البَرَكَات (Blessings) (1/2)…


البَرَكَات (Blessings) (1/2)

تحايل “سيدنا” يعقوب (*) على أبيه إسحق للحصول على بَرَكَته. لم يكن إسحق يريد إعطاء البَرَكة ليعقوب، بل كان ينوى إعطاءها لإبنه الآخر عيسو. تحكى لنا التوراة كيف تآمر يعقوب مع أُمِّه رِفْقَة لخداع إسحق، الذى كان قد فقد بصره، و كيف جعلوه يظن أنه يعطى البَرَكَة لعيسو بينما الذى كان يتلقاها هو يعقوب (**).

لن أناقش هنا النواحى الأخلاقية، بل سأركز على مفهوم ‘البَرَكَة’ عند من ألّفوا هذه القصة، و هو مفهوم ما زال شائعاً حتى اليوم. سأتناول معنى الكلمة فى الجزء الثاني من هذه المقالة؛ لكن قبل ذلك من المفيد أن نتأمل فى تصور القدماء لكيفية تداول البَرَكَة، أي كيفية إعطائها وأخذها –

من الواضح أن العبرانيين كانوا يعتقدون أن البَرَكَة هي “شيئ” يمكن الحصول عليه بغض النظر عن نية صاحبه: ليس من المهم أن إسحق لم يكن ينوى إعطاء البَرَكَة ليعقوب؛ المهم أن يعقوب تمكن من “نتشها”، فأصبحت فى حوزته، وأصبح الإله ملزماً بتنفيذها. أقرب مفهوم معاصر لذلك التصور هو الشيك الذى يُصدر ‘لحامله’ (بغض النظر عما إذا كان حامله هذا هو من كان يقصده محرر الشيك.) أو فى تشبيه آخر – البركة هي بمثابة ‘store gift card’، يصرفها “صاحب المحل” لمن يحملها، بصرف النظر عن كيف حَصُل عليها (***).

ذلك هو الفكر البدائي. أما الفكر العقلاني (وهو ليس شائعاً،) فيرى البَرَكَة غير ذلك؛ البَرَكَة فى الفكر العقلاني هي مجرد تضرع من مانحها إلى الإله أن يمن بنعماته على الشخص المبارَك (فى العادة إبن أو بنت أو حفيد أو حفيدة.) أي أن البَرَكَة هي شيئ معنوي؛ هي “فكرة” فى ذهن مانحها. و قيمتها تعتمد كلياً على نية المانح ورغبته فى تمنى الخير للشخص الآخر. لا يمكن، عقلانياً، شراء البركة أو سرقتها أو الحصول عليها “بالواسطه.”

المصدر الأساسي للبَرَكَة هو الوالدان، كما فى قصة يعقوب. لكن العامة يعتقدون أنك يمكن أن تحصل على البركة ليس فقط من الأم أو الأب، بل حتى من أشخاص لا يعرفونك و لا تربطهم بك أية صلة شخصية أو عاطفية، (مثل شيخ أو قسيس.) فى هذا التصور البدائي رجل الدين هو بمثابة موزع معتمد (authorized dealer) للبَرَكَة، مخول من الإله بمنحها لأي شخص يدفع الثمن (****). وهي فى هذا لا تختلف جوهرياً عن صكوك الغفران (indulgences) أو عقود شراء فدادين فى الجنة.

كذلك يعتقد الكثيرون أن البَرَكَة درجات – فالبَرَكة التى تحصل عليها من البابا أو الإمام الأكبر (مثلاً) أعلى قيمة من بركة مطران أو إمام؛ وتلك، بدورها، أعلى قيمة من بركة قسيس أو شيخ زاوية … وهكذا. ربما – فى تصورهم – سيعطى الإله تضرع البابا أو الإمام الأكبر قدراً أكبر من الإهتمام يتناسب مع مركزه؛ أو أن قيمة الصرف ستكون أعلى. … فى أي حال – تفكير العامة لا يخضع للتحليل المنطقي!

هذه نبذة عن آليات تداول البَرَكَة فى الفكر الشعبي. لكن ما هي البَرَكَة؟ هذا ما سأناقشه فى المقالة القادمة.
__________________________
*) يعقوب (Jacob) هو ‘الأب-المؤسس’ للأمة العبرانية.
**) كان عيسو مشعراً و يعقوب أملساً. لذلك غطت رفقة ذراعي يعقوب بفرو المعيز حتى إذا ما تحسسه أبوه الضرير إعتقد أنه عيسو. (هذا ما تقوله التوراة.)
***) تختلف البَرَكَة فى هذا الصدد عن ‘صكوك الغفران’ و ‘عقود بيع فدادين فى الجنة’. تلك الوثائق كانت تحمل إسماء مالكيها.
****) الثمن ليس بالضرورة نقدياً. قد يكون مادياً أو معنوياً، لحظياً أو مؤجلاً.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

#الهوية_اليمنية…

#الهوية_اليمنية فتة الرهيك، أو المرهوك. لا توجد صورة في كل الدنيا لهذه الفتة، ولا أعرف قرية تحت السماء تصنعها. ولأن وادي الضباب، حيث ينام أبي

البَرَكَات (Blessings) (1/2)…

البَرَكَات (Blessings) (1/2) تحايل “سيدنا” يعقوب (*) على أبيه إسحق للحصول على بَرَكَته. لم يكن إسحق يريد إعطاء البَرَكة ليعقوب، بل كان ينوى إعطاءها لإبنه