أسفار حارس الضريح….


أسفار حارس الضريح.
مع “الغيلي” في خياله الفقير وقلة حيلته.
————

تحدثنا في الأسابيع الماضية عن تاريخ علي بن أبي طالب، تتبعناه إلى صباه في مكة وهناك استمعنا للجاحظ وهو يقول إن الطفل علي لم يكن متميزا عن أقرانه من الأطفال لا بذكاء ولا فصاحة. وحين أسلم في مكة (إسلام التربية لا إسلام التكليف، كما يقول الجاحظ) عاش حياته لا طالباً ولا مطلوباً، حين كان سائر المسلمين يتعرضون للملاحقات والتعذيب. أي أنه كان أقل المسلمين في قريش أهمية. ثم جرينا مع سيرة “الأعيمش عظيم البطن، كما تصفه فاطمة” حتى كرسي الرئاسة وتتبعناه في متاهة السنوات الخمس في الكوفة، وحروبه التي حصرها على المسلمين المختلفين معه. قلنا إن الرجل اعتزل الحرب والسياسة ربع قرن، ثم ألقى بنفسه فجأة في أتون ذلك، وكان من نتيجة تلك المفارقة، أو المغامرة، أن انشقت الأمة الإسلامية أفقيا ورأسيا على نحو مدمر.

أحلنا كل ما ذكرناه إلى مصادره التاريخية المعروفة والمعتبرة.

لا نزال في سيرة الرجل، وفي المقالات القادمة سنتحدث عن سلسلة أزمات سياسية وعسكرية متلاحقة أحاطت به من كل جانب وآلت إلى مصير مأساوي بسيف أحد رجاله، وهو فقيه يمني وقع ضحية لهالة القداسة التي ضربها علي حول نفسه، وحين دنا منه قرر قتله.

أثار ما كتبناه جدلا واسعا، مع وضد، وكان من نصيبي كشخص الكثير سبابا ومديحا. فئة كبيرة أخافها النقاش، كأنها أوشكت أن تفقد هويتها أو تاريخها، ورأيناها تتعلق بأي قشة تافهة لتتفادى التلاشي. الكثير من النقاش الدائر ليس سوى قشّ خفيف تعلق به الغرقى وذلك مما يُحزَنُ له.

سأكتفي بالتعليق على المساهمة الأبرز، تلك التي قدمها العالم الشاب والمرموق د. عبد المجيد الغيلي. الغيلي صديق قديم، وجار دراسة قبل عقدين من الزمن. في مثل هذه الأيام قبل عشرين عاما كنا معا نتحدث عن دلائل الإعجاز للجرجاني ومسائل أخرى، وكان شخصاً واعداً. الغيلي قارئ واسع الإطلاع، وكان بمقدوره أن يصير شيئا ذا بال مع الأيام لولا أن إيمانه حدّ من خياله وألجم قدراته، ثم انزلق به إلى حارس مقبرة، أو سادن ضريح. لم يكبُر الرجل كثيرا، امتلأ بالمعلومات ولم يدر ما يفعل معها، اختنق بها، والقليل كان يكفيه لو أنه ترك لعقله العنان، لو أنه تحرر من قبوريّته.

قرأت أغلب ما ساقه تعليقا حول مقالاتي، استفدت من بعض ملاحظاته فيما هو متخصص فيه، غير أن الاستحابة لدعوته من أجل نقل النقاش إلى صراع مرويات، وترك التاريخ جانباً من أجل نزاع انتحاري داخل حقل الجرح والتعديل .. فتلك حيلة قديمة يُراد منها إخفاء حاكم الكوفة عن العيون. لطالما اختفى حاكم الكوفة عن العيون، محاطاً بقائمة مناقب هي الأعظم في التاريخ، ولشد ما هي عظيمة فقد تشاغل بها الناس عن البحث في تاريخه العامر بالحروب والتمزق والتشظي والتزوير.

