الاقتصاد المصري بين ترقب “المركزي” وانتعاشة الصادرات.. نظرة مستقبلية

تتجه أنظار الأوساط الاقتصادية والمصرفية في مصر اليوم، الخميس، صوب مقر البنك المركزي المصري، حيث تعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعها المرتقب لحسم مصير أسعار الفائدة، وسط أجواء من التفاؤل الحذر وتوقعات ترجح كفة التيسير النقدي. تأتي هذه الخطوة في توقيت حيوي يسعى فيه الاقتصاد لاستعادة زخم النمو، مدعوماً بمؤشرات إيجابية قوية من القطاع الصناعي، وتحديداً صادرات الملابس الجاهزة التي تسجل قفزات نوعية.

سيناريوهات خفض الفائدة

تشير القراءات الأولية للمشهد إلى إجماع واسع بين المحللين وخبراء الاقتصاد على اتجاه “المركزي” نحو خفض أسعار الفائدة، في محاولة لإعطاء دفعة قوية للأسواق وتخفيف أعباء التمويل. ووفقاً لاستطلاع حديث أجرته “رويترز” شمل 14 خبيراً اقتصادياً، فمن المرجح أن يقر البنك خفضاً بواقع 100 نقطة أساس (1%)، لتصل أسعار العائد على الإيداع إلى 20% وعلى الإقراض إلى 21%.

هذه التوقعات لم تأتِ من فراغ، بل عززها تراجع معدل التضخم السنوي إلى 12.3% خلال شهر نوفمبر الماضي، مقارنة بـ 12.5% في أكتوبر، وهو ما يعطي صانع السياسة النقدية مساحة جيدة للمناورة. وبينما يميل فريق من المحللين إلى سيناريو الـ 100 نقطة أساس، يرى آخرون فرصة لجرأة أكبر قد تصل بالخفض إلى 150 أو 200 نقطة أساس، خاصة وأن “المركزي” كان قد بدأ رحلة التيسير منذ أبريل الماضي مخفضاً الفائدة بإجمالي 625 نقطة أساس.

سياسة نقدية “دون مفاجآت”

وفي قراءة تحليلية للموقف، يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، محمد أنيس، أن الإدارة الحالية للبنك المركزي تتبنى نهجاً واضحاً يبتعد عن سياسة الصدمات أو المفاجآت، حيث تميل إلى التمهيد للأسواق والتماشي مع التوقعات. وأشار أنيس إلى أن التوقعات السابقة كانت تشير لخفض إجمالي بنحو 7% خلال عام 2025، وقد تحقق بالفعل خفض بواقع 6.25% حتى الآن، مما يجعل خفض اليوم بنسبة 1% خطوة منطقية ومكملة للمسار.

ولعل أحد الأسباب الرئيسية التي ساعدت في كبح جماح التضخم وعدم وصوله لمستويات 16% أو 18%، هو القرار الحكومي بتأجيل رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء، وهو ما تم بالتوافق مع صندوق النقد الدولي. كما لعبت الظروف العالمية دوراً مسانداً، لا سيما مع تراجع أسعار النفط عالمياً، مما خفف الضغط على فاتورة الدعم في الموازنة العامة وأتاح مجالاً لخفض الفائدة.

وتشير التقديرات إلى أن وتيرة التيسير النقدي لن تتوقف عند اجتماع اليوم، بل من المتوقع أن تمتد لعام 2026، حيث ترجح مؤسسات مالية مثل “هيرميس” خفضاً حاداً للفائدة، بينما يتوقع أنيس خفضاً إضافياً يتراوح بين 5% و6% خلال العام المقبل، مما سيعزز بيئة الاستثمار والاقتراض المحلي بشكل غير مسبوق.

انتعاشة قياسية في قطاع الملابس

وبالتوازي مع هذه السياسات النقدية المحفزة، يثبت الاقتصاد الحقيقي قدرته على النمو، حيث كشف المجلس التصديري للملابس الجاهزة عن أرقام مبشرة للغاية. وتشير التوقعات إلى استمرار الطفرة التصديرة للقطاع لتصل العائدات إلى 4.4 مليار دولار بحلول عام 2026، مدعومة بنمو قوي في الطلب العالمي وتحسن تنافسية المنتج المصري.

وقد أظهرت البيانات أن صادرات القطاع سجلت 2.8 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بزيادة نسبتها 22% مقارنة بنفس الفترة من عام 2024. وكان شهر فبراير 2025 هو الحصان الأسود لهذا العام بزيادة تجاوزت 30%، كما واصل شهر أكتوبر الأداء الإيجابي بنمو سنوي قدره 10% مسجلاً 282 مليون دولار.

وفي هذا السياق، أكد فاضل مرزوق، رئيس المجلس التصديري للملابس الجاهزة، أن المصانع المصرية تستحوذ على نصيب الأسد بنسبة 63% من إجمالي صادرات الملابس، مرجعاً هذا النجاح إلى الدعم الحكومي المتواصل من وزارات الصناعة والمالية والاستثمار، والذي ساهم في تذليل العقبات أمام المصنعين.

خريطة الأسواق والاستثمارات الجديدة

وعلى صعيد الأسواق المستوردة، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر القائمة كأكبر وجهة للصادرات المصرية، حيث نمت الصادرات إليها بنسبة 10% لتصل إلى 1.08 مليار دولار. والمفاجأة كانت في السوق التركي الذي شهد قفزة هائلة بنسبة 71% مسجلاً 321 مليون دولار، في حين تضاعفت الصادرات إلى المملكة العربية السعودية لتصل إلى 304 ملايين دولار، وسجل الاتحاد الأوروبي نمواً ملحوظاً بنسبة 34%.

ولا يبدو أن هذا النمو سيتوقف قريباً، حيث يستعد القطاع لاستقبال استثمارات أجنبية ضخمة ستدخل حيز الإنتاج، مما يعزز القدرة الإنتاجية لمصر. ومن أبرز هذه المشروعات، المجمع المتكامل للغزل والملابس في منطقة القنطرة غرب الصناعية التابع لمجموعة “تشجيانغ جاسان” الصينية، بالتعاون مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

تضاف إلى ذلك استثمارات صينية أخرى ضخمة، تشمل مشاريع لشركات مثل “إيفرفار تكسستايل”، و”تشانغتشو كينجكاسون” باستثمارات 24.5 مليون دولار، و”شنغهاي هونور”، فضلاً عن مشروع تركي كبير لشركة “أوراغلو” بحجم استثمار 120 مليون دولار. وتصب كل هذه التحركات في إطار الرؤية الاستراتيجية للدولة التي تستهدف القفز بصادرات الغزل والنسيج والملابس إلى 11.5 مليار دولار بحلول عام 2030، وهو ما يعادل أربعة أضعاف العائدات المحققة في 2024 تقريباً.