مجتمع الميم

الفروقات الدقيقة في اللّاأحادية: الاحتمالات الثورية والحسرة والترابطية

الفروقات الدقيقة في اللّاأحادية: الاحتمالات الثورية والحسرة والترابطية



English

المقال بقلم: مكس
Diane Milelli :العمل الفني
ترجمة: نوارة ب
هذا المقال من عدد
عقدة الواوا

عندما كنت في السادسة عشرة من عمري، ظننت أن لدي خيارين فقط لحياتي العاطفية: إمّا أن أتزوج رجلًا مسلمًا كما توقعت عائلتي وكان ذلك ليخنقني مقابل بقائي محاطةً بعائلتي، أو أن أعصيهم وأتزوج بكافر ما قد يمنحني حرية أكبر لكن مع احتمالية رفض عائلتي لي، وعلمت أنني أحب الفتيات أيضًا واعتقدت أن ذلك سيودي بي إلى الجحيم، لا أذكر عدد المرات التي بكيت فيها طلبًا للغفران من الله أو سمعت والداي يدعوان الله أن يحمينا من فظائع الكويرية، والآن يرعبني مدى الظلام الذي شعرت به وخيّم على وجودي ومستقبلي في ذلك الوقت.

لقد نشأت كارهةً للمثليين بقدر ما كنت مثلية في بيئة مقيّدة بين أسرة مسلمة ومدارس كاثوليكة، وتمامًا مثل ماري ماكلين في كتابي المفضل أنا في انتظار مجيء الشيطان كنت يائسةً وأتوق إلى حدوث أي شيء لي.

وعندما حان الوقت لمغادرة بيت عائلتي والدراسة في مدينة كبيرة نوعًا ما، كنت أتطلع لأعيش الحياة بكل فرصها، أمضيت ثلاث سنوات جامحة بالمغامرات لكن ما زلت أشعر وكأنني مسودّة إنسان، الشيء الوحيد الذي كنت متأكدةً منه هو أن التعاملات بين البشر كانت غنية ومتغيرة باستمرار وآسرة حقًا.

وقعت في حب ك. في الثانية والعشرين من عمري، كنا صغارًا جدًا، طرحت حينها فكرة الانخراط في علاقة لا أحادية لأنني أردت أن نستمر في التجول والتصادف مع أرواح أخرى وألا نحد الخبرات والعلاقات التي يمكن اختبارها.

1الإمكانات الاستكشافية اللّاأحادية
شعرت أن العلاقات اللّاأحادية هي الطريقة المثلى لاستكشاف الكون وكل احتمالاته ولتحدي القواعد المتجذرة في مجتمعنا، ولتحدي فكرة أن العثور على “الشخص المناسب” والتقدم في السن معه هو أعظم وأقدس إنجاز، وأن السعادة “الحقيقية” طويلة الأمد مستحيلة دون تحقيق ذلك.

تشكك العلاقات اللّاأحادية في هذه القواعد والمعايير المرتبطة بها من خلال إظهار أشكال أخرى من العلاقات ونماذج الحياة، يمكن أن تسمح لنا اللّاأحادية أن نتطور أكثر كأفراد وأن ننمو لنصبح أشخاصًا أكثر صدقًا وإخلاصًا لطبيعتنا، بل حتى في العلاقة (أو العلاقات) الحميمة يمكن للمرء الاستمرار في التصرف والتطور كفرد بدلاً من كونه مجرد جزء من ثنائي.

يحاجج المنتقصون من التعدد أن الحال على خلاف ذلك في الأزواج الأصحاء، إلا أنهم يفشلون في تدارس أوضاع الأزواج في العلاقات الأحادية، فنحن محاطون بعلاقات “غير صحية” يتخلى فيها شخص ما عن حلم أو فرصة ما لأنه شعر أنها لا تتوافق مع ذوق أو أهداف أو ظروف شريكه، يبدو إذًا أن المجتمع يميل للزواج الأحادي الاعتمادي والذي يجبرك الدخول فيه على التخلي عن أجزاء من نفسك.

في معظم العلاقات اللاأحادية، يجب على الشركاء2 مراقبة أنفسهم ومشاعرهم وتجاربهم وإخفاقاتهم ورغباتهم لإنجاح علاقتهم، كما يجب أن يقبلوا أن ذواتنا تتطور باستمرار وأنه لا يمكننا أن نطلب من أي شريك مشاركتنا كل احتياجاتنا أو رغباتنا، تؤدي ممارسة اللاأحادية بشكل أساسي إلى مضاعفة فرص تنمية الوعي الذاتي وتعلم التواصل وفقًا لذلك.

التعددية3 والنمو
أنا أنضج وأصبح أكثر ثباتًا مع كل من شركائي/اتي، حيث يمكنني الانخراط في ديناميات حميمة متعددة مع مجموعة واسعة من الأشخاص لكل منهم شخصيته ووجهات نظره وطرقه في التواصل، لم أعد أشعر بالضغط لأكون “رفيقة الروح المثالية” لشخص ما، ولا أشعر بالضغط لإخفاء أجزاء من نفسي لا يمكن أن تزدهر في ثنائية معينة، على سبيل المثال عندما كنت مهتمة بـالـبي دي إس إم4 ولم يكن شركائي كذلك، كان من المهم بالنسبة لي احترام حدودهم بقدر احترامي لرغباتي الخاصة.

لا يتعلق الأمر فقط باتباع رغباتك وأحلامك بل يتعلق بالهوية، لقد كافحت لأجل أن تتم معرفتي أو فهمي تمامًا في علاقاتي حتى لو كان شركائي مراعين وتعرفوا على خلفيتي الثقافية وأنظمتها الاجتماعية، أدركت من خلال علاقاتي الهادفة والرقيقة مع أصدقائي المثليين والعرب والمسلمين أنه من المستحيل فهم تجربتي الحياتية بالكامل من الخارج، مما جعلني أشعر أنني بحاجة إلى تجربة هذا المستوى من التفاهم المتبادل مع شريك حميم.

إن لم نكن في علاقة لاأحادية (لأنني ما زلت أعشق ك.) فما كنت ساستكشف هويتي بشكل أعمق، وهذا الاستكشاف أمرٌ أساسي لنضجي الذاتي ولجميع علاقاتي.

الترابط والشعور بالحب
أجد أن الشراكة بهذه الطريقة تجلب المعرفة الذاتية والنمو الشخصي كما تجعلني شريكة أفضل وتحسن جميع أنواع العلاقات التي أرتبط فيها، إن إدراك حدودك يساعد في ضمان علاقات يتوازن فيها المجهود، والتخلي عن بعض جوانب المواقف يمكن أن يساعد صحتك النفسية، وتعلم مواجهة خيبة الأمل والاعتراف بأخطائك يمكن أن يحسن صداقاتك، كما أن ارتياحك في التعبير عن احتياجاتك وعواطفك يساعدك على إقامة علاقات أسرية أكثر صحة. 

اللّاأحادية توسع أيضًا تصور الحب لدينا، أرى أن مجتمعنا يقلل من شأن الحب ويقيده رغم أنه يعتبر من “أسمى المشاعر”، ما الفرق بين الحب الرومنسي وحب العائلة أو الأصدقاء أو الحيوانات الأليفة؟ ما يتغير بالنسبة لي ليس شعور الحب نفسه بل المشاعر الأخرى التي تتراكب في هذه العلاقات (أي مسؤوليات الأمومة أو الرغبة في الحبيب أو الإيمان بالله) وكيف يتم التعبير عن هذه المشاعر والحميمية التي تجلبها.

يعتقد الكثير أيضًا أن مواعدة شخص متعدد العلاقات يعني أن تحصل على قدر أقل من الحب، كما لو كان الحب الرومنسي موردًا محدودًا ويجب تقسيمه للمشاركة، إذا كان الحب أكثر المشاعر التي يمر بها البشر بدائية وإذا كانت قدرتنا على الحب تنمو مع نمونا، فلماذا لا ينطبق النمو ذاته على الحب الرومنسي؟ مثلما يمكنك أن تحب العديد من الأصدقاء بالتساوي، يمكنك أن تفعل الشيء نفسه مع العديد من الشركاء، فلن ينفد منك الحب إن كنت معددًا؛ بل بدلاً من ذلك عندما تغرس الحب فإنه ينعكس عليك مضاعفًا من خلال التعددية، ويرفع هذا الحب المحيط بك حجاب الغيرة والخوف من الهجر ويمحور التعددية حول الابتهاج، ويعني ذلك الفرحة لرؤية سعادة أو إنجاز شخص ما.

الحب أعظم منا، إن الحب عاصف وقوي وأنا متأكدة تمامًا أنه لا توجد قاعدة أو معيار يملي علينا عدد الأشخاص الذين يمكننا أو نستطيع حبهم في وقت واحد، خاصة ألا أحد يمكنه التحكم بما يشعر به.

Diane Milelli :العمل الفني

القدرة على التكيف والشمولية والحضور اليقظ
من الواضح أن تأسيس دينامية آمنة في علاقات حميمة متعددة يستغرق وقتًا وجهدًا، لكن بمجرد بناء التوازن يمكن أن تكون اللّاأحادية أحد أكثر الطرق عقلانية للشراكة.

يبدأ ذلك بالتوافق بين قدرة المعددين على التكيف، إن الحياة ليست خطية وكلنا نمر بأحداث وصراعات متنوعة يمكن أن تؤثر على حياتنا العاطفية، فقد يصاب الشركاء بالاكتئاب أو الانسحاب أو الانتقال للعمل أو الدراسة وما إلى ذلك، وقد لا تتناسب الاحتياجات بين الشريكين حتى إن كانا يحبان بعضهما البعض، إنه مع تغير حياتنا ورغباتنا لا يزال لدينا الحق في تلبية احتياجاتنا من اللمس والحضور والرعاية وما إلى ذلك.

يشمل هذا النمط أيضًا الأشخاص الذين لديهم مستوى منخفض من الانفعالات العاطفية أو ديناميات علاقة خاصة مثل الأشخاص اللاجنسيين واللاعاطفيين، اللّاأحادية تمنحهم/ن فرصة التركيز على علاقة واحدة مع شريك يعتمد على شركاء آخرين لتلبية باقي احتياجاته.

لقد قلت سابقًا أن الحب مورد غير محدود ولكن الوقت ليس كذلك، من الواضح أن هذا يؤثر على الأشخاص اللاأحاديين لكن التعامل مع عامل الوقت كان إيجابيًا بالنسبة لي، فأنا أولاً أميل إلى رؤية شركائي بشكل أقل مما اعتدت عليه لأنني بحاجة إلى الكثير من الوقت بمفردي لمعرفة نفسي، ظهر لي هذا الإدراك من خلال استجواب اللّاأحادية وأدى في الواقع إلى مزيد من الاتصال؛ لدينا أنا وشركائي وقت لنفتقد بعضنا البعض والاستمتاع أكثر بالوقت الذي نقضيه معًا.

أدركت ثانيًا أننا نقلل من أهمية الوقت في بناء العلاقات، فأن تصل للقدرة على الثقة والحب وأن تكون هشًا وصادقًا يستغرق وقتًا، ومع ذلك فإن معظم الناس يرمون بأنفسهم في علاقات حميمة مستعجلين المراحل المهمة مثل فترة الإعجاب أو شعور “السقوط” الشديد الذي سيمر ولن يعود أبدًا.

إن قضاء هذا الوقت يعني الاستمتاع كليًا بكل خطوة في العلاقة الحميمة والتأكد من إضافتك لشيء لحياتك بشكل واعٍ إضافةً تعتمد على التوافق العميق وجذور الارتباط القوية.

الجوانب غير المتوقعة من تعدد العلاقات والأسى
نظرًا لكون الوقت والتوافر العاطفي محدودين، من الواضح أن الأشخاص معددي العلاقات لا يمكنهم الارتباط مع عدد لا نهائي من الأشخاص في وقت معين، وهذا ما نسميه “تعدد التشبع” وهي قناعة تأتي من إدراك أنه في مرحلة ما “المزيد” يعني “أقل” مما جعلني أكثر انتقائية بشأن شركائي الرومنسيين.