رغم الجهد المبذول من قبل الغيلي إلا أنه لم يأت بجديد سوى إعادة إنتاج لتلك السردية الرهيبة حول نقاء علي، عبقريته، استحقاقه، ندرته، وبطولاته. حين كتبنا ما كتبناه كنا، مثل الكثيرين، على اطلاع ودراية بتلك المجرة الوهمية التي جلس عليها علي ودار مع النجوم. ما جاء الغيلي بجديد إذن، فأحدث مؤلف حول مناقب علي وسيرته، للعاملي، بلغ ٥٣ جزءا!

سأشير مبدئياً إلى عشر مسائل أراها أجدر بصدارة النقاش.. وهي في تقديري مما يجعل مساهمة الغيلي، في المجمل، شأناً خفيض القيمة.

١. تأكيد الغيلي على شرح دوافعه للكتابة على هذا النحو: غيرة على ديني، ومن أجل إرضاء ربي.
ما يعني أنه كان يخوض جهادا ضد عدوان صريح على “الدين، والإله” لا نقاشا علمياً.
كان الأمر جليّاً من خلال المسبّات التي كالها لي، وهي بالعشرات، في كل مقالة. أيضاً غمر مقالاته بالتحريض الناعم، بالصراخ الهادئ، حاول استثارة المتابعين كخطيب وكذائد عن الدين لا كباحث. مثل محاولة خلق تعالقات ديماغوغية على شاكلة: إذا كان علي مربيّاً سيئاً بالنظر إلى ما صار إليه محمد بن أبي بكر فإن النبي كذلك بالنظر إلى ما صار إليه علي في نظر مروان.
النقاش العلمي حول التاريخ لا يجري على هذا النحو، هنا باحث يحاول تصفية الموضوع من خلال الزج بالنبي في المنتصف لحسم المسألة على نحو نهائي. هذه حيلة تافهة لا شأن لها بالعلم.

ضمن آليات الغيرة التي استخدمها الغيلي: مطالبتي، في أكثر من موضع، باحترام صحابة رسول الله والأخذ بالتأويلات التي تحفظ لهم مكانتهم. المطالب هما يسمي نفسه باحثا. سخِر من كل تأويل للمرويات التي عجز عن الإتيان بما يناهضها، حد نقله لكلام ساذج يؤول سباب العباس لعلي، ورد الأخير عليه، في حضور الخليفة بأنه عتاب ودلع! اعتبر أي شرح لحديث ملاحاة علي وعمّه خارج فكرة العتاب افتراء على صحيح مسلم. وهذا مجرد مثال. منح موقفه الكهنوتي المتصلب الصفة العلمية. وهو يريد التاريخ بالجملة، مقاس واحد لكل الأحجام، فإن كان خالد بن الوليد شخصية جيدة فليكن عليّ أيضاً. أغضبه كثيراً امتداحي لبعض الشخصيات، قال إن هدفي الانتقاص من علي من خلال إعجابي بالآخرين. هذه مسألة خارج موضوع النقاش ولكنه حرص على الزج بها في المقدمة كتسخين ديني دعائي قبل طرح حمولته من المروياته النقيضة.

٢. إصرار الرجل على تقديم مساهمته بوصفها بحثا في العلم مع رفضه الكامل لأي تأويل قد يمس هالة النور المضروبة حول الصحابة وفي مقدمتهم علي. من ذلك اتهامه لي، في عنوان كبير، بالافتراء على البخاري في حديث المغيرة بن شعبة الذي شُهِد عليه بالزنا قبل أن يلغى عنه الحد بعد تلكؤ الشاهد الرابع. الحديث في البخاري ولكن الغيلي يمارس ألعاب الحواة مع النص، يعترف بالقصة ويقول إن الحديث مقطوع، رافضا لأي فهم لا ينزه المغيرة عن الخطيئة، ثم يستخرج الأرنب سليماً من القبّعة. جعل من عرضي للحادثة في سياقها التاريخي افتراء على علم الحديث! أفصح عن فلسفته بوضوح، فالتسامح مع حديث عن وقوع الصحابي في الزنا قد ينسف طهارة جيل بالكامل، وفي مقدمة ذلك الطهارة العلوية، ما سيسمح للقارئ بمساءلة كل شيء.

الغيلي قال إنه يدافع عن المنهج العلمي، ولكن مرافعته كانت كهنوتية خالصة استخدمت العلم ذريعة، وكان جندياً فدائياً في الذود عن طهارة ذلك الجيل. تلك مسألة إيمانية لا ينبغي عدّها علماً.

٣. حشد أمهات الكتب التي تتحدث عن فضل علي وامتيازاته وحكمته، إلى غير ذلك مما نعرفه من سيول وأنهار كتب التاريخ. كان في غنى عن ذلك، إذ ينصرف كلامنا إلى علي العادي جدا داخل مجرة وهمية. سيبتكر عنوانا عريضا اسمه افتراء الغفوري على ابن تيمية. مرة لأن الرجل رد حديث سيدا شباب أهل الجنة، وأخرى لأنه شبه بطولات علي بمعارك عنترة والأبطال. نقل عن ابن تيمية ما يخالفهما، وتجاوز كل منطق علمي محترم. إذ أن حقيقة موقف ابن تيمية من علي تجده في المنهاج وليس الفتاوى، المنهاج هو كتاب خصصه شيخ الاسلام لنسف أسطورة علي. في الجزء الرابع ص. ٣٩-٤٠ يرد حديث “سيدا شباب أهل الجنة”. يؤكد الغيلي وصف ابن تيمية لبطولات علي الوهمية، ويتهمني بالاحتيال. الحقيقة أن كل بطولات علي وهمية، بلا استثناء، ما يجعل وصف ابن تيمية صالحا لكل سيرة الرجل، وهذا ما قلته مرارا. لا توجد معركة واحدة تبرز بطولات الرجل الأعمش الذي تدخل النبي شخصيا في خيبر ونفخ في عينه ليتمكن من حمل الراية (أصيب بالرمد فضلا عن العمش المعروف). ابن تيمية وقع في أزمة بيناها سابقا، كان يقول ما يعتقده عن علي، ثم يصلح رأيه بمدائح وهمية عن الرجل. تلك أزمة كل مؤرخ يتعامل مع التاريخ كدين، سرعان ما يبادر إلى الاستغفار وراء كل حقيقة.

أمر آخر جهله الغيلي أو تجاهله: الفرق بين فتاوى ابن تيمية ومنهاجه. في فتاواه تحدث كثيراً بلا تدقيق، وجاء بنصوص كثيرة لا تصح رواية ولا دراية. كان متخففاً ومتساهلاً. وعندما كتب “منهاج السنة” فقد كان يعرف جيداً ما يقدم عليه، إذ جاء الكتاب ردّاً على “منهاج الكرامة في إثبات الإمامة” لابن المطهّر. سأساعد الغيلي في فهم هذه المسألة الحرجة، لأنه ربما لن يجد هذا التوضيح في مكان آخر: إن موضوع كتاب “المنهاج” لابن تيمية هو عليّ بن أبي طالب، أي الإمامة. وهكذا تصبح الأحاديث التي تساهل معها في فتاواه، بحسبانها نصوصا حول فضائل الأمور، إيديولوجيا خطرة في مكان آخر. يا عبد المجيد الغيلي، إن حديث “سيدا شباب أهل الجنّة” يصبح إيديولوجيا تؤسس لحقوق سياسية وعرقية متعالية على الحق والعدل، وهذا ما سيدفع ابن تيمية إلى رد الحديث في المنهاج، ضارباً عرض الحائط بكل الروايات. أنت خدعت القارئ وجئت بنصوص من مجموع الفتاوى لتقول للناس إن الغفوري يفتري على ابن تيمية. العالم لا يرتكب مثل هذه الحماقات والمغالطات، أشرت سابقاً إلى المواضع التي رد فيها ابن تيمية الحديث في المنهاج، وهنا أشرح لك فلسفته ومخاوفه. الألباني استغرب مثلك عن السبب الذي دفع الرجل لرفض “حديث صحيح”.

4. شن الغيلي هجوما رهيبا على شخصي، قال إني أفيض بذاءة وسفاهة وقلة أدب. ولا أدري ما علاقة البذاءة بالنقاش العلمي، كما استنكر أن يسمح شخص مثلي لنفسه بأن يتناول سيرة شخص عظيم مثل علي. الغيلي مثقف هاشمي، وهذه واحدة من زلات اللاوعي الفرويدية. قال هذا في معرض تأكيده على التزامه المنهج العلمي الصارم. وهكذا فإن وصفي لعلي بإمبراطور الكوفة يعد بذاءة، فالرجل حكم الأمة عدا الشام، وليس الكوفة وحسب، يزعم الغيلي. قلت إنه مات وترك لابنه الكوفة وأمصار ممزقة، وهذا ما أكده الغيلي نفسه حين تحدث عن سقوط مصر واليمن في قبضة خصمه. جاء بكتب كثيرة تنفي ما قلته ليخبرنا أن عليا كان قد بسط نفوذه على أفغانستان (باسمها القديم). الحاكم الضال يخسر الحجاز واليمن ومصر والشام ويبسط نفوذه على أفغانستان، وهكذا يصبح الخليفة الراشد والحكيم والكفؤ في تقدير الغيلي. يلتوي الغيلي كثيرا ليقول إن جارية بن قدامه قاد جيش علي وحرر اليمن ضاربا عرض الحائط بكل التاريخ، ومتجاهلا حقيقة ذلك القائد: الرجل الذي أحرق الأسرى من مناصري معاوية في البصرة، وذلك سبب اختيار عليّ له في المسألة اليمنية. وحشية علي وقادته، على شكل جارية بن قدامه وآخرين، هي التي دفعته لخسارة الأمصار والناس، وحتى أقرب الناس إليه كابن عباس.

لم يجبنا الغيلي عن الأسئلة التي طرحناها عن سبب الانضباط العسكري في جيش معاوية والتشتت والفوضى في جيش علي، ولا لماذا عجز الحسن عن حشد جيش يداني بالكاد 10 في المائة من حجم القوة التي جاء بها معاوية إن كان كما يزعم حاكماً يبسط سلطانه على أرض واسعة. ولا لماذا تفكك جيش عليّ لمجرّد أن لوح له معاوية بورقة التحكيم، فانهار جيشه إلى قوى متضاربة ومتصارعة. ما يعني أن العقيدة القتالية لذلك الجيش كانت مزيجاً من تناقضات شتى، وأن الحاكم كان يحرك جيشه بالحد الأدنى من التوافق والتلفيق. ولا لماذا قتل عليّ ولم يقتل معاوية. ولماذا قتل الأشتر ولم يقتل عمرو بن العاص. ولماذا لاقى محمد بن أبي بكر ذلك المصير المشؤوم، وهو ما لم يلقه أي من ولاة معاوية. وسوى ذلك من الاضطرابات المدمرة التي شهدتها دولة عليّ بسبب افتقاره للخبرة والخيال والكاريزما.

ما الذي صنعه الغيلي؟ وجد روايات تقول إن والي علي في مصر، محمد بن أبي بكر، قتل بطريقة غير تلك التي رواها مروان، وعد تلك الرواية اختراقا منهجيا. هكذا هرب إلى الهراء التاريخي وتجاهل ما هو عميق وصلب وجوهري وتأسيسي في تاريخنا. فقد علي مصر بسبب اعتماده على العنف اللامدروس، فقد دفع محمد بن أبي بكرة لمهاجمة البلدة التي رفضت البيعة، ما جعل الأمور تتصاعد حتى الثورة ومقتل الحاكم. بسذاجة نادرة يتجاهل الغيلي متتالية الكوارث التي ارتكبها علي بخصوص مصر ليأتي لنا، بدلا عن النقاش التاريخي، بمدائح عديدة عن محمد بن أبي بكر وحنكته وحكمته. تلك هي عقلية سادن الضريح، لا العالم ولا الباحث.

٥. الأشتر عند الغيلي صحابي جليل. وكذلك محمد بن أبي بكر. يفهم الغيلي مسألة قتل عثمان ب”طعن عثمان”. حاول استنقاذ الرجلين، محمد والأشتر، من الجريمة ليس دفاعا عنهما وإنما ليتدارى فضيحة استعانة علي بالمجرمين. في البخاري أن الأشتر حضر مع الثوار واعتدى على صفية زوجة الرسول إذ وقفت تذب عن بيت الخليفة. ومحمد اقتحم بيت الخليفة، كما يؤكد الغيلي نفسه، واعتدى عليه جسديا (تتنوع الروايات بين طعنه وشد لحيته ولكنها تكاد تتفق على تواجده في منزل رئيس الدولة مع المقتحمين). كان دفاع الغيلي بائسا ومثيرا للرثاء، تجاوز الحقيقة التاريخية ودلالتها السياسية وراح يبحث عن روايات تتحدث عن فضل محمد وروايته للحديث. ابن تيمية يحظى باحترام الغيلي، وقد قال عن محمد بن أبي بكر: كان رجلا بلا فضيلة. هكذا هم رجال علي كما تقول كتب الغيلي نفسه.

وقع الغيلي في فضيحتين أخريين: الأولى إصراره على اعتبار أي تأويل للحديث افتراء. ومطالبته لي ب”تصديق أو احترام” كل ما يرد في الكتب التي أنقل عنها. وعليه فإن نقلت رواية عن البخاري فلا بد أن استسلم لكل ما يقوله مما يخالف قراءتي للتاريخ. وقع هو شخصيا في المشكلة نفسها حين راح يدافع عن الأشتر الذي، كما في البخاري الذي يقدس روايته، اعتدى على نساء النبي في المدينة!

٦. على نحو بائس وساذج يدافع الغيلي عن موقف علي من قتلة عثمان. يتشعبط بكل حيل التاريخ ويخلص إلى استنتاج مخزي وفاضح: علي لم يحاكم القتلة لأنه لم يتلق طلبا من أولياء الدم. ثم يقول: إن معاوية، من أولياء الدم، طالب عليا بالقصاص فاشترط علي البيعة فرفض معاوية، فرفض علي.

لم تكن جنحة جنائية بل جريمة سياسية. جرى العدوان على مركز الدولة وفكرتها، على النظام السياسي ووثائقه المؤسسة. تلك كانت الجريمة، الموقف منها يحدد مشروعية النظام اللاحق. استخدم علي الحدث، كما يعترف الغيلي، للابتزاز السياسي وخان مهمته الأولى: الانتصار لمشروع الدولة ولحكم القانون وللحق العام. الغيلي يستخدم لغة أوسع منه، يلقي بالنصوص ولا يعيها، ويتعثر بما يحمله من أسفار. عينه على جده الأكبر، يريد استخلاصه وتطهيره ولكن الأمور لا تجري على هذا النحو. قتل عثمان لا يعني طعنه، ورجال علي حضروا الجريمة وساهموا فيها، وعلى الأقل لم يكونوا محايدين. التمرد ليس خنجرا بل موقفا عسكريا عاما بصرف النظر عمن سيسدد الطعنة للقائد. لماذا يبدو الغيلي محدود الخيال؟ كان بمقدور علي، إن كان يملك أدنى خيال في السياسة ولن نقول الأخلاق، أن يحيط نفسه برجال محايدين بخصوص تلك الجريمة السياسية فور تسلمه للسلطة. خلاف ذلك قرب القتلة وعزل رجال عثمان ضاربا عرض الحائط بنصائح المقربين منه مثل ابن عباس والمغيرة بن شعبه. الحقيقة أنه أخذ بيعة أهل المدينة في وقت كان فيه الثوار يمرحون فيها جيئك وذهابا، وكان علي هو اختيارهم الوحيد. اختلف سائر المسلمين حول علي، غير أن المتمردين اتفقوا عليه جملة وتفصيلا. هل تبدو هذه الوضعية التاريخية بلا معنى؟

٧. يأتي الغيلي بحمولة غزيرة من الأقوال التاريخية التي تمنح علي الأهلية والحق، الأهلية للحكم والحق في الحروب. يجعل الرجل تعبيرا عن إرادة عامة ويتجاهل حقيقة أنه كان يحارب في الكوفة بينما في المدينة عشرون ألفا من الصحابة عازفون عن معاركه. يجلب روايات عديدة عن مئات الصحابة في جيشه منهم أهل بدر وبيعة الرضوان، وإن كان ابن تيمية يؤكد أنه لم يخرج مع علي من كبار الصحابة سوى أربعة.

يستخف الغيلي بذكاء متابعيه قائلا إن عليا لم يخرج من المدينة إلى البصرة ليقاتل عائشة ومن معها، وإنما “ليخرجهم منها”. لم أكن أتوقع أن تبلغ قدرة الغيلي هذا الحد من التواضع. كان الخيال السياسي لعلي محدودا، وهو كذلك بصفة عامة في بني هاشم وتلك معجزة إلهية إذ جاء من تلك السلالة محدودة الخيال نبي. ربما بالفعل فكر علي أنه سيخرج جيش عائشة من البصرة وأنه سيسمي القتال المر والمدمر بين فئتين من المسلمين إخراجا، وستمشي الأمور كما ينبغي.

٨. سيرة الحرب تقول الكثير عن الأهلية العسكرية والسياسية لعلي. يفرد الغيلي بابا ليخبر الناس عن كذبي، قال إني زعمت أن عليا جعل من نفسه إلها. قلت إن عليا رفع نفسه للأعلى، كآلية دفاع ضد الهزائم والعزلة والإحباط، فذهب شيعته وألهوه. هذا تقدير تاريخي مني، أدعي أنه تقدير أصيل ويستحق النقاش. أغلب أحاديث فضائل علي رواها هو شخصيا، وهي نصوص بلا قيمة تاريخية ولا أخلاقية ولا معنى لها سوى داخل فهم آخر للاسلام: الشركة العائلية.

بدلا عن نقاش ما أوردته راح الغيلي يكيل لي السباب متهما إياي بالكذب والدجل. التقدير، التأويل، التحليل، الاستبطان، التفكيك اللغوي والنفسي للنصوص.. كل ذلك عدته الأطروحة “العلمية” للغيلي افتراء وكذبا. هدم علي دور خصومه، أحرقهم بالنار، أحرق رجاله الأسرى، قاتل المسلمين في معارك بلا حصر، استعان بقطاع الطرق، وانتهى مقتولا تاركا خلفه أزمة سياسية غاية في التعقيد.

ذلك هو التاريخ، ولا علاقة له بخطاب البذاءة و”إرضاء ربي”. إن الكثير مما كتبه الغيلي تصعب مناقشته لأن تفاهته تفوق كل خيال بشري.

٩. سخر مراراً من “الروائي”، وركِب على تلك الصفة ليقول للقارئ: بما أنه متخصص في فن الرواية فعليه أن لا يمس أشياءنا التاريخية. ينطلق للدفاع عن كل ما يخص عليّ بسذاجة منقطعة النظير، حتى الكوفة. يُفهم مما كتبه أن الرجل لم يجد الوقت الكافي للقراءة في تاريخ الكوفة، لذا اكتفى بمغالطة عاطفية تقول إن القرآن مكتوب بخط كوفي، وذلك امتياز تاريخي يكفي للقول إن عليّاً كان دائماً على صواب. بهذا الخداع البصري الدراويشي استطاع أن يفلت من الإجابة عن أسئلة حرجة حول الكوفة: لماذا نقل عليّ الخلافة من المركز الروحي والفلسفي للإمبراطورية الإسلامية إلى معسكر في أقصى الشرق [الكوفة تعني لغة معسكر الجيش] اسمه الكوفة، بلا تاريخ ولا عمران؟ لماذا عاشت تلك البلدة حتى بعد تحولها إلى مدينة مكاناً للاضطراب السياسي، الصراع، الثورات، والعنف المجاني حد وصف شيخ أبي حنيفة لأهلها قائلاً “كأن النبي الذي بعث إليهم ليس هو النبي الذي بعث إلينا”. في “تاريخ الكوفة” للبراقي ينقل المؤرخ مقولة قديمة جداً تقول “الكوفي لا يوفي”، وهو انطباع شعبي تاريخي يعود إلى الأيام الأولى لتلك البلدة غير المستقرة.

ما عجز الغيلي عن استيعابه هو تخيّل ما بعد حرب الجمل. فبعد أن قتل عليّ الآلاف من أهل الحجاز، من جيشه وجيش زوجة النبي، بات من الصعب عليه أن يعود إلى أيّ من المدينتين. حين غادر المدينة لم يكن ينوي الإقامة في تلك “المضيعة من الأرض”، ولكن حروبه وما خلقته من ثارات واستياء على المستويين السياسي والقبلي جعلته ينفي نفسه إلى الكوفة، محاطاً بمطاردين ومطرودين. كان حين يعجز عن تحريكهم لصد غارات معاوية التي تكاثرت على أطراف العراق، قبل صفين، يخطب في أهل الكوفة قائلاً إنهم جعلوا الناس يصدقون ما قالته قريش عنه بأنه ليس رجل حرب، كما يورد البلاذي في أنساب الأشراف. يمكننا القول هُنا أن علي يعترف بأن ثمة انطباعاً عاماً عنه، وفي الحجاز بلاده، بأنه لا يصلح للحرب. كما يعطينا صورة عن مجتمع الكوفة الذي ألقى فيه علي على الأقل خمسة خطابات متلاحقة حين أبلغ بخمس غارات شنتها قوات الشام على تخوم العراق. في كل مرّة كان يلاعن أهل إمارته ويسبّهم بسبب تقاعسهم عن القتال، كما في أنساب الأشراف وتاريخ دمشق وسواهما.
هذا الحقيقة تساعدنا أكثر في فهم شكل السياسة في سنوات علي الخمس الأخيرة.

بنيت أول منازل الآجر في الكوفة في خمسينات القرن الأول الهجري، في العهد الأموي. يرتكب الغيلي خطأ علميا قاتلاً حين يقتبس من هشام جعيط وغيره عن الوضع العمراني والثقافي للكوفة موهماً القارئ أن الصورة تلك هي صورة الكوفة في عهد علي. آلت الكوفة إلى حاضرة كبيرة ليس بسبب آل البيت ولكن رغما عن آل البيت، حدث ذلك متأخرا جدا، وهو ما بجهله الغيلي أو يخفيه. ثم سيخدع الغيلي قراءه ناقلاً عن جعيط حول اهتمام الأمويين بالكوفة، وكعادته لن يفعهم التاريخ بوصفه عملية مركّبة يتداخل فيها السياسي مع ألف عنصر. فالأمويون أولوا اهتماماً بالكوفة بوصفها “بيت الداء”، كما اهتموا بالمدينة ومكة بوصفهما المركز العقلي للإسلام، ومن الجيد أن يحصل الإمبراطور في الشام على رضا ذلك المركز. سيتجاهل الغيلي حقيقة أن حاكماً عربياً وحيداً في كل التاريخ الإسلامي اتخذ الكوفة عاصمة، واسمه علي، وأن قراره ذلك أودى بحياته. ثمة حاكم عبّاسي وحيد اتخذها مركزاً وسرعان ما غادرها. عداهما فإن الكوفة بقيت على الدوام أقل أهمية من أن تكون عاصمة.

10. عبدالمجيد الغيلي يحفظ النصوص، ولكنه يجد مشقّة في فهمها، لذا فهو لا يصلح بالمرّة لقراءة التاريخ. يكفي أن يجلس على باب مقبرة وفي يده فأس. فمثلاً يتصارخ ويتقافز قائلاً سأكشف خيانة جديدة لمروان، لقد افترى مجدداً على صحيح الإمام مسلم، لقد كذب. سيفسح مكاناً لهرائه المتكرر عن افتراءات الغفوري، فلديه الكثير من الوقت والقليل من الخيال. ما وجده مثير للغاية، إذ قلتُ إن الإمام مسلم أورد حديثا عن الأنصار يقول لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، وأن عليّاً سرق الحديث لنفسه، وهكذا صار: يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. يقول الغيلي إن الحديثين في صحيح مُسلم، وأن الغفوري افترى مجدداً على الرجل. ما لم يقله الغيلي أن الإمام مسلم نقل حديث “يا علي، لا يحبك إلا مؤمن” عن عليّ نفسه، وأنا لم أنكر أن النص عند مسلم، قلتُ أن عليّاً سرق شرف الأنصار كما فعل مراراً هو وآل بيته وكذلك شيعته.

تقافز الغيلي عبثاً، إذ كل غايته أن يحمي المقبرة بأعلى قدر من الضجيج. سيتكرر الأمر مراراً مع آل البيت الذين، عدا أبي لهب، فهموا الاسلام بوصفه امتيازا خاصا للعائلة. كفر أبو لهب بالاسلام لأنه فهمه على حقيقته: حرية وعدالة وتحرير.

لا ينبغي لرجل أو امرأة أن ينسب لنفسه فضلا إن كان من خارج دائرة العائلة النبيلة، عائلة هاشم. وكلما روى أحدهم حديثا يخرج بنو هاشم بعشرات الأحاديث المشابهة التي تهدف لسرقة لحظات الشرف تلك. فمثلا: مقابل حديث عائشة عن أن النبي كان يمص لسانها ستخرج أحاديث أخرى هاشمية تقول إنه كان يمص لسان علي في طفولته، ثم مص لسان الحسن والحسين، وسائر العائلة. بعض تلك الأحاديث حصلت على تقييم جيد بين الحسن والصحيح، ما يعني أن الرعيل الأول من آل البيت هو من تحدث بها ونقلها، وهكذا يصح الحديث “إسناداً”.

الغيلي يضعنا أمام هذا التحدي: إذا صحّ الحديث رواية فلا مكان للقياس ولا التأويل، ولا حتى للرفض انطلاقا من الدراية، أي العقل. فعلي الذي لم يثبت عنه، بالمرة، انشغاله بالتدريب والرياضة البدنية، قتل 10 في المائة من المشركين في أهم معارك الإسلام، وهو الذي يصفه عديد من المؤرخين بالأعيمش عظيم البطن [محدود الرؤية ولا يتحرك كثيراً]. إن وصف الرجل بعظيم البطن ناشئ عن حقيقة أنه كان يعاني من مشكلة صعبة في النظر جعلته محدود الحركة، وبسبب ذلك صار رجلاً بديناً. ثم اعتزل الحروب والتمارين العسكرية لربع قرن، وعاد إليها على مشارف الستين من عمره وقد زاد بصره سوءا وكرشه عظمة. عند الغيلي: بقي فارساً محارباً وماهراً. هذا النوع من التقديس الجاهل لا يأخذ أي شيء في الحسبان، لا النمو النفسي للشخصية التاريخية، ولا تاريخها البدني، ولا كل ما هو فسيولوجي قهري. ما كان عليّ بحاجة إلى كل تلك القائمة من “المناقب”، وهي أحاديث كان هو في الأعم راويها، لو لم يكن مأزوما. يستطيع أي منشغل في التحليل النفسي للشخصية التاريخية أن يدرك هذه المسألة، حرّاس المقابر يقعون كلّيا خارج دائرة الفهم هذه.

يتبع ..
Marwan Al-Ghafory

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

الفتح الفرنساوى للمحروسة…

الفتح الفرنساوى للمحروسة “3” فى تلك الأيام كانت مصر تحت الإحتلال الإسلامى منذ 1200 سنة تقريبا، بداية من حكم الخلفاء الراشدين، إلى الحكم الأموى ثم