إرادة الملاعب.. أتشيربي ينجو من الموت ليصعق برشلونة وفورت يسابق الزمن للعودة

رصاصة الرحمة في قلب الكتلان دائماً ما تخبئ ملاعب كرة القدم قصصاً تتجاوز مجرد الركض وراء الكرة، ولعل حكاية فرانشيسكو أتشيربي، مدافع إنتر ميلان، واحدة من أكثر القصص إلهاماً في الآونة الأخيرة. هذا اللاعب لم يكتفِ بأداء أدواره الدفاعية، بل تقدم في مشهد درامي وغير معتاد ليسجل هدف التعادل القاتل لفريقه بنتيجة 3-3 في شباك برشلونة باللحظات الأخيرة. هذا الهدف كان كفيلاً بجر المباراة إلى أشواط إضافية، ليتمكن إنتر في النهاية من خطف الفوز 4-3 وبطاقة العبور للنهائي. سيموني إنزاغي، المدير الفني لإنتر، علق على هذه اللحظة مؤكداً أن أتشيربي هو من اتخذ قرار التقدم للهجوم بنفسه، وأنه كمدرب لم يحاول منعه لأن الفريق لم يعد لديه ما يخسره، مشيداً بالدور الدفاعي العظيم للاعب والذي توجه بهدف حاسم.

السرطان كطوق نجاة ولكي ندرك حجم صلابة هذا المدافع الإيطالي، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً. أتشيربي، الذي ارتدى قمصان أندية عريقة مثل ميلان وساسولو ولاتسيو قبل استقراره في إنتر، واجه خصماً أشرس بكثير من أي مهاجم قابله، وهو مرض السرطان. في صيف 2013، وتحديداً خلال كشف طبي روتيني مع ساسولو، اكتشف الأطباء إصابته بسرطان الخصية. خضع سريعا لجراحة لاستئصال الورم وعاد للملاعب، غير أن الكابوس عاود الظهور في نفس العام عندما سقط في اختبار للمنشطات، لتثبت الفحوصات أن السرطان هاجمه من جديد. بعد رحلة قاسية مع العلاج الكيميائي، أعلن اللاعب تعافيه التام في 2014. والمفارقة هنا أن أتشيربي يعتبر هذا المرض بمثابة طوق النجاة الذي أنقذه من الضياع، مؤكداً أن السرطان رغم بشاعته علمه كيف يكون رجلاً.

دوامة الضياع وفقدان الشغف حياة أتشيربي قبل محنة المرض كانت تسير في نفق مظلم. وفاة والده ألمير كانت صدمة كسرته تماماً، خصوصاً أن والده كان يمارس عليه ضغوطاً كبيرة في كرة القدم بدافع الاهتمام والاستثمار فيه. اعترف اللاعب بأنه بمجرد وفاة والده، فقد شغفه الكروي ولم يعد يعرف من أجل من يلعب. حتى عندما تحقق حلمه بالانضمام إلى ميلان، النادي الذي يشجعه، في نفس الصيف الذي رحل فيه الأسطورة أليساندرو نيستا ليحصل على القميص رقم 13، لم يشعر بأي قيمة لهذا الإنجاز. إدارة “الروسونيري” حاولت آنذاك إبعاده عن الحياة الليلية الصاخبة في المدينة، ووفرت له منزلاً في منطقة غالاراتي التي تبعد ساعة عن التدريبات، لكن كل ذلك لم يفلح. غرق أتشيربي في شرب الكحول، وفقد الحافز، وتخلى عن احترامه لنفسه ولمهنته وللأشخاص الذين يدفعون راتبه.

استعادة التوازن وتحديات جديدة بدأ أتشيربي يستعيد توازنه المفقود بعد تعافيه من السرطان. في نوفمبر 2014، تلقى استدعاءً لتمثيل منتخب إيطاليا من المدرب أنطونيو كونتي، الذي كان صريحاً جداً معه، حيث أخبره بأنه استدعاه لكفاءته ومستواه في الملعب وليس كمكافأة أو تعاطفاً مع قصة مرضه، مشدداً على أنه لا يمنح أحداً معاملة خاصة. استمرت الحياة في اختبار المدافع الإيطالي، ففي عام 2016 استبعده كونتي من قائمة اليورو في فرنسا، كما انتهت علاقته بخطيبته سيرينا التي كان يحلم بالزواج منها. تجاوز اللاعب كل هذه العثرات، واستقرت حياته تماماً منذ عام 2020 بارتباطه بشريكته الحالية كلوديا التي أنجب منها طفلين.

معركة أخرى في إسبانيا على الجانب الآخر من قصص الصمود الميدانية، يتابع برشلونة، الذي تجرع مرارة هدف أتشيربي، بشغف رحلة تعافي أحد مدافعيه الواعدين وهو هيكتور فورت، المعار إلى صفوف إلتشي. عاد فورت مؤخراً إلى ناديه إلتشي ليبدأ المرحلة الأخيرة من التأهيل بعد إصابة قوية أبعدته عن المستطيل الأخضر. المدافع الشاب كان قد تعرض لخلع أمامي في الكتف الأيسر إثر سقوط مروع يوم 21 ديسمبر الماضي، عقب تسجيله هدفاً في الدقيقة السادسة ضد رايو فايكانو، مما استدعى تدخلاً جراحياً في برشلونة بعد 8 أيام فقط من الواقعة.

خطوات محسوبة نحو العودة حرصت إدارة برشلونة على متابعة حالة فورت عن كثب، حيث أمضى اللاعب المرحلة الأولى من علاجه تحت إشراف الجهاز الطبي للنادي الكتالوني في منشآتهم. ومع التقدم الملحوظ في حالته البدنية، بدأت خطوات إعادة دمجه في بيئة إلتشي. منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالناديين وثقت وصول فورت لمقر تدريبات إلتشي، حيث ظهر مشاركاً في الحصة التدريبية المسائية برفقة زميله إينياكي بينا، المعار أيضاً من برشلونة. خطوة عودة اللاعب في هذا التوقيت جاءت بطلب شخصي من إيدير سارابيا، مدرب إلتشي، الذي يطمح لإدخال فورت تدريجياً في المنظومة التكتيكية للفريق قبل حصوله على التصريح الطبي النهائي المنتظر صدوره في شهر أبريل. فورت كان يقدم مستويات مبهرة وانسجم سريعاً مع أسلوب لعب إلتشي القريب جداً من فلسفة برشلونة قبل الإصابة، وتتجه كل الآمال الآن نحو إنهاء فترة تأهيله بنجاح ليلحق بالأمتار الأخيرة من الموسم، ليكون إضافة حاسمة لكلا الناديين.