يعتقد الغالبية أن للّاأحاديين/ات يسعون دائمًا إلى “المزيد” من المتعة أو المواعدة أو الاهتمام أو الجنس، لكن ما يأتي مع الإمكانات المتعددة للحب والعاطفة هو زيادة خطر التألم وانفطار القلب، إن الوقوع في حب شخص يدرك أن اللاأحادية لا تناسبه أمر متكرر، ولا يعتبر بعض الناس علاقتهم معك علاقة جادة ويلغونها عندما تظهر فرص العلاقة الأحادية، اضطررت لتطوير طريقة جديدة تمامًا لمواجهة الخسارة (حبة حبّ) لأن الحزن والأسى قد يكونان أحد أكثر الأشياء صعوبة في التعدد، خاصةً أنك يجب أن تواجهها في علاقة مميزة من ناحية دينامية وعاطفية، لكن تلقي الحب من شركائي الآخرين جعل الأذى سهل الاحتمال.

من المتوقع أن تُشعرك اللّاأحادية بالهشاشة وتُخرج ما فيك من المخاوف، لكن كونك لاأحاديًا يعرضك أيضًا لأحكام الآخرين ومعايرتهم لك وتجاهلك علاقاتك، ويصعب الأمر بشكل خاص عندما تعمل بجد على نفسك وعلاقاتك بينما لا يعتبرك الناس سعيدًا “حقًا” لأن حياتك لا تتوافق مع المعايير المجتمعية.

مرة أخرى يمثل ذلك تحديًا، تعد اللّاأحادية طريقة جديدة تمامًا لتصور العالم وتتطلب طاقةً وعملًا حتى عندما تخوضها في مجتمع متفهم، لكن الصعوبة تكمن في وجوب الحرص واليقظة لإنجاح العلاقة، وتلك نعمة بطريقتها الخاصة.

الخاتمة
يتحول الشعور الأولي بالضعف الذي يأتي مع اللّاأحادية إلى ثقة بالنفس عندما تدرك أن شريكك يختار العودة إليك على الرغم من مقدرته أن يكون مع أي شخص في العالم، ويمكن أن يؤدي التحرر من الالتزام إلى حضور وانخراط أكبر في المحادثة والأنشطة والاستكشاف والرغبة، الأمان يوجد عندما تكونان صادقين مع أنفسكما؛ أليس هذا ما يُفترض أن يفعله توأم الروح؟ أن يتأكد أن حدوده لا تمنع المحب من أن يرى كل جزء منه يذبل ثم يزهر ويعتز به بشكل كامل.

حرية اللّاأحادية تأتي مصحوبة بمسؤوليات ومشاعر كبيرة للتعامل معها، وعلى الرغم من التحديات إلا أنني أتمنى أن يكون الجميع أحرارًا في اختيار دينامية العلاقة التي تناسبهم بشكل أفضل، لا أعتقد أن اللّاأحادية أكثر صحة أو أفضل من الأحادية، ولكن يبدو أنه يتم دفع الأشخاص المعددين إلى تعلم البدائل التي يمكن أن تثري العلاقات الأحادية أيضًا لا العلاقات اللّاأحادية فحسب، ووفق هذا السياق تكون العلاقة اللّاأحادية كويرية وثورية بشكل عميق.

يرتبط مفهوم العلاقة الأحادية بنظام قمعي فهي أداة للنظام الأبوي، وأود القول أنها يجب أن تمر بثورتها الخاصة لجعلها أكثر أمانًا وأكثر فردية ومرونة، فالحب بجنون والسعادة مع حبيبك لا يعني بالضرورة أنه يجب تحديدكما كوحدة واحدة تعيش معًا وتتزوج وتنجب أطفالًا، سواء كنت ناشطًا اجتماعيًا أم لا فإن اللّاأحادية تطلب منا تخيل وجودٍ يتحدى جوهره المجتمعات الرأسمالية والأسرة النووية التي تعتمد عليها.



Source link

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى