كتّاب

أحمد سعد زايد | دراسة رصينة للصديق علاء الدين الخطيب

ad_1]

عن الدحيح أشهر واجمل مبسط علوم بالعربية و دعاة الخرافة والمدلسين من أعداء المعرفة الحرة والعلم الحديث وانصار التكفير والدعوة للعنف

وها هو المقال وبعده رابطه على موقع الكاتب

هل هي من مساوئ الصدف أن تنهمر اتهامات الإلحاد على الدحيح وهو يتكلم عن “محاسن الصدف“؟ أم هي من مساوئ استمرار الديكتاتورية السياسية والاجتماعية والإعلامية والدينية، وانتشار الفوضى الإعلامية على الشبكة العنكبوتية؟

قدم السيد أحمد غندور، المعروف بالدحيح، حلقة حول معنى الصدفة، ومبادئ علم الاحتمالات، ضمن رؤية حاول وضعها ضمن سياق وتسلسل يتدرج في توسيع المفهوم وشرحه. فبدء من مثال رمي العملة، ثم احتمالات ربح جائزة اليانصيب، ثم احتمالات الربح في سوق البورصة، ثم احتمالات انهيار شركات ضخمة في السوق؛ وأرفق كل مثال بإعادة نظر للمثال وفق تغيير في الظروف المحيطة أو كيفية حصوله:

1. طرح في مثال العملة فرضية أن يكون للعملة نفس الوجه، فيختفى الاحتمال لتظهر الحتمية؛

2. ثم روى قصة مجموعة اشترت خمسة ملايين بطاقة يانصيب من أصل سبعة ملايين، لكي تتغلب كثرة بطاقاتها على الاحتمال الضعيف للربح من خلال بطاقة واحدة؛

3. ثم بيّن أن مُخطِّطا يقظا يمكنه بناء سلسلة من التوقعات الشاملة لسهم ما في البورصة، ومن خلال إيهام مجموعة كبيرة من الأشخاص بأنه مستشار خبير في سوق البورصة، يستطيع أن يربح بالنهاية مع بقاء شخص واحد من هذه المجموعة؛

4. ثم بيِّن وفق أمثلة حول انهيار شركات ضخمة في السوق المالي، الفروق الممكنة في قراءة احتمالات الانهيار، عندما تختلف أدوات وفرضيات صياغة مسألة الاحتمالات؛

5. ثم انتقل الدحيح للسؤال الصعب حول دور الاحتمالات أو الصدفة في كوننا الذي نعيش، فذكر تفسيرا منتشرا بين الفيزيائيين حول الأكوان المتعددة، والذي يقول إن كوننا هو واحد من عدد هائل من الأكوان، الذي اتفق له أن يمتلك الثوابت الفيزيائية الأساسية اللازمة لوجودنا.

بعد هذه الحلقة قامت عليه قيامة نجوم اليوتيوب الإسلاميين من كل حدب وصوب، تتهمه بالإلحاد أو نشر الإلحاد، وتهديد إسلام مليار ونصف مسلم، أو على الأقل إسلام ثلاثمئة مليون مسلم يتكلمون العربية باعتباره يتكلم بالعربية، أو إسلام تسعين مليون مصري مسلم باعتباره مصريا. بل إن موقع اليوم السابع المصري انضم مؤخرا للحملة مساهما في مظاهرة الاتهامات ضد الدحيح، مما منحها بعدا إضافيا خطيرا خرجت به من فضاءات اليوتيوب والفيسبوك.

ما هي قصة صدف الدحيح؟
الحلقة التي أثارت غضب الدعاة اليوتيوبيين الإسلاميين، كما قدمت، تكلمت عن الصدفة والاحتمالات ونظرية الأكوان المتعددة. وهذا ما اعتبره جهابذة هذا التيار دعوة للإلحاد ونشر للكفر بين الناس.

أما السبب، وفق فهمهم للدين والإيمان ووفق تأويلهم لكلام الدحيح، فهو أن ما طرحه حول الصدفة والاحتمالات يناقض وجود خالق للكون، لذلك فهو دعوة للإلحاد.

أين المشكلة في الاختلاف بالرأي والنقاش؟
ليست المشكلة في الاختلاف مع أفكار الدحيح أو غيره، وليست المشكلة في رفض نظرية الأكوان المتعددة، أو نظرية التطور، ولا حتى في رفض قوانين الميكانيك العام؛ بالعكس تماما، أن يتساءل الإنسان ويشكك ويدقق ويتحقق هو سلوك محمود عقلا وعلما ودينا.

المشكلة الكارثة هي في نوعية الطرح ضمن مجتمعاتنا. فيوم تتكاتف عدة مصادر، تدعي الكلام باسم الإسلام، على الحكم على إنسان ما، أو جماعة ما، على أنه ينشر الإلحاد بين المسلمين، فهذا يعني بالضرورة الحكم عليه بأنه ملحدٌ ومرتدٌ وعدو للإسلام والمسلمين. وكلنا يعلم ماذا يعني ذلك في مجتمعاتنا التي يسيطر على دينها طبقة من رجال الدين وكتب التراث وأحكام الشيوخ والفقهاء، والتي يتفق غالبيتها على قتل المرتد. وهذا ما حصل فعلا وعمليا مع عديد من الأسماء المشهورة في عصرنا الحالي، وللآن لم يخرج من بين رجال الدين الإسلامي، سنة أو شيعة، جماعة ذات شهرة وتأثير واسع ترفض حكم قتل المرتد، وتعيد قراءة النصوص الأصلية بنظرة عصرية عقلانية.

فإن لم يتم استهداف الشخص الهدف في هذه الحالات بجريمة قتل إرهابية، فهو سيبقى تحت تهديد الاعتداء الجسدي؛ أو تحت سوط الظلم السلطوي من خلال القضاء الرسمي، مثلما فعلوا مع محمود محمد طه المفكر السوداني الذي تم إعدامه بتهمة الردة وفق القضاء السوداني عام 1985؛ أو على الأقل سيتم سجن الضحية ضمن دائرة الحرب النفسية والمعنوية والنبذ الاجتماعي.

ليست غايتنا هنا مناقشة حكم المرتد شرعيا، ولا التبريرات الواهية التي يقدمها الدعاة الإسلاميون الذين يأخذون فهمهم للدين عن شيوخ وفقهاء مقلدين لهم لا متفكرين متعقلين، مثل قولهم أن كثيرا من الفقهاء المعتبرين قديما وحديثا ألزم حكم قتل المرتد بوجود الحاكم الشرعي المسلم، وبحق المرتد في الاستتابة، بل إن عديدين منهم قال إن الاستتابة يمكن أن تمتد العمر كله؛ أو مثل تبريرهم الواهي بمقارنة حكم قتل المرتد بحكم قتل الخائن خيانة عظمى عند كثير من الدول. كل هذه الحجج لا تلغي ولا تبرر أن الحكم الذي وضعه شيوخ وفقهاء المسلمين هو حكم ظالم في عصرنا، وغير مقبول لا عقلا ولا أخلاقا، بل وليس ثابتا إسلاميا إلا ضمن تأويل النصوص القرآنية؛ تأويل قدمه شيوخ هم بالنهاية بشر مثل غيرهم.

ليس الدحيح الأول ولا الأخير الذي يتعرض للمحاكمة باسم الله والدين، لكن بسبب شهرة برنامجه، وبسبب صراع التيار الإسلامي المتشدد والمتعصب لإبقاء سلطته قائمةً حاكمةً على قلوب وعقول الناس، كان هو الضحية الأشهر في هذه المرحلة. ففي نفس هذه الفترة تعرض أيضا الباحث أحمد سعد زايد، المتخصص في الدراسات التاريخية والدينية والتنويرية، للاتهام بالإلحاد بشكل مباشر، والاتهام بالعداء للإسلام من قبل نفس التيار الإسلامي المتطرف.

الخطر والقمع لم يتوقف عند هؤلاء اليوتيوبيين، بل هو ممتد أصلا في أجهزة قضاء رسمية في كثير من دول المسلمين، تحكم بالعقاب بدءا من التغريم المادي، مرروا بالسجن، وصولا للإعدام، وخاصة في السعودية وإيران ومصر. وليس الأمر متوقفا عند تعصب إسلامي، فقد أعلن التعصب المسيحي مؤخرا عن وجوده في لبنان من خلال التهديد بانتهاج العنف ضد فرقة “مشروع ليلى”، مما حدا بالمسؤولين إيقاف عروضها ل”منع إراقة الدماء“.

إذا نحن هنا أمام تحريض جماعي على الاعتداء على أشخاص محددين بعينهم أو بتوجهاتهم. أي أمام جريمة كاملة الأوصاف، ولسنا أمام نقاش فكري أو ديني، ولا حتى صراع أفكار وعقائد.

لكن لم يدْعُ أيٌّ من المهاجمين للاعتداء على الدحيح أو غيره
وأضيف هنا أن أياً ممن سمعته من “حراس الدين” هؤلاء لم يقل إن الدحيح نفسه ملحد، مثلما فعل بعضهم مع أحمد سعد زايد. لكن كما ذكرنا سابقا فما أطلقوه من اتهامات يكفي لوضعه ضمن دائرة الاستهداف بالاعتداء والنبذ. فمن كفَّر فرج فودة ونجيب محفوظ لم يدعُ لقتله، لكن كان هناك من هو جاهز ليقوم بقتل فودة ومحاولة قتل نجيب محفوظ، وهذا التبرير هنا يذكرنا تماما بما يقوله دونالد ترامب في تعليقه على جرائم العنصريين البيض الإرهابية، فهو يكرر أنه لم يدع أحدا لقتل أحد وهو ضد ذلك، فهل نصدقه ونصدق حراس الدين هؤلاء؟

السؤال الأساسي هنا: “هل حذّر أيٌ من حراس الدين هؤلاء متابعيهم والواثقين بكلامهم من القيام بأي عمل عدائي ضد الدحيح أو غيره؟ هل ختم أيا منهم كلامه ببضعة جمل يقول فيها “أيها الإخوة الأكارم أنهاكم عن محاولة الاعتداء الجسدي أو المعنوي على الدحيح“؟ طبعا لم يقل أيا منهم ذلك. فما بالك لو سألناهم أن يرفضوا حكم فتوى قتل المرتد؛ لكننا نعلم أن هذا خارج ما تعلموه من قيود تحبس العقل والفكر، رغم أن ذلك هو الحماية الحقيقية للإسلام الصحيح.

بعض من هاجم الدحيح
أذكر بعضا عمن هاجم الدحيح وغيره مؤخرا، لكي يعرف القارئ شيئا مختصرا عن طروحاتهم من خلال منشوراتهم هم، وليس من خلال أحكام مرسلة حولهم، بل سأنبه عندما أذكر رأيي الخاص، والذي ليس حكما بالطبع.

الدكتور إياد قنيبي
Image result for �ا�د�ت�ر إ�اد ���ب� ا�د���راط�ة��
الدكتور إياد قنيبي (الصورة من فيديو عبودية الديمقراطية وبداية الزلل)‏

الدكتور قنيبي وفق سيرته الذاتية، هو دكتور متخصص في الصيدلة وعلم الأدوية، وذو إنتاج علمي متميّز في هذا المجال. أما كيوتيوبيٍ وإسلامي فهو كاتب إسلامي أردني كما يعرف نفسه. يقول إنه ليس منتسبا لأي تيار سلفي جهادي، لكن أيضا يناصر السلفية الجهادية ويتبنى قضاياها الشرعية؛ وقد كان له مواقف يستنكر أخطاء بعض فصائلها، مثل الدولة الإسلامية (داعش)، ويستهجن شطط بعضهم في استباحة الدم، دم المسلمين، فتعرض للاعتداء الجسدي بسبب ذلك.

هو ممن يرفضون وصف الإسلام بأنه دين السلام بل يراه دين الحق والعدل. كما أنه يرفض ميل بعض المسلمين لإنكار انتشار الإسلام بالسيف، واكتفائهم بجهاد الدفع (الحر ب الدفاعية)، بل يطالب بعودة جهاد الطلب (الحرب الهجومية) يوم تتحقق للمسلمين دولتهم، لفرض الجزية على الآخرين إن لم يسلموا أو يفتحوا بلادهم لدعاة الإسلام. ومنذ 2011 هلل لمن سمّاهم مجاهدين قدموا إلى سوريا، وطالبهم برفض الدولة الديمقراطية، ودعاهم للاستمرار في مشروع الجهاد الشامي كما يسميه، رغم أنه يتحفظ على سلوك داعش ويعتبر أن إعلانها الخلافة الإسلامية هو افتئات على الأصول الشرعية، ويناقشهم بكل أدب ومحبة وتهذيب، سائلا إياهم، أي أهل حل وعقد قرروا أن الخلافة واجبة فيهم، وهم قد أهملوا أمراء وشيوخ الجهاد في أفغانستان ومالي وسيناء وليبيا وسوريا.

يتوسع الدكتور قنيبي في موضوع الإلحاد والعلوم الحديثة على قناته اليوتيوبية، وله أسلوب يبهر غير المتخصصين أو المتابعين لهذه المواضيع، حيث يكثر من الاستشهاد بكتب العلماء الغربيين، الذين لم يسمع بهم غالبية المسلمين، ليعلن زيف بعض النظريات العلمية مثل نظرية التطور، ونظريات الأكوان المتعددة، ونظرية كل شيء لستيفان هوكنغ، ويضعها في خانة العلم الزائف حسب تعريفه، بل ضمن الخرافات والتجهيل والكذب.

كما سمعته يمكنني القول إنه ذو لهجة متعالية مغرورة ضد من يخالف رؤيته للإسلام، ولا تقتصر هذه اللهجة على تسفيه وتجهيل العديد من العلماء والعلوم، بل تمتد إلى رموز الأديان الأخرى، فهو يصف بابا الفاتيكان بأنه “بوم النصارى“؛ وكذلك يحكم على من يصدق أو يتقبل ما يطرحه آخرون، مثل الدحيح، بأنهم “مهزومون نفسيا“.

خصص الدكتور قنيبي حلقتين متتاليتين على قناته للرد على الدحيح: “الرد على الدحيح“، و”هل الدحيح ينشر العلم أم الإلحاد والخرافات؟“، وقد حققتا له في أقل من شهر عدد مشاهدات فاق أي حلقة سابقة قدمها على مدار 6 سنوات. فالأولى حققت 839000 مشاهدة في شهر، والثانية 567000 مشاهدة في أسبوعين فقط، والشكل المرفق يوضح ذلك (البيانات تم تجميعها في 31 آب/يوليو 2019).

الدكتور هيثم طلعت
أيضا داعية مصري إسلامي، أراه متشددا متطرفا ومتعصبا، يخصص معظم حلقات قناته للرد على الملحدين (أو كما يفضل أن يسميهم الملاحدة، كنوع من التسفيه لهم)، ويخوض أيضا في قضايا علمية حول الكون ونظرية التطور، وغالبا ما يخصص حلقات للرد على أشخاص بعينهم؛ ومن بين هؤلاء الدحيح وقد خصص له خمس حلقات على مدى السنة الأخيرة.

Image result for �ا�د�ت�ر ��ث� ط�عت ا�ا�حاد ا�صاب�����
الدكتور هيثم طلعت (من فيديو الإلحاد الصابوني)‏

ومما يلفت النظر أنه لم يتردد بالخروج من نمط “التقية”، أي ألا يوجه الحكم بالإلحاد لشخص “معين” بذاته، فهو قد اتهم أحمد سعد زايد بالإلحاد بشكل مباشر، وسمّاه “الملحد الصابوني“. يمكن مبدئيا اعتبار أسلوب الدكتور طلعت أسلوب متتلمذ على يد الدكتور قنيبي، مع احترام الشخص، فهو أقل زادا علميا، وأقل مهارة في المجادلة والمماحكة منه. لكن لا يمكن الادعاء أن ارتفاع عدد مشاهدات قناته يعود بالفضل للدحيح فقط، بل بالإضافة لاسمين أخرين هما شريف جابر، الملحد المصري اليوتيوبي المتطرف في هجومه على الإسلام، والدكتور يوسف زيدان المعروف بقفشاته الإعلامية ومواقفه المثيرة للجدل.

وغيرهم كثير
نسبيا من هاجم الدحيح خلال الشهرين الماضيين، بسبب حلقة محاسن الصدف، عدد كبير، وغالبيتهم من الإسلاميين، ويتهمونه على الأقل بأنه ينشر الإلحاد، وقد أحصيت على الأقل عشر فيديوهات خلال الشهور الثلاث الماضية على موقع اليوتيوب.

لا تنهَ عن خلق وتأتي بمثله
احتج كثيرون على من رد على قضاة محاكم التفتيش هؤلاء، بأن الردود تناولت نهجهم وشخصهم، وربما حصل ذلك من البعض، لكن يجب التنبه أيضا إلى أن كثيرين من قضاة محاكم التفتيش هؤلاء أيضا تناولوا ماضي وحاضر ما قال الدحيح وغيره. وبكل الأحوال ورغم خطورة اتهاماتهم التي شرحتها سابقا سأشير لعيوب النقد الموجه للدحيح عند أقْواهم حجةً، وأمهرهم مجادلةً، فالرد على الآخرين لن يخرج عن هذا الرد، الذي قد يكون طويلا، لذلك سأكتفي بنقاش ما قاله أعْلَمَهُم، أي الدكتور قنيبي.

احتج الدكتور قنيبي، في حلقة “كشف الحقائق” على قناته، على من يقص ويلصق، وينتقي ما يشاء بدون أمانة علمية، ليوجه الاتهامات لهم بعدم احترامهم للصدق وللأمانة العلمية؛ وعاب عليهم هذا التصرف الغير أمين. وكذلك احتج على تناولهم لتاريخ ما قدمه من محاضرات، وتأويلهم لكلامه وفق رغباتهم هم. الكارثة المنهجية والأخلاقية هي أنه يمارس نفس الأسلوب، الذي أدانه، مع الدحيح وغيره، وهذا ما سنراه من خلال النقاش والأدلة التالية.

الكذب على الدحيح في حلقة يا محاسن الصدف والجور في تفسير كلامه:
@ أولا، الدحيح لم يتبنَّ نظرية الأكوان المتعددة، ولم يقل إنها حقيقة علمية، بل قال بالضبط “في أحد التفسيرات الأشهر في ميكانيك الكم“، ثم تابع كلامه عن نظرية الأكوان المتعددة.

كون الدكتور قنيبي يرى أن هذه النظرية هي “خرافة وهبل” (وفق تعبيراته) فيبقى ذلك حقه كإنسان، لكن أن يجزم أن الدحيح قدمها كحقيقة علمية فهو كذب بواح.

@ ثانيا، الدكتور قنيبي في حلقته يقتطع من حلقة الدحيح مقطعا صغيرا خارج سياقه، ويمهد له بالقول “عشان يقنعك الدحيح بأن الكون جاء بالصدفة جاب لك دليل آخر“، ثم يعرض مقطعا مُجَتَزءاً من كلام الدحيح يقول فيه “الكون ده كان ممكن يكون أي كون آخر، بس عشان إحنا موجودين فيه، ده بحط قيود للثوابت الكونية مش العكس“، ثم يطرح الدكتور قنيبي مثالا يدعي أنه يشرح كلام الدحيح، وهو باختصار: أنت تريد السفر من القاهرة لإسطنبول، وبسبب إرادتك ستتجمع طائرة من العدم وتطير وتهبط بسلام، وسيحصل كل هذا بالصدفة فقط لإنك أردت، وليس العكس.

لو كان شخص آخر غير الدكتور قنيبي قال هذا الكلام لكنا ربما عذرناه بأنه لم يستوعب المثال، أو أن معارفه الفيزيائية والفلسفية محدودة، أو أنه لا يحسن الاستماع، لكن بالنسبة للدكتور قنيبي وحسبما يقدم نفسه لا تصلح أيا من هذه الأعذار له.

الدحيح قبيل جملته التي أوردها الدكتور قنيبي، كان قد ذكَّر المشاهد بمثال الرسائل المتعددة، وقال للمشاهد لا تفعل مثل الشخص الفائز بنصائح خبير سوق الأسهم، الذي صدق أن الرسائل أتته هو بالذات لأنه شخص مميز؛ ويقصد من مثاله أن الرسائل وصلت هذا الشخص بالذات لأنه هناك في ذاك العنوان وليس لسبب خاص به.

وبالتالي كلام الدحيح المذكور هنا يعني ببساطة، إن وجودنا في هذا الكون، ولأننا كائنات ذكية تفكر وتبحث وتتعلم، وتصف الكون من خلال ثوابت وقوانين، فهذا سيؤدي حكما أننا سنرى هذه الثوابت والقوانين ونصنفها ونصفها. فبالتالي فإن وجودنا ككائنات عاقلة ذكية وضع شروطا على الكون الذي نعيش به لأننا ندرك وجودنا به ونصفه، ولا يمكننا الوجود في كون آخر بشروط وثوابت مختلفة بنفس وعينا وصفاتنا، إذا إن وجودنا الواعي يضع قيودا على كوننا لأننا به ونعي ثوابته، وليس لأنه هو هذا الكون.

ثم يورد الدكتور قنيبي مثالا تبسيطيا للمشاهد ليشرح حسب زعمه مقصد الدحيح، وهو مثال المسافر من القاهرة لإسطنبول، وهو مثال تضليلي فيه افتئات على كلام الدحيح، وتحميل معانٍ لم يقربها الدحيح بكلامه.

والمثال التوضيحي الصحيح بهذه الحالة، قياسا على مثال الدكتور قنيبي هو: لو أن شخصين ذهبا لمطار القاهرة، وقطعا التذاكر، ولم يكن هناك من بين مئات الطائرات سوى طائرة صالحة للسفر، فسافر أحدهما على متنها، ووصل لإسطنبول بسلام، وطوال الرحلة كان يقول لنفسه: “هذه الطائرة مُصنّعة خصيصا لي، بهيكلها المتين، ومحركاتها النفاثة، ومقاعدها المريحة، وقائدها الماهر؛ والجو أصبح مناسبا لطيرانها كي أصل بأمان ودون التعرض لحوادث“؛ بينما تحطمت الطائرة التي أقلت الشخص الثاني ومات ركابها. فالراكب الناجي بالواقع لم يقل شيئا خاطئا، الطائرة التي استقلها تحمل كل مواصفات وشروط الأمان؛ بينما الشخص الذي مات، لم يعد موجودا ليقول أو يدرك أن طائرته غير صالحة للطيران. وكل هذا لا يقتضي ولا يشترط أن تتجمع الطائرات من العدم، ولا يستلزم أن يكون اختيار الطائرة حصل بالصدفة في وعي وإدراك المسافر، كما ادعى الدكتور قنيبي بمثاله، بل قد يقول المسافر: “لقد كان مقدرا لي أن أخذ هذه الطائرة”، أو أن يقول: “يا لها من صدفة رائعة أن اختار هذه الطائرة”، أو أن يقول: “لا يهمني كيف وصلت المهم أني وصلت بأمان”؛ ومن بين هذه التفسيرات ذكر الدحيح الجواب الثاني لأن حلقته تدور حول مبدأ الاحتمالات والصدفة ونظرية الأكوان المتعددة.

إذا فالدكتور قنيبي يقص عبارة ويجتزؤها من سياقها، ثم يفسرها هو بكلامه وفهمه وليس بكلام الدحيح. أي فعل ما عابه على الآخرين.

@ لا يفوت الدكتور قنيبي تذكير المشاهدين بتحصيله العلمي ومركزه، وهذا حقه. لكن أن يدعي أنه عالم، أو عليم، بالرياضيات وعلم الاحتمالات والمنحنيات الرياضية، ثم يدعي أنه لم يفهم لماذا ذكر الدحيح مثال استخدام منحني التوزيع الطبيعي، ومنحني توزيع كاوتشي فهو إما أنه فعلا لا يعلم، وهذا مصيبة أن يحكم بما لا يعلم؛ أو أنه يعلم ويكذب على مشاهده، وهذه مصيبة أشد.

الدحيح أورد المقارنة المعروفة في علوم الإحصاء والأسواق المالية ليبين، كما قال بوضوح قبل وبعد عرض المنحنيات، إن تغيير الافتراضات ووسائل تقدير الاحتمالات قد تغيّر النتيجة بشكل هائل. وطرح الفرق بين طريقتين في تمثيل تابع كثافة الاحتمالات، الأول هو الطبيعي والأكثر استخداما، والثاني هو كاوتشي الأقل استخداما والذي له حالات خاصة؛ وما طرحه من فرق بين الطريقتين معروف لدى طلاب الدراسات الإحصائية عموما والمالية خصوصا، ويخدم فكرته الأساسية هنا التي تقول: إن الانتقال بين الفرضيات قد يؤدي لنتائج متباينة.

لكن الدكتور قنيبي ادعى، صدقا أو كذبا، أنه لم يفهم العلاقة لكي يؤول الكلام على أن الدحيح يريد إهانة متابعيه، لأنه استخدم كلمات أجنبية في الوصف، ففسر الكلام على أن الدحيح يرى متابعيه “بهيمة“(وفق كلام الدكتور قنيبي).

فهل الدكتور قنيبي عالم بالقلوب، أم أنه يستنتج مما لا يحيط به علما؟ وهل هو أقل استخداما للكلمات الأجنبية في محاضراته على اليوتيوب، أم أنه يستخدمها للضرورة والشرح، وغيره يستخدمها لإبهار متابعيه؟

@ يهمل الدكتور قنيبي تماما أن الدحيح ختم حلقته بأهمية التعجب والانبهار مما هو مألوف، مشيرا بوضوح لضرورة التساؤل والسؤال. وأعتقد أن أهم ما حرّض عليه القرآن الكريم كان دعوة الناس للتفكر والