‘اليمين’ و ‘اليسار’ ليسا مجرد نعوت يتراشق بها المتحزبون فى…


‘اليمين’ و ‘اليسار’ ليسا مجرد نعوت يتراشق بها المتحزبون فى معاركهم الإنتخابية، بل هما مفهومان أساسيان على أرضية العمل السياسي منذ زمن أرسطو وأفلاطون. والظاهر أن البعض لا يفهمون معانى هذه المصطلحات بوضوح، فقد قال لى أحدهم مؤخراً إن هتلر كان يسارياً، وهو قول ينم عن جهل تام بالتاريخ، أو بمعنى المصطلح، أو بكليهما. لذلك أرى أنه من المفيد مراجعة هذه المفاهيم فى عرض موجز سريع.

إنقسم البشر دائماً إلى نوعين – نوع يفضل أن تبقى الأمور على ماهي عليه، يتوجس من التغيير، ويؤمن أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان. هذا النوع يشكل الخامة الأساسية لما نسميه بالفكر اليمينى (أو المحافظ). النوع الآخر لا يرضيه الواقع ويريد تغييره، ويعتقد أن هناك مجال لتحسين التركيبة الإجتماعيه. هؤلاء هم من نسميهم اليساريين (أو التقدميين.) هذه هي الخطوط العريضة والأسس النفسية للإنقسام. والآن إلى التفاصيل:

‘اليمين’: يؤمن اليمينيون أن تباين الثروات هو طبيعة الأمور وإرادة الخالق؛ وأن من حق الغني أن يحتفظ بثروته، سواء كانت نتاج مجهوده أو موروثه؛ وأن على الفقير أن يقنع بقدَره ونصيبه، فهو ناتج عن قدراته المحدودة، وعدم رغبته فى الإجتهاد والمثابرة، وعجزه عن المبادرة و الإبتكار. لا يمانع اليمينيون فى إعطاء جزء من الثروة للفقراء، بشرط أن يكون هذا على صورة إحسان يؤديه الغني بإرادته وليس عن طريق الحكومة وأجهزتها. ويرى اليمينيون فى الدين حليفاً مهماً، فهو يحفظ السلم فى منظومة قاسية من شأنها أن تشعل ثورات.

‘اليسار’: لا يقتنع اليساريون بأن تباين الثروات ناتج عن إختلاف القدرات، ويشيرون إلى أن أغلب الثروات موروثة، وإلى أن الفقر أيضاً متوارث. ويعتقد اليساري أن من واجب الدولة تنظيم المجتمع بحيث تضيق الفجوة بين الطبقات. ويكون ذلك عن طريق تأمين تكافؤ الفرص، حتى يستطيع الفقير أن يصبح غنياً إذا كان لديه الذكاء والمبادرة والمثابرة. أما الذين تنقصهم هذه الصفات فمن واجب المجتمع أن يوفر لهم حداً أدنى من الحياة الكريمة تتمثل فى رعاية صحية وتعليم بالمجان وبعض المعونة الإجتماعيه.

تتراوح الأفكار اليسارية فى طموحها. فهناك يساريون لا يطمعون فى أكثر من فرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء وإستعمال دخلها فى رفع مستوى الفقراء. وهناك قطاع آخر يحبذ تأميم بعض الخدمات (مثل السكه الحديد والرعاية الصحية فى بريطانيا.) وهناك من يريدون تأميم بعض (أو كل) وسائل الإنتاج … وهكذا. وتعرف هذه الإتجاهات فى مجملها بالإشتراكيه. كثير من مبادئ الإشتراكية قد أصبح واقعاً فى عدد من أرقى بلاد العالم (شمال أوربا وكندا).

‘التطرف’: عندما تحدث قلاقل فى المجتمع، يجنح الطرفان إلى التطرف. يتجسد التطرف عند اليمينيين فى إلتفافهم حول حاكم قوي، قادر على حفظ النظام وقمع الشغب وتسخير أجهزة الدولة لحماية مصالح أصحاب الأعمال. هذا هو ما نسميه “الفاشيه”. وقد رأينا فى القرن الماضى تجسدات عديدة للفاشية فى ألمانيا وإيطاليا واليابان وأسبانيا وتشيلى وعدد من البلدان الأقل أهمية. (كما شاهدنا مؤخراً محاولة فاشلة فى الولايات المتحدة لإقامة نظام شبه فاشي.) خلاصة الأمر أن التطرف اليمينى عندما يبلغ مداه يتحول إلى الفاشيه (Fascism). أما التطرف اليساري عندما يبلغ مداه فينتج الفكر الشيوعى (Communism). وهو فكر أساسه منع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

كل سطر، وربما كل كلمة، فى هذا التعليق قد كُتِبت فيها مجلدات. وما ذكرته ما هو إلا مجرد سرد سريع للنقاط الأساسيه.

“هتلر”: يعى اليمينيون أن هتلر محسوب عليهم (فالفاشية هي الفكر اليمينى عندما يبلغ مداه.) ونظراً للكارثة الكونية التى جلبها هتلر على العالم (دمار أوربا وفقدان حولى ٥٠ مليون نسمه،) يحاول اليمين التنصل منه – فيصفوه تارة بالإلحاد، و تارة بأنه كان إشتراكياً أو يسارياً أو حتى شيوعياً. كل هذا محض هراء. هتلر كان “ذروة” الفكر اليمينى فى أنقى صوره، ولا مهرب لليمين من هذه الحقيقه.
______________________________
ملاحظات:
1. ليس من الضرورى أن يكون الشخص غنياً لكي يكون يمينياً، ولا أن يكون فقيراً لكي يكون يسارياً.
2. بعض برامج الفكر اليسارى موجودة حتى فى أعتى المجتمعات اليمينيه. أذكر على سبيل المثال (لا الحصر) مجانية التعليم والتأمين الصحى لكبار السن فى الولايات المتحده.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

الفتح الفرنساوى للمحروسة…

الفتح الفرنساوى للمحروسة “3” فى تلك الأيام كانت مصر تحت الإحتلال الإسلامى منذ 1200 سنة تقريبا، بداية من حكم الخلفاء الراشدين، إلى الحكم الأموى ثم

البَرَكَات (Blessings) (1/2)…

البَرَكَات (Blessings) (1/2) تحايل “سيدنا” يعقوب (*) على أبيه إسحق للحصول على بَرَكَته. لم يكن إسحق يريد إعطاء البَرَكة ليعقوب، بل كان ينوى إعطاءها لإبنه