كتّاب

امين تاكي | الرحلة الى اوروبا . الجزء

امين تاكي:

الرحلة الى اوروبا

. الجزء الثاني والعشرين

بودي لو كنت أستطيع أن أكتب كل يوم ، عمّا أعيشه من أمور الدنيا. لكنني أحياناً أعجز عن ذلك بداعي التعب او الإنشغال ، فلا أستطيع أن أكتب حرفاً واحداً. وعلى أي حال فهذا يناسبني..

أتذكر المثلٌ الذي يقول : "أعطني وجهاً حديدياً ، ثم الكمني كما تشاء" فتحوم هذه الفكرة فيما تبقى من رأسي المهدور بفِعل اللكمات والضربات التي أتلقاها من أفراد شرطة بوابة مليليا المغربية ، فأتمنى حينها المحاولة من جديد

قُمتُ هذا اليوم بإزالة الجبس عن قدمي ، لكن الجسم البشري يقدم لنا ألغازاً عجيبة تُصدِع الرأس. فمازالت قدمي مُتورِمة.! والكاحل مازال يؤلمني. لكنني أريد تجاوز كل ذلك

كنتُ أشعر بالملل جرَاء الجِبس الذي يحيط بساقي وقدمي ، ومن إرتداء بنطالي الجينز الذي تحوّل الى برمودا بسبب قصُه من أسفل الفخذ ليسهل إرتدائه. كنت أنتعل حذائي اليمين فقط ، والذهاب للمشي بعكازي العاجي إلى وسط البلد في مدينة الناظور المغربية ، كي تتعود قدمي على المشي. وفي يومٍ ما ، وجدتُ نفسي في سوق الحراج

سوق المحششين ، إسم على مسمى. سوق لبيع الاشياء المستعملة والمُهربة وما أغمضت الجمارك عيونها عنه ، مايأتي من مليليا الاوروبية من خراء إلكتروني وملابس وأثاث قديم يُفاخر الكثير من المهاجرين المغاربة بجلبها ، للمساهمة في إنعاش الإقتصاد الوطني وتخفيف العبء عن الطبقات الفقيرة

نفايات إسبانيا ومخلفاتها الصناعية ، تجد في هذا السوق زبائنها وعشاقها من فقراء الشعب وكادحيه وبعض الباحثين عن أبخس الأثمان. في هذا السوق كل شيء يُباع ، والمُحششين هم الباعة والسماسرة وبعض الزبائن

يُحكى عن هذا السوق أنه تنقَلّ كثيراً ، حيث ظهر أول مرة كسوق عشوائي أمام بوابة فرخانة ، ثم إنتقل الى شارع قديم جوار مقبرة في وسط البلد. الان بقيَ الشارع في مكانه ، لكن المقبرة تحولت الى منطقة سكنية فاخرة

ثم إنتقل هذا السوق الى منطقة أخرى خارج المدينة ، قريبة من السجن. ثم إنتقل الى قرب مسجد رشيدي ، وتوسّعت ساحته على حساب فاعلين الخير"السوق وليس المسجد". إنتقل السوق حالياً وحط الرحال واستقر في منطقة قرب الكورنيش. ومن هنا ، تسرب السوق بخفة اللصوص ومكر المحششين الى ساحة وسط البلد من جديد

أما المفاجأة ، هو أنني أجد يمنيين في الحراج.! وهكذا ينقَضّون بحس طرفة لايظاهيهم به أحد ، فيقولون : هل أتيت لتشتري عكازاً جديد؟ أريد أن أصرخ في وجوههم بحزم وشدة : أيها المخنثين سأصل إلى اوروبا قبلكم

ولكن عليكم أن تعرفوا شيئاً مهماً. أنا لا احتمل الحمقى والمُحبِطين والمتشائمين ، التشاؤم كذبة كبرى ، التفاؤل هو الحقيقة. وأبناء بلدي هُنا ، لايعرفون الحقيقة. يجثمون على السجادة ، ويُصلون كي تحملهم أجنحة الملائكة الى إسبانيا

يتعاطى بعضهم الحشيش حتى موعد أذان الفجر ، فيذهبون الى الصلاة في المسجد ، يطلب مني أحدهم أن اُصلي معهم كي يغشى الله عيون حرس البوابة عنّا.! أنظر إليه كما ينظر المرء الى الفراغ الرهيب. ليس بوسعهم أن يُدركوا الأمر ، و دون أن يرِف لي رمش ، أُجيبه بصوت يخرج من بطني : أجل انا مُصاب ، اذهبوا انتم للصلاة وإدعوا لي بالشفاء

ومع هذا ، فإنهم بعد صلاة الفجر ينامون مكدسين فوق بعضهم كاللاجئين ، كالناجين من الغرق ، حتى وقت العصر ، دون أن يقيمون إعتباراً لذلك الهدف الذي أتوا من اجله ، وهكذا في كل يوم. بينما لايذهب أحدهم الى محاولة العبور للضفة الأخرى

أضحك ، وأقول : لابد أنهم يعيشون حياة مُريحة. إن كان لديهم وقت لتعاطي الحشيش وسبيل للصلاة لتحقيق شيء خارج عن المألوف ، فلا فائدة تُرجى مما يفعلونه

بأي حال ، لن تخور قواي ، ولن استسلم. وبكل رضى عن قراري الجديد ، أزلتُ الجبس عن قدمي هذا اليوم. وها انا ابدأ من الصفر. المزيد من محاولات الدخول الى مليليا ، بينما يستمر الآخرون بتعاطي الحشيش ، والصلاة ، والدعاء الهامس للوصول الى اوروبا ، عبر طقوسهم الدينية..


امين تاكي | ناشط حقوقي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى