حقوقيونكتّابمفكرون

ندى الأهدل| عندما يسلبك اللون الحق في الحياة

عاشت معظم الدول العظمى ظروف ظلامية واستعباد للبشر والتهميش ضد أصحاب البشرة السوداء، والمتاجرة بهم كعبيد لزيادة انتاج المحصولات الزراعية، والنمط السائد بأن أصحاب البشرة البيضاء هم النبلاء، وأصحاب البشرة السوداء عبيد، ومازال التميز العنصري قائم الى اليوم في كثير من الدول العظمى، ولكن بدرجة ضئيلة، في حين يزداد انتشاراً في الدول العربية بدون وعي، ولأسباب ثقافية واجتماعية ودينية.

العنصرية

هي الاعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس او قدراتهم وألوانهم، وتبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا، ويتم تبرير هذا التمييز بالمعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية وباللجوء إلى تلفيقات علمية. وهو شعور بالتفوق أو سلوك أو ممارسة أو سياسة تقوم على الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي. 

للأسف الشديد فإن معظم البشر، خصوصاً في الوطن العربي، مازالوا يمارسون العنصرية التميزية القائمة على الجنس واللون والعرق بشكل مخيف، ودون وعي، بل ويبررون ذلك بمفاهيم أدبية او نصوص دينية، لتعميق الكراهية بين المجتمع، وتسويق الجهل والتطرف على حساب أبناء جلدتهم، وعلى بعضهم البعض.

الأسباب

وعندما يتم توضيح هذه المفاهيم، ومحاولة رفع مستوى الوعي لدى الشعوب عن خطورتها، ومدى تأثيرها على شريحة كبيرة من المجتمع، يتحولون الى قوة موحدة لقتل الأفكار، ونبذ المفكرين، وتوسيع فجوة الكراهية، بهدف منع الأفكار من تصحيحها، او معالجة الأخطاء في المجتمع، والإبقاء على عادات وتقاليد الجهل والتطرف والعنصرية.

من ضمن هذه المصطلحات التي يتم تداولها بكثرة في المجتمع، هي الصاق اللون الأسود بالشر والكراهية والعذاب اللاهي والظلم والعبودية، وفي المقابل يرجون اللون الأبيض للصلاح والخير، والنور، والقوة والعظمة.

فيتولد لدى العقل البشري صورة ذهنية بأن أصحاب البشرة السوداء، غير مرحباً بهم، وتهميشهم في التعامل والتواصل بين افراد المجتمع، والتحريض عليهم بالكراهية، حتى أصبح الامر نمط حياة بين الافراد، دون وعي مسبقاً.

الأمثلة على ذلك كثير، اختصر بعضها هنا مثل:

سود الله وجهك، نهارك اسود، يانهار اسود، ايادي سوداء، قلبك اسود …. الخ

وكلها مصطلحات لإلصاق السوء والشر والخبث والفساد باللون الأسود، وفيها إساءة كبيرة لأصحاب البشرة السوداء، وهي ثقافة العصور الجاهلية، والحياة المليئة بالظلم والقهر والغزوات وقطاع الطرق، وسبي النساء، ووصلت الينا بالتواتر والتوارث دون وعي، وأصبح المجتمع ضحية لهذه الثقافة، ولا يقصد فيها الإساءة، وانما كأسلوب نمط الحياة.

خطورتها 

عندما يستمر البشر في تداول هذه المصطلحات بشكل يومي، يتعود العقل الباطن عليها، ويكون صورة نمطية ان أصحاب البشرة السوداء يحملون الشئم والخبث، ويصبحون غير مرحب بهم اجتماعياً وثقافياً، ومع استمرار هذا النمط السائد، تصبح هذه المجموعات معزولين على المجتمع في مساحات خاصة، وظروف خاصة، واعمال خاصة، ومهام خاصة، ويتم تهميشهم من المناصب السياسية والاجتماعية، ويتم اقصائهم من الوظائف العلياء في الدولة، واستبعادهم وظائف اجتماعية، مما يضطرهم للقبول بوظائف بسيطة جداً مثل تنظيف الشوارع والعمل في المجاري، والحراسة والمراقبة، وبعض المهام التي قد تكون شاقة جداً.

وتجدهم عاجزين عن الاندماج في المجتمع، حتى لو امتلكوا شهادات جامعية مرموقة، فهو امام خيارين، امام البحث عن فرصة عمل في دول أخرى تتقبل لون بشرتهم، او الاستغناء عن شهادته والقبول بوظائف خارج عن مؤهله الدراسي.

الحلول

لا يمكن ان نلوم من يمارسها في حياته اليومية بحسن نية، كما يعمل المصريون ودول الخليج ومعظم الأوطان العربية، ولكننا نلوم المفكرين والكتاب والإعلاميين، ونشطاء حقوق الانسان، المخيب للآمال في رفع مستوى الوعي لدى المجتمعات عن قضايا كثيرة جداً.

والمؤسف حقاً ان أكثر شبكة الانترنت والمواقع الالكترونية التي تزود المجتمعات والقراء بمعلومات وبيانات، لديها شح فيما يتعلق بمواضيع حقوق الإنسان، ومعظم المعلومات مليئة بالمغالطات والمكايدات السياسية، وتتركز على الترويج للخرافات والاساطير على حساب القيم الإنسانية، والتنوير الاجتماعي.

لذلك من المهم الحديث عن هذه المواضيع للإسهام في توعية الشعوب عن أهمية حقوقهم في الحياة، والتعايش بين الشعوب، ونبذ العنصرية بكل اشكالها والوانها، لان هذه الأرض لم تخلق لفئة معينة دون غيرها، فكل كائن على الأرض يستحق فرصة في حياة كريمة، ويجب على الجميع دعم المبادرات والأفكار التي تنادي للسلام والحب والتعايش، بدلاً من الترويج للأفكار والمعتقدات التحريضية والتكفيرية والمعادية لحقوق الانسان، والمروجة للقتل والموت والعنف.

فنحن في الوطن العربي ما نعيشه هو نتاج افكارنا، وانعكاس لنمط حياتنا الماضية، وثقافة مجتمعاتنا السائدة، وإذا اردنا تغيير حياتنا للأفضل، يجب علينا مراجعة ثقافة المجتمع، ونشر ثقافة الحب والتعايش بين الافراد، وتغيير مناهج التعليم لتنشئة الأجيال القادمة على التعايش وعدم التفرقة العنصرية، وإصدار قوانين رادعة وصارمة ضد من يروج لها، او يمارسها لفضياً او فكرياً او عملياً.

ويكفي ان نتعلم مما حدث في أمريكا ودول أوروبا، وكثير من دول العالم، وماهي الأدوات والأليات التي نجحوا في استخدامها لكبح ثقافة العنصرية والكراهية ضد فئة من البشر، يحملون الوان مختلفة وولدوا عليها دون ارادتهم، ودون اختيارهم، وليس لأحد معاقبتهم او محاسبتهم عليها، او تهميشهم والتقليل من شأنهم بسبب لون بشرتهم.

فكل انسان ذكر او انثى ابيض او اسود يجب ان يكونوا سواسية امام القانون والمجتمع، ولا يميز احد على الاخر، ولا يقصى طرف او جماعة عن الأخرى، مهما كان نسبه او لونه او عرقه او جنسه.

ندى الاهدل

ناشطة حقوقية 

جميع السوشل ميديا

@nadalahdal

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى