خيوط متوازية للأحداث التى تجرى مع تلك الشخصيات، تتقاطع وتتفاعل ثم تفترق. أهم مؤلفاته ملحمتان خلدتا إسمه فى عالم الأدب: الأولى هي ‘الحرب والسلام’، والثانية ‘أنّا كارينينا (Anna Karenina)’. تدور أحداث الحرب والسلام فى فترة غزو نابليون لروسيا. لكن موضوع الرواية ليس ناپليون وكوتوزوف (*)، بل هو تأثير الأحداث على حياة طبقة النبلاء التى كان ينتمى إليها الكاتب نفسه، وعلى تمزقهم النفسانى بين حبهم لوطنهم من ناحية، وحبهم للحضارة الفرنسية، (التى نشأ الكثيرون منهم عليها،) من الناحية الأخرى. وكذلك تمزقهم بين إخلاصهم لدولة أوتوقراطية لكنها دولتهم، وبين إعجابهم بحركة التنوير الفرنسية التى كان الجيش الفرنسى يرفع راياتها.

أما رواية أنا كارينينا، فهي تختلف عن ‘الحرب والسلام’ فى أنها تعالج قضايا شخصية حميمه. بطلة الرواية سيدة نبيلة تتمزق بين الحب والشهوة من ناحيه، والولاء للأسرة ومعايير المجتمع من الناحية الأخرى. لن أفسد المتعة على من لم يقرأ الرواية بعد، لكنها من أعظم ما كُتب على الإطلاق. وعلى الرغم أن معرفة هاتين الروايتين أمر مفروض ومتوقع (de rigueure) فى الغرب، إلا أن المسارح وأستوديوهات السينما ما زالت تبتكر منها نسخاً جديده.

كلمة ‘نبيل’ لها معنيان، أولهما الإنتماء إلى الطبقة العليا التى تتوارث اللقب، وثانيهما أن يكون الشخص على خلق يسمو فوق عامة الناس. وقد كان تولستوي نبيلاً بكلا المعنيين، فقد كان مع ثرائه وشهرته يختلط مع الفلاحين ويعيش حياتهم ويلبس ملابسهم ويناصر قضاياهم، ولم يخفت حب الروس له مع تغير النظم وتبدل الأحوال.

أما أنطون تشيخوف (**) فلم يكن من النبلاء، بل كان طبيباً يمارس الكتابة والصحافة كهواية. وكان أبدع إنتاجه بلا شك هو القصة القصيرة. كثير من قصص تشيخوف القصيرة لم يحدث فيها شيئ يستحق الذكر. (ربما شخص عطس فى المسرح مثلاً،) لكنه كان يأخذ هذا “اللا-حدث” وينسج منه قصة شائقة تُشَرِّح الطبيعة البشرية وتنضح بالفلسفة العميقة دون أن يتفلسف الكاتب فيها بجملة واحده (***). سرعان ما أصبح تشيخوف أديباً مرموقاً، وصار دخله من الكتابة يفوق دخله من الطب بكثير، لكنه إستمر فى معالجة الفقراء مجاناً والتبرع لهم بثمن الدواء. وشاءت قسوة القدر أن يموت هو نفسه قبل أوانه من السل..

دوستوييڤسكى كان أكثر روحانية من الآخرين، وكان على دراية عميقة بخفايا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وإستعمل تلك المعرفة فى رواية الإخوه كارامازوف (Brothers Karamazov) التى يتفاعل فيها تدين أحد الإخوة (أليوشا) مع إلحاد شقيقه إيڤان دون أن يأخذ الكاتب موقفاً بينهما. وفى رواية ‘الجريمة والعقاب’ بلغت واقعية دوستوييڤسكى درجة أنك تكاد تشم رائحة الأحياء الفقيرة فى سان بيتربورج فى ذلك العصر (*4). أما روايته التى لا أنساها أبداً فهي ‘الغبى (The Idiot)’ (*5). لا يقول الكاتب فى تلك الرواية بشكل مباشر ما سأقوله، لكن القاريء الفطين لا بد أن يدرك مقصده: يتخيل دوستوييڤسكى كيف سيتعامل الناس مع شخص يجسد نقاء وبراءة المسيح لو جاء فى وقتنا هذا. لن أفسد المفاجأة على القارئ، لكنه يستطيع أن يستنبط الإجابة من العنوان.

