مأساة مصرية قديمة (٣)…


مأساة مصرية قديمة (٣)

هذه الحلقة هي الثالثة فى سلسلة. ذكرتُ فى الحلقتين السابقتين أن أرملة توت-عنخ-أمون كانت قد أرسلت خطاباً إلى ملك الحثيين سوپّيلوليوما (Suppiluliuma) تناشده أن “يعطيها” أحد أبنائه ليتزوجها ويصير فرعوناً على مصر. إشتم الملك الحثي سوءاً فأرسل مبعوثاً إلى مصر للتحقق من مصدر الرسالة ومضمونها.

إذا تجردنا من الجعجعة الشوڤينية نستطيع أن نرى صعوبة الموقف الذى وجد ملك الحثيين نفسه فيه – فهو من ناحية لا يستطيع تجاهل رسالة من ملكة مصر؛ ومن ناحية أخرى لا يستطيع أن “يندلق” على الموقف بلا تروى. لذلك كان إرسال مبعوث على مستوى عالى لتقصى الأمور هو أفضل الإختيارات المتاحة له.

رجع المبعوث الحثى من مصر ومعه خطاب جديد من الداهامونزو المصرية إلى الملك سوپيلوليوما كررت فيه ما كتبته فى خطابها السابق، وأضافت تأنيباً للملك الحثي على أنه لم يثق فى رسالتها الأولى. فضلاً عن ذلك أرسلت مع المبعوث الحثي مندوباً خاصاً عنها لطمأنة الملك.

هذه الأحداث لعب فيها طرفان – طرف حثي و طرف مصري. و أغلب ما نعرفه وصلنا من السجلات الحثية (*). أما وجهة النظر المصرية فلا نعرف عنها إلا القليل (بسبب تدمير الأرشيفات،) وليس فى وسع أحد أكثر من الإستنتاج و الاستنباط.

هنا لا بد أن يتحول الحديث إلى ‘عاي’ و ‘حورمحب’ – الفرعونان الذان خلفا توت-عنخ-آمون على عرش مصر. أولهما ‘عاي’ كان مستشاراً لفرعون منذ عهد أمنحتب الثالث (الجد،) وإستمر فى مناصب عليا حتى أشرف بنفسه على دفن توت-عنخ-آمون. أما الثانى، و هو ‘حورمحب’ قائد الجيش، فقد كان أصله من عامة الشعب.

كان ‘عاي’ شيخاً عندما دَفَن بيديه الفرعون الصبي توت-عنخ-آمون (**). وليس من الواضح ما إذا كان ينتمى إلى الأسرة بالمعنى العرقي، أو أنه كان واحداً من “الخدم” كما لمّحت إلى ذلك الملكة-الأرملة فى رسالتها لملك الحثيين. لكن من المعروف بالتأكيد أنه كان فى سن جدها عندما تزوجها و أصبح فرعوناً على مصر.

كذلك ليس من الواضح ما إذا كان تولى ‘عاي’ العرش إنتصاراً على منافسه ‘حورمحب’ أو بالإتفاق معه. فى الغالب أنهما كانا على إتفاق، و عملا معاً فى مواجهة جبهة أخرى هي التى شجعت الأرملة الصبية على الإستغاثة بالحثيين. و نحن نستدل على وجود تلك الجبهة من المبعوث الذى أرسلته الملكة المصرية ليمثلها فى البلاط الحثي فى حاتوسا. هذه الجبهة خسرت وإنمحت آثارها ولا نعرف عنها شيئاً.

أغلب الظن أن الملك سوپيلوليوما كانت لديه إخباريات بالصراع الدائر فى مصر؛ وهذا يفسر تردده فى الإستجابة لاستغاثة الملكة المصرية. ربما كان من الأفضل لو أنه ترك المصريين يحلون مشاكلهم بأنفسهم، لكن بعض الطمع لا بد قد غبش رؤيته فقرر إقتناص الفرصة وضم مصر للتاج الحثي. من ناحية أخرى يبدو أن إقتناع سوپّيلوليوما كان جزئياً على أحسن تقدير – فقد كان لديه من الذكور ٥ أبناء، أكبرهم مورسيلى ولي العهد (والذى عن طريقه عرفنا هذه التفاصيل،) والثانى والثالث كانا يشغلان مناصب عليا فى الإمبراطورية الحثية. لذلك قرر إرسال إبنه الرابع، زنّانزا ، ليتزوج الدهامونزو و يتولى عرش مصر. و يدل ذلك على أن تولى عرش مصر كان أقل أولوية عنده من بعض الوظائف العليا فى حتوسا، أو على أن إقتناعه بإحتمال نجاح المشروع كان ضعيفاً.

وهنا لا بد أن أتوقف عن الكلام المباح لأن المقال قد طال والقصة ما زالت فيها شجون، وسنلتقط الخيوط فى تعليق قادم بإذن الله.
______________________________
*) كتب الملك مورسيلى الثانى إبن سوپيلوليوما كتاباً عن سيرة أبيه عثر عليه المنقبون فى آثار حتوسا عاصمة الحثيين القديمة.
**) مما يسترعى الإنتباه أن عاي دفن توت-عنخ-آمون فى مقبرته هو (أي مقبرة عاي)، بينما أخذ لنفسه مقبرة توت-عنخ-آمون.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

الفن التشكيلى و الطبيعة…

الفن التشكيلى و الطبيعة الفن التشكيلى هو فى جوهره نوع من التعبير عن الطبيعة. لكنه بالضرورة يحيد عنها إلى حد ما، (وهذا هو ما يميز