توعية وتثقيف

الظل والظلام!…


الظل والظلام!
يوميات أبي الحسن في المدينة.
ــــــ

الضجيج حول حياة علي بن أبي طالب لم يجعلها أكثر وضوحاً، بل حجبها عن الأبصار. دعونا نذهب أول الأمر إلى صحيح الإمام مسلم، لنعثر على الرجل في عاديته وبشريته. سنرى رجلاً بائساً يطالب بميراث مشبوه، يصارع عمه العباس فيصفه الأخير ب”الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن”، مستنصرا بالخليفة: اقض بيني وبينه. يحدث ذلك بحضور حشد من الصحابة بينهم ابن عوف والزبير وسعد، ويستمعون لكل ذلك السباب فيطلبون من عُمر أن ينهي المسألة. ينهر عمرٌ علياَ، مذكراً إياه بما سبق وأثاره حين جاء إلى أبي بكر يطالبه بورث زوجته [توفيت في العام الأول من خلافة أبي بكر]، ثم بما أثاره من مشكلة مع الخليفة عمر من قبل حين جاءه بالطلب نفسه. يقول عمر للرجلين المتخاصمين:
“جئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نورث ما تركناه صدقة ـ فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق”. يستغل عمر الحدث، بما إن أحد الرجلين قد اتهم الآخر بالخيانة والكذب، مذكراً إياهما بموقفهما حين اتخذ هو موقف سلفه:
“رأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق”.
راجع: صحيح الإمام مسلم، من حديث عبدالله بن أوس.
سنأتي على موقف شُرّاح صحيح مُسلم، ومحاولتهم تفريغ لغة العباس من معانيها كي لا يقعوا في المحظور، فابن حجر سيختار كلماته بعناية قائلاً إن العباس ربما كان “يدلل” عليّا ولا يتهمه. الحقيقة أن تعليق عُمر حول الحادثة لا يترك لكلمات ابن حجر من معنى.

أبعد من ذلك، يشير عُمر هُنا إلى ما قاله عليٌ بحقه وحق سلفه حين وصفهما بالكذابين والغدارين والخونة. كان واضحاً أن عليّا، في سبيل نيل ما يعتقد أنه حقه، ذهب يسبّ كهلاً في الثمانين من عمره [أبا بكر]، يكيره بخمسين عاماً [الحديث في صحيح مسلم].

علينا أن نلتفت هُنا لأمر واسع الأهمية: حضور الزبير تلك الواقعة. فيما بعد سيرفض الزبير خلافة علي، وسيذهب لقتاله، وسيقتله رجال علي. والزبير ذاك هو زوج أسماء بنت أبي بكر، المرأة التي جهزت مؤنة النبي ساعة هجرته، وشقت “نطاقها” لتحكم إغلاقها وحفظها. ابن عوف أيضاً كان حاضراً. ومستقبلاً سيختار عثمان للخلافة على حساب علي. سنأتي على هذه المسألة أدناه. يعرف الرجلان، الزبير وابن عوف، حياة علي وطبيعته الانفعالية، وما الحادثة التي يرويها مسلم في صحيحه سوى لحظة واحدة داخل حياة من عشرات السنين، نادرا ما ألقي عليها الضوء.

ولنقفز إلى الضفة الأخرى إلى “وسائل الشيعة” للحر العاملي [توفي 1692م، الكتاب: ثلاثون جزءاً]، لنرى جانباً من عاديات علي بن أبي طالب، من يومياته.
في باب نكاح الجواري والعبيد يورد هذا النص: كان أبو الحسن عليه السلام [يقصد علياَ] ينام بين جاريتين ويكره ذلك مع الحرائر، وإن كان لا بأس به [الوسائل، ج. 14]. نوم أبي الحسن مع جاريتين في الوقت نفسه هو أمر استفاض فيه محمد العاملي، من علماء القرن الحادي عشر ميلادي، في نهاية المرام [ج.1]. كما عززه بمرويات عن جعفر الصادق، حفيد أبي الحسن، مثل أنه كان لا يرى بأساً في أن يطأ الأمة وفي البيت غيره يراه [نهاية المرام. ج1]. محمد العاملي عالم شيعي مبجل، هو صاحب المدارك، ويعرف معنى ما يكتبه، خصوصاً وهو يكتب نهاية المرام في القرن العاشر الميلادي.

إن التنقل بين الضفتين للبحث في حياة الرجل أمر مهم، فقد تجد في البحر ما لا تجد في النهر، ولنضع الصورة في إطارها المناسب حتى لا يذهب كلامنا في طريق المجابهات الطائفية.

لنتوغل أكثر في يوميات علي، ولنأخذ مؤرخ يوميّات: ابن كثير، البداية والنهاية/ ج7.
تزوّج عليّ ابنة امرئ القيس بن عدي، من بني كلب. أنجبت له طفلة، وكان يأخذها إلى المسجد ويقدمها إلى المصلّين ليضحكوا معاً على هذا الأمر: يسألونها من أخوالك فتقول وه وه وه [أي هو هو هو، صوت النباح]، تشير إلى أخوالها من بني كلب. كان عليّ يعلم ابنته أن تتحدث عن أخوالها بتلك الطريقة أمام الناس، وتضحكهم. سبق لنا أن تتبعنا سيرة طفل آخر تربى في معيته، كان اسمه محمد بن أبي بكر، وحين بلغ الخامسة والعشرين اقتحم بيت الخليفة وطعنه في حلقه [وفقاً لعدد كبير من النصوص التاريخية]، وسيصفه ابن تيمية في منهاج السنة قائلاً: كان رجلاً بلا فضيلة.

اختفى علي في المدينة لربع قرن، بين موت النبي ومعركة الجمل. إذا حملنا كاميرا وتقصينا أثره فلن نجد شيئاً مما يمنح الرجل منزلة “باب مدينة العلم”. إن اختلافه مع أبي بكر ثم عُمر حوال ميراث زوجته، وكان يجرّ معه العبّاس ليطالب بمال النبي، يجعلنا نتساءل عن الحرفة التي عمل بها عليّ، الصنعة التي كسب من خلالها رزقه. كان يتعالى على عمل اليد، ولم تكن له من حرفة. لننظر إلى رجل يقف إلى جوار علي، اسمه عبد الرحمن بن عوف، ولنرَ ما الذي كان يصنعه.

كان عبد الرحمن بن عوف مهاجراً، وحين قال له سعد بن الربيع هلمّ أقاسمك مالي قال ابن عوف دلوني على السوق “فما رجع يومئذ إلا ومعه شيء من أقط وسمن” [رواه الشيخان]. الطريق نفسه سيسلكه عثمان، وسيذهب بعيداً في السوق حتى يصبح رجلاً ارستقراطياً واسع الثروة.

أين علي؟ كان في المدينة لا يفعل شيئاً، ولا يتقن حرفة، ولا يساعد زوجته وهي تشتكي له “لقد طحنت حتى مجلت يداي”، فينصحها بأن تشتكي لوالدها لعله يعطيها “خادما”، كما في رواية الشيخين، أو جارية، كما في مسند أحمد.
رفض النبي الاستجابة لطلبها ونصحها بذكر الله، ومن المؤسف أننا لا نجد ما يكفي من الآثار والنصوص لنرى الصورة كما يجب، لنقرأ انفعالات النبي وهو يرى البؤس الذي تعيشه ابنته، وما إذا كان قد عاتب زوجها الشاب الذي لا يكسب ديناراً ولا درهماً، ويتعالى على أعمال الناس وصنائعهم.

حين قتل عُمر، الخليفة الثاني، وجاء الدور على ابن عوف، رئيس اللجنة المعنية باختيار الخليفة، وضع يده في يد عثمان، الرجل الذي يعمل ويكد ويكسب المال ويعرف الممكن والمستحيل وبمقدوره أن يفهم مشاكل شعبه. لم يفكّر باختيار علي، لا ينبغي أن تذهب الرئاسة إلى رجل لا يعرف السوق، ولا يتقن حرفة، أي لا يفهم حياة الناس في حقيقتها.

لنأخذ هذه الفكرة بعيداً ونذهب إلى “ساعة العسرة”، وهي لحظة عصيبة في التاريخ الإسلامي قرر فيها النبي مواجهة الإمبراطورية الرومانية في تبوك [9 هجرية]. حدث الزحف في الصيف. وكانت الدولة العربية الجديدة قد أخذت مكانها وبرزت ملامحها بعد دخول النبي واليمنيين والقبائل إلى مكة، العاصمة الثقافية لقبائل الجزيرة العربية. حدث أول اشتباك بين العرب ـ المسلمين وروما من خلال اعتراض طريق الرسل، واهتمام روما بتأسيس حائط صد من قبائل الشمال للحيولة دون تحول الدولة العربية إلى إمبراطورية. برزت العُسرة عندما لاحظ النبي أن مالية الدولة غير كافية لدعم الجيش لوجستيا فطلب من شعبه مساعدة الدولة. تقدم عثمان بن عفان بثلاثمائة بعير وآلاف الدينارات [صحيح البخاري]. سارع أثرياء العرب المسلمون وألقوا أموالهم في المعركة. الساعات تلك، تجهيز أول جيش عربي ليكون قادراً على مواجهة روما، كانت جليلة، سردها القرآن لتبقى عابرة للزمان وعامرة بالدلالة. يروي البيهقي عن رجل لم يجد ما يقدمه للقوات المسلحة آنذاك فتبرّع بعرضه، أي بغفرانه لكل من سبه وشتمه [صححه الألباني]. ويروي الشيخان عن رجل تبرّع بنصف صاع من التمر. زحف العرب لأول مرة في التاريخ باتجاه روما، ووقفوا قُبالتها ببسالة قلّ لها نظير.

رجل واحد لم يجد ما ينفقه من أجل الجيش، ولا حتى نصف صاع من التمر. ذلك أنه كان فقيراً لا يملك شيئاً، فهو لا يعمل ولا يريد أن يعمل ويتعالى على صنائع البشر. وليست مصادفة إن وجدنا أن اسمه كان: علي بن أبي طالب. كل رفاقه الذين هاجروا معه من مكة وجدوا ما ينفقون، عداه.

سيموت النبي بعد أقل من عامين من تلك المعركة وسيذهب هذا الرجل إلى خليفته يريد مال زوجته، ثم سيذهب إلى الخليفة الآخر يطالبه بالأمر ذاته. تلك أسهل طريقة للحصول على المال،أن يضع يده في ميراث ما. وتلك هي عادة الرجال الذين لا يجيدون أي صنعة، ويمضي بهم العُمر وهم بلا مهارات.

في مطلع النهضة الأوروبية عمل المثقفون، والمتدينون التقدميون، على نشر رسم للمسيح وهو يغسل أقدام حوارييه. قالت تلك الصورة إن المسيح كان يعمل، يكد، ولا يتعالى. ساعدت الصورة، ضمن خطاب إصلاحي جديد، على خروج الناس من القدرية إلى مصادمة الحياة. لا نظير لتلك الصورة في حياة علي، ولو أنه أتقن حرفة ما، لو أنه جلس وساعد زوجته [لا نقول يغسل أقدام جنوده]، لخدم التاريخ. بخلاف ذلك ذهب يركض وراء ما تركه والد زوجته له، ثم ركض خلف الخلافة لعل فيها مالاً. في صحيح البخاري أن عليّاً اعترض على العبّاس حين اقترح عليه أن يسألا النبي عن خليفته، وكانت وجهة نظر علي شارحة لمجمل حياته: إن منعنا منها فلن تعطينا إياها العرب. ذلك مصدر للجاه والمال لا بد أن يبقى متاحاً وممكناً بالنسبة لرجل لا مال له، لا يتقن حرفة، يتعالى على عمل اليد، ولديه الكثير من الأبناء والنساء. ولماذا اعتقد عليّ أن النبي قد يمنعه من الخلافة؟ من المحتمل أنه لم يجد، في كل حياته، إشارة واحدة تقول إن النبيّ كان يعوّل عليه في المسائل الكبيرة. ذلك ما جعله يجزم قائلاً: لا، لن نسأله.

وما إن تموت زوجته فاطمة [عن 29 عاما] حتى ينطلق في عالم النساء، يحصل على الجارية والأخرى حتى بلغن العشرين، ويتزوج المرأة الأخرى، وسيروي عنه جعفر الصادق أنه كان ينام مع امرأتين في الوقت نفسه[راجع نهاية المرام، لمحمد العاملي]. حتى إنه تزوّج أسماء بنت عميس، المرأة الوحيدة التي اشتركت معه في غسل جسد زوجته فاطمة بعد وفاتها. ولا ندري ما الذي كانت ستقوله فاطمة لو أنها سمعت في حياتها قصّة كتلك.

النشاط الجنسي لعلي بحاجة إلى بحث موسّع، ولا يمكن التسليم بما تذكره كتب شيعته. من المثير أن الشيعة غطست إلى حياة الرجل بجرأة وشمولية أكثر من السنة، ووصلت إلى علاقاته الجنسية وأبعد من ذلك. بينما وقفت الرواية السنّية على شواطئه، ترددت وتلعثمت.

إن تتبع الحياة اليومية لعلي في المدينة يعطينا صورة عن رجل كسول، متعال، يحب النساء، يعيش داخل جزيرته الخاصة. فهو لم يتخلف عن كل معارك العرب، بما فيها حروب الانقلاب [الردة] وحسب، بل أكثر من ذلك: منع جميع أبنائه من خوضها. وكان الأب الوحيد في المدينة، آنذاك، الذي لم يرسل أبناءه إلى معركة. كان له 31 من الأبناء من أكثر من 24 امرأة وطأها [زوجات وإماء]. ما الذي تعلمه الأبناء من أبيهم؟ لا شك أن ما تعلّموه كان مروّعا، فعندما قرأوا رسائل أهل الكوفة تطالبهم بالمجيئ [61 هجرية] احتشدوا، جمعوا عدتهم، وقطعوا الصحراء بحثاً عن الجاه والمُلك. وهناك في كربلاء قُتل سبعة من أبناء علي دفعة واحدة. خلال ستين عاماً، منذ الهجرة حتى اللحظة تلك، لم يصب أي من أبنائه بجرح.

ذلك أمر محيّر إذا ما استمعنا إليه شخصيا، كما في مسند الإمام أحمد، وهو يقول: كنتُ رجلاً أحب الحرب. ويروي كيف أنه أعطى أولاده الثلاثة “الحسن، الحسين، محسن” اسم [حرب]، وكان النبي يأتي ويغيّر أسماءهم.
كان يصر على أن يكون أولاده رجال حرب، وأن يشتقوا من الحرب أسماءهم. ثم، لمّا كبروا، أبعدهم عن كل حروب الدولة العربية الأولى، وادّخرهم للحرب داخل الدولة لا على حدودها.

لنمض قليلاً في المدينة، يمنة ويسرة، ربما نجد أثراً للرجل. أثبتنا سابقاً أن كتابه وسفره الوحيد “نهج البلاغة” عمل مكذوب، ألفه الشريف الرضي وأخوه مطلع القرن الخامس الهجري، وإن نسبته إلى علي تستحيل علمياً وعملياً. علي، إذن، بلا أثر قولي. روى مجموعة من الأحاديث، زهاء 220 حديثاً، وليس في ذلك من ميزة، نسبة ملحوظة من تلك النصوص تتعلق بامتيازه الشخصي، وبأقوال كان النبي يخاطبه بها، مثل الفرق بين بول الجارية والصبي. ثمّة مروّيات متناثرة تقول إن الحاكمين الأول والثاني استشاراه من وقت لآخر، وقد استشارا غيره. سيرة فقيرة وفارغة لرجل صنع منه الرواة والحكاؤون أسطورة الأساطير كلها.

الحقيقة أن حياة علي مليئة بالفراغ، لا تكاد تعثر فيها على شيء. وما كان ممكناً أن تُبنى أسطورة الرجل على ذلك النحو العملاق [بلغت سيرته 53 مجلداً كما يرويها جعفر العاملي] لو لم تكن حياته فراغاً واسعاً يصلح لكل ذلك البناء الزائف.

……

Marwan Al-Ghafory

يتبع ..

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

خالد كرمان

خالد عبدالسلام كرمان ناشط مجتمعي ومؤثر يمني هوايتي المفضلة.. تحطيم الأصنام

مقالات ذات صلة

‫10 تعليقات

  1. خالد كرمان لن تستطيع انت واللقيط الغفوري ومن معكم من شلة بن تيميه والوهابيه..ان تمحوا تاريخ وصي رسول الله صل الله عليه واله وسلم وابن عمه..انه ممزق اسيادك يه ود خيبر ومطعفر تجمع احزابكم يوم الخندق،،

  2. وطاولت الأرض السماء سفاهة
    وعيرت الشهب الحصا والجنادل
    ****************
    وقال السها للشمس انت ضئيلة
    وقال الدجى للصبح لونك حائل
    ****************
    فيا موت زر إن الحياة ذميمة
    ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    السها كوكب صغير جدا
    رضيِ الَلَهّ عن سيدنا علي وعن سيدنا ابو بكر وعن سيدنا عمر

  3. علي كعلي… ايري بام
    ……. ه..
    التعالي عن المهن شيء متوارث فيهم تجد الملقبين بالسادة وغيرهم لا يعملون نهائيا بل يعتمدون على الناس في اكلهم وشربهم.
    رضي الله عنك يا غفوري يا حبيبي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى