توعية وتثقيف

المنهج العلمى…


المنهج العلمى

شرع جحا فى السفر ومعه ٥ حمير. ربط الحمير واحداً وراء الآخر، ثم إمتطى أولهم ومضى فى حال سبيله. بعد فترة ساورته هواجس فإلتفت وراءه ليحصى الحمير فإذا هم أربعة. إنتابه الهلع فترجل وعدّ الحمير فوجدهم خمسة. حمد جحا ربّه وركب وتوكل على الله. وبعد فترة أخرى أعاد التجربة فحصل على نفس النتيجة. وهنا حزم أمره: “خير لى أن أسافر مترجلاً وأنا أمتلك ٥ حمير عن أن أكون راكباً وعندى ٤.”

كثيراً ما نحض الناس على إتباع المنهج العلمى فى فكرهم وأعمالهم. وها هو جحا قد إتبع المنهج العلمى بحذافيره: الشك – الملاحظه – التحليل – تكرار التجربه – مقارنة النتائج. ومع ذلك أدى به الأمر إلى إستنتاج خاطئ (وهو أفضلية السفر مشياً بينما هو يمتلك ٥ حمير.)

ماذا ياترى كانت غلطة جحا؟ الخطأ الذى وقع فيه هو أنه غير نقطة المرجع (reference point) أثناء التجربة. لكي نفهم ذلك سنغير الموضوع لحظياً ثم نعود إلى جحا وحميره. إذا نظرت إلى الكون وأنت واقف على الكرة الأرضية، سترى أن الشمس تدور حول الأرض. أما إذا نظرت إلى الكون وأنت واقف على الشمس، فسترى أن الأرض هي التى تدور حول الشمس. أي أن ما تراه يعتمد على منظومة المرجع التى أنت فيها نقطة الأصل (origin).

لم يكن جحا يعى هذا الأمر. كان أسيراً لفكرة أن الحمير بالضرورة كائنات منفصلة عنه. والحمار الذى تحته لم يكن منفصلاً عنه، فلم يدخل فى الحساب. لذلك وصل إلى إستنتاج خاطئ (*)، و كرر الخطأ عندما كرر التجربة. فى العلم نسمى هذه الظاهرة مطباً فكرياً (pitfall) أو نقطة عمياء (blind spot) لا يستطيع الباحث الخروج منها بنفسه لأنه لا يراها وبالتالى لا يعيها.

المجتمع العلمي يدرك هذه الظاهرة، وإستن منظومة للتعامل معها. تعرف هذه المنظومة بمراجعة الأقران (peer review). عندما تريد أن تنشر بحثاً علمياً، ترسله المجلة الأكاديمية إلى عالِمين آخرين فى نفس المجال لمراجعته بهدف إكتشاف المطبات الفكرية والنقاط العمياء (بالإضافة إلى أمور أخرى.) وهذه خدمة يؤديها العلماء لبعضهم البعض دون أجر ضماناً لسلامة ونقاء الوسط العلمى.

فى مثال آخر لأهمية المنهج العلمي سمعنا عن “عالِم” آخر (لا يتمتع بنفس القدر من الشهرة مثل جحا) زعم أن حاسة السمع عند الصرصار تكمن فى أرجله. ماذا كان دليله؟ وضع صرصاراً على طاولة ونقر بإصبعه فجرى الصرصار. أعاد التجربة بعد أن نزع أرجل الصرصار، فلم يتحرك المسكين. كرر صاحبنا هذه التجربة مع عدة صراصير وحصل على نفس النتيجة، فإستنتج من ذلك ان حاسة السمع عند الصرصار موجودة فى أرجله.

سؤال للقارئ: ما هو التعريف العلمى للخطأ الذى وقع فيه “عالِم” الحشريات هذا فى بحثه؟ (السؤال ليس إختباراً، فإنا لا أعرف الإجابة.)
________________________
*) كما أخطأ القدماء فى فهم المنظومة الشمسية.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

‫11 تعليقات

  1. أحيانا عندما ينظر الإنسان إلى الأشياء عن قريب تكون نظرته خاطئة وإذا نظرت نظرة بعيدة متأنية وبدقة سوف تختلف النتيجة وهذا ماحدث لجحا
    لكن الحكمة من تصرفه أنه لو فعل فعلا يصل لمنطق يقنعه حتى ولو تعب وجاء على حساب راحته فإنه يفعله حتى لو كان خطأ

  2. بما أنه عالم كما أقررت سيادتكم و كما أقرت خطواته البحثية العلمية
    فلعله قد راي يوما صرصارا يسير بين الضجيج بدون الإستعانة بأقدامه بالرغم من وجودها ، فجعل منه عنصرا ضابطا لتجربته واضعا في الإعتبار أن وجود الاقدام من عدمها لن تعيقه عن الحركة و لو نسبيا أو حتي إصدار أية ردة فعل و لو علي أقل تقدير ،
    و بناءا عليه فقد أسس تجربته علي ما توفر لديه من أدلة و معلومات ،
    و بقطع الأقدام و الذي نتج عنه سكون تام لحركة الصرصار فقد تيقن و إستقر لديه أن الجهاز السمعي و العصبي للصرصار يكمنوا في أقدام الصرصار

  3. الخطأ المنهجي في استنتاج أن الصرصار فقد حاسة السمع هو خطأ منطقي يسمى بال converse fallacy أو Affirming the consequent fallacy.
    الافتراض: إذا أصدرنا للصرصار أمرا للحركة وتحرك، فقد سمع الأمر بالضرورة.
    ما حدث هو أننا أصدرنا له أمرا ولم يتحرك عندما قطعنا أرجله الأربعة، وبالتالي استنتجنا بشكل خاطئ انه فقط السمع وذلك لأننا عكسنا الافتراض، هو أن سماع الصرصار للأمر يجعله يتحرك، وهو افتراض خاطئ. وهو خطأ منطقي مشهور، بجعل الشرط الضروري كافيا، والشرط الكافي ضروريا. https://en.wikipedia.org/wiki/Affirming_the_consequent

  4. (جحا) هو احسن اختراع عربي منذ قرون..
    جحا عمل زي ربط الزياده السكانيه بالعمليه الجنسيه
    فإذا منعنا الزواج او العلاقه عموما سوف تنتهي الازمه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى