شهدت الأسواق العالمية يوم الخميس موجة بيع قاسية عصفت بالمعادن النفيسة، ليفقد الذهب نحو 5% من قيمته، بينما هوت الفضة بحوالي 10%. حالة الذعر هذه لم تأتِ من فراغ، بل طغت على المستثمرين مخاوف تضخمية متزايدة بالتزامن مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثالث، وهو ما دفعهم للتخلص من الأصول بشكل جماعي.
وبحسب تداولات الصباح، تراجع السعر الفوري للذهب بنسبة 4.9% ليصل إلى ما يزيد قليلًا عن 4600 دولار للأوقية، في حين هبطت العقود الآجلة للمعدن الأصفر إلى 4612 دولارًا. امتدت الخسائر لتضرب أسهم شركات التعدين وصناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالمعادن. خسر صندوق “برو شيرز ألترا سيلفر” نحو 20% قبل جرس الافتتاح، وشهدت صناديق أخرى مثل “آي شيرز سيلفر تراست” و”أبردين فيزيكال سيلفر” تراجعات تراوحت بين 9.9% و10%.
نزيف حاد لأسهم التعدين
وتكبدت أسهم كبرى شركات التعدين خسائر فادحة. هبط سهم “تيك ريسورسز” بنحو 8.9%، وتراجعت أسهم “فيرست ماجستيك سيلفر” و”كور ماينينغ” بنسب 10% و9.9% على التوالي. هذه الموجة طالت أيضًا الجلسة الأوروبية، فانخفض مؤشر الموارد الأساسية الأوروبي بنسبة 6%، وتراجعت أسهم “فريسنيلو”، عملاق إنتاج الفضة، بنسبة 9.3%، إلى جانب خسائر قوية لشركة “أنتوفاجاستا” بلغت 8.2%. كل هذا يعكس حالة عامة من العزوف عن المخاطرة، تزامنت مع هبوط متوازٍ في الأسهم العالمية والسندات الحكومية مع تحرك الأسواق الأوروبية والأمريكية نحو الانخفاض.
أزمة طاقة وترقب حذر من البنوك المركزية
تلقي الحرب الدائرة بظلالها الكثيفة على الاقتصاد العالمي، مهددة بصدمة طاقة قد تزيد من حدة الضغوط التضخمية. القفزة التي سجلتها أسعار النفط والغاز يوم الثلاثاء، إثر استهداف منشآت طاقة في إيران وقطر، زادت من وتيرة القلق. البنوك المركزية تقف في طليعة المراقبين لهذه التطورات. قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة، مشيرًا إلى التداعيات “غير المؤكدة” للصراع في الشرق الأوسط. أبقى بنك اليابان أيضًا على معدلات الفائدة مستقرة، محذرًا من أن مخاطر التضخم تتجه نحو الارتفاع.
على ذات الصعيد، أعلن البنك الوطني السويسري الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 0%، ملمحًا إلى تزايد استعداده للتدخل في سوق الصرف الأجنبي إذا استمرت الحرب. وتتجه الأنظار الآن نحو بنوك مركزية أوروبية أخرى، من بينها بنك إنجلترا، التي تستعد لتحديث سياساتها النقدية في ظل هذه الظروف المعقدة.
عوامل سياسية تضغط على الأسواق
المشهد لا يخلو من حسابات سياسية أخرى تؤثر على الأسواق. الانتخابات البرلمانية المبكرة المقررة في اليابان خلال شهر فبراير المقبل سيكون لها صدى واسع على السياسة النقدية للبلاد. ففي حال فوز حزب رئيسة الوزراء “ساناي تاكايتشي”، من المتوقع أن تتجه طوكيو نحو سياسة تيسيرية قوية. هذا التوجه سيشكل ضغطًا هائلًا على الين الياباني، وقد يدفعه للتراجع إلى مستويات 162 ينًا لكل دولار أمريكي.
تصحيح قادم وعقبات لوجستية
التقلبات العنيفة التي يشهدها عام 2026 تأتي في أعقاب عام استثنائي حقق فيه الذهب والفضة قفزات تاريخية بنسبتي 66% و135% على التوالي خلال 2025. سيف قدورة، مدير التداول في مجموعة “فاندنج بيبس”، يتوقع أن يشهد الذهب حركة تصحيحية قاسية تهبط به دون حاجز الـ 4000 دولار للأوقية على المدى المتوسط. هذا الانخفاض يعتبره تصحيحًا صحيًا بعد الارتفاع القياسي الذي بلغ 1700 دولار خلال العام الماضي، وقد يتراوح الانخفاض بين 800 و850 دولارًا ليمحو نصف تلك المكاسب.
يفسر بول سورجوي، مدير إدارة الاستثمار في مجموعة “كينجسوود”، المشهد الحالي بأن المستثمرين يهرعون لتسييل الأصول الأسرع مبيعًا. الذهب استفاد طويلًا من رياح مواتية، لكن يبدو أننا نشهد الآن تخلصًا من الملاذات الآمنة لتمويل شراء أصول أخرى تضررت بشدة وربما بالغت في رد فعلها تجاه الأزمة الحالية. العقبات اللوجستية التي فرضتها الحرب تلعب دورًا محوريًا أيضًا؛ فإغلاق المجالات الجوية والممرات الملاحية يجعل نقل الذهب المادي مكلفًا للغاية أو حتى مستحيلًا، وهو ما يعقد من فكرة امتلاك الملاذ الآمن الفعلي في أوقات الأزمات.