عواصف الموضة: بين صراعات التراث المغاربي وتقليعات ربيع 2026

صراع الهوية على منصات التواصل لا يكاد يمر شهر دون أن يطفو على السطح ذلك النقاش المحتدم بين المغرب والجزائر حول أصل “القفطان”، وهل هو زي مغربي أصيل أم تعود جذوره إلى الجزائر. ساحة المعركة الحقيقية أصبحت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع انتشار صور لنجوم ومشاهير يرتدون هذا الزي التقليدي، لتبدأ حرب التعليقات والمشادات بين المستخدمين حول أصل وفصل هذا اللباس التاريخي.

هذا الجدل المشتعل دفع الكثير من المتخصصين للتدخل ومحاولة تفكيك المشهد. أستاذ علم الجماليات، موليم لعروسي، يرى أن الصراع بين البلدين الجارين ليس جمالياً على الإطلاق، بل هو صراع سياسي بامتياز من تركة الاستعمار الفرنسي. لعروسي يرجح أن يكون أصل القفطان تركياً بالأساس، مشيراً إلى أن سكان المغرب الكبير كانوا يرتدون قديماً لباساً غير مخيط يشبه ملابس الإحرام، لكن هذا الزي تطور لاحقاً داخل المغرب بفضل الطفرة التي شهدتها المدن المغربية.

جذور تاريخية وتأثير أندلسي على الجانب الآخر من الحدود، يعتبر المؤرخ والأكاديمي الجزائري محمد الأمين بلغيث أن منصات التواصل تصب الزيت على النار وتتعمد إشعال الفتنة طمعاً في جني أرباح مادية بحتة من وراء التفاعلات. بلغيث يؤكد أن القفطان ظهر في الجزائر في بدايات القرن السادس عشر، وتحديداً حوالي عام 1515، موضحاً أن الأبحاث التاريخية تثبت وجود تمازج وتلاقح كبير في الأزياء المغاربية، من قفطان تونس إلى قفطان تلمسان وندروما في الجزائر، وصولاً إلى فاس في المغرب.

ويلفت المؤرخ الانتباه إلى التأثير الأندلسي العميق الذي وفد للمنطقة بعد سقوط غرناطة عام 1492، والذي ترك بصمته على سكان تلمسان ووهران والجزائر العاصمة، وكذلك فاس وطنجة، ليمنح القفطان ميزته الاستثنائية. ووسط هذه التجاذبات، تبرز أصوات تدعو إلى ضرورة تدخل اليونيسكو لحسم الأمر وتسجيل القفطان كتراث غير مادي مشترك يجمع دول المغرب والجزائر وتونس، وربما ليبيا أيضاً، والابتعاد عن المؤثرين الذين يبحثون عن إثارة النعرات وتقسيم الأوطان بدلاً من التركيز على حلم المغرب العربي الكبير.

من عبق التراث إلى تمرد الربيع وبينما يفرض التراث وتاريخ الأزياء نفسه بقوة كساحة للصراعات وإثبات الهوية، فإن عجلة الموضة العالمية لا تتوقف أبداً، بل تندفع بسرعة نحو المستقبل لتكسر المألوف. فمع اقتراب شهر مارس، تبدأ رحلة التخلص من الملابس الشتوية الثقيلة والمملة. ربيع 2026 لا يقتصر فقط على تقديم أقمشة خفيفة، بل يعيد النظر في كل ما نرتديه، لتتغير الصور الظلية وتتعدل النسب بشكل يعطي للقطع الكلاسيكية التي اعتمدنا عليها طوال الشتاء شكلاً جديداً ومختلفاً. اتجاهات عام 2025 أخذت وقتها وانتهت، وعروض أزياء الربيع والصيف الحالية ترسم ملامح طريقة لبسنا اليوم، بلمسة مسرحية جريئة لكنها تظل مرتبطة بالواقع.

إلهام المحيط وألوان صارخة من أبرز الاتجاهات التي تستحق أن نفرغ لها مساحة في خزانتنا هذا الموسم هي الأزياء المستوحاة من عالم البحار. ملابس السباحة المعتادة تأخذ منعطفاً جديداً كلياً يركز على الخامات التقنية المبتكرة، لنرى أقمشة شبيهة ببدلات الغطس تتألق في تصميمات “لويفي”، أو حتى بدلات ركوب الأمواج التي تم طيها لتصبح سراويل عصرية في عروض “راباني”.

وبالرغم من أن مؤسسة بانتون اختارت الأبيض الغائم كلون للعام، إلا أن منصات العروض كان لها رأي آخر باكتساح لون “أزرق إيف كلاين”. هذا اللون الجريء والمشبع، الذي ارتبط بالفنان إيف كلاين في الستينيات، يعود بقوة ليوقظ درجات الربيع المحايدة، سواء ظهر في إطلالة كاملة من الرأس للقدمين أو كلمسات صارخة تخطف العين كما شاهدنا عند “ففورم” و”فالنتينو”.

معاطف مقصوصة وشفافية ذكية طالما كان معطف “الترينش” خياراً أساسياً للفترات الانتقالية، خاصة مع عودة بساطة كالفن كلاين وأناقة كارولين بيسيت كينيدي لدائرة الضوء. المثير هذا الموسم هو التلاعب الجريء بالنسب، حيث تقلص حجم الترينش وأصبح قصيراً لدرجة تسمح بارتدائه كفستان، في خطوة عصرية ظهرت بوضوح في تصميمات “بربري” و”موسكينو” لتناسب أجواء الربيع المتقلبة.

إلى جانب المعاطف، تفرض الشفافية الكاملة والمدروسة نفسها بقوة. الفساتين الطويلة والانسيابية المصنوعة من الشيفون والشبك تلامس الجسد بأسلوب يجمع بين الحشمة في القصة والجرأة في التنفيذ. عند “توم فورد”، تندمج الخطوط العميقة مع الأقمشة الشفافة لتمنح مظهراً راقياً وجذاباً، بينما يتجه “جيل ساندر” نحو أسلوب أكثر بساطة بوضع الفساتين الرقيقة فوق طبقات متقاربة في اللون، لتكشف بذكاء ما تحتها دون مبالغة.

أناقة ربة المنزل بعيون الموضة وسط كل هذه التغييرات، استلهم بعض المصممين أفكارهم من الجماليات المنزلية وحياة “ربة البيت”، ربما تأثراً بمحتوى الزوجة التقليدية المنتشر على السوشيال ميديا أو الحنين لأجواء مسلسلات ربات البيوت. تصميمات هذا الاتجاه تبتعد عن النمطية وتلعب بالصور الظلية بشكل مسرحي ممتع. دور أزياء مثل “مياو مياو” و”برادا” قدمت مآزر المطبخ المصنوعة من الجلد، وأكمام الكشكشة، والتنانير متوسطة الطول. الفكرة تعتمد على تجسيد المظهر الجمالي مجرداً من أي أيديولوجية، ففي النهاية، مريلة المطبخ الجلدية ستكون بالتأكيد أكثر جاذبية ومتعة عندما لا يتوقع منك أحد أن تطبخي بها حقاً.