نظراً لمكانة هؤلاء الكتاب الرفيعة فى عالم الأدب فقد ترجمهم مترجمون من أعلى مستوى، بعضهم أدباء متميزون فى حد ذاتهم. أسعدنى الحظ أننى قرأت أدبهم فى لغتهم الأصلية. لكنى أيضاً أعدت قرآءته فى ترجمات إنجليزية تكاد تضارع الأصول فى جودتها. كان بريق هؤلاء الثلاثة مبهراًً، لكن كان هناك كتاب آخرون عظماء منهم على سبيل المثال نيكولاي لسكوف (Nikolai Leskov) الذى كانت لغته رصينة وكأن الكلمات مصبوبة من معدن مصقول. من أهم أعماله رواية ‘ليدى ماكبث من متسنسك (Lady Macbeth of Mtsensk)’. وجدير بالذكر أن دار أوپرا سان فرانسيسكو أنتجت أوبرا على أساس تلك الرواية وبنفس العنوان، وما زال عرضها جارياً.

أما فى مجال الشعر، فليس هنالك من يقترب من مكانة پوشكين (Pushkin) فى الوجدان الروسى. يتعلم الأطفال أشعاره منذ نعومة أظافرهم، وتسمى المُدُن بإسمه والشوارع والميادين والمسارح والمتاحف. كان بوشكين أيضاً من طبقة النبلاء (*6)، لكن أشعاره كانت تعبر عن مشاعر تقدمية تدين الإستبداد، مما دفع حكومة القيصر إلى نفيه من العاصمة ضمن مضايقات أخرى. ومما يزيد من محبة الناس له أنه مات فى عز شبابه موتة تتسم بالفروسية. فقد لقي مصرعه فى مبارزة بالمسدسات مع ضابط كان يلاحق زوجته.
_________________________
*) كوتوزوڤ (Kutuzov) كان القائد العسكرى الروسى الذى تمكن من إفشال حملة نابليون على الرغم من تفوق الفرنسيين تكتيكياً وتقنياً. عندما رجع ناپليون إلى فرنسا لم يكن معه إلا حوالى ١٠% من الأفراد والمعدات التى بدأ بها حملته.
**) إسم الأسرة ‘تشيخوف’ يعنى “الذى هو من التشيكيين” كما نقول نحن عن شخص إنه “الكردى” مثلاً، أو “الشامى”. فى الزمن القديم كان الروس والتشيك والصرب والبلغار وغيرهم قبائل سلاڤيه متجولة فى سهول شرق أوربا قبل أن يستقروا فى الأقطار التى يعيشون فيها الآن.
***) مسلسلة Seinfeld التليڤزيونية التى حازت نجاحاً فى السنوات الأخيرة كانت بلا شك مستوحاة من إبتكارات تشيخوف فى القصة القصيره.
*4) يستعمل المثقفون الروس أحياناً كلمة “dostoyevshina” للتعبير عن واقع بائس يفقد فيه الناس إنسانيتهم
*5) لا تعجبنى ترجمة العنوان إلى ‘الغبى’. فالكلمة فى الروسية تعنى السذاجة أكثر مما تعنى الغباء.
*6) من الطريف أن پوشكين كانت تسرى فى عروقه دماء أفريقيه. كانت أمه حفيدة رجل من أواسط أفريقيا إسمه هانيبال كان هدية من السطان العثمانى للقيصر بطرس الأكبر. ترقى هانيبال فى البلاط الروسى حتى وصل إلى رتبة جنرال التى كانت وقتها مقصورة على نخبة النبلاء.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

‫18 تعليقات

  1. تحياتي القلبية و العقلية ايضا. مع كارير تكنوقراطية تمكنت مما لم يتمكن منه الكثيرون وهو التعمق في المناحي الاسمي للحياة، الفن و الادب و التاريخ …

  2. Thanks Sir, I was waiting for this article and was sure that you are the best to write about those giant Russian writers, I started reading for the 3 when I was a teen and still remember the very small details of Russian life and conflicts.

  3. قرأت معظم هذه الأعمال منذ زمن طويل ولكن سردك الرائع وتوصيفك و تصنيفك جعلني أتشوق للغوص مرة أخرى في أعماق الأدب الروسي و اعادة قراءة هذه العبقريات، شكرا من القلب

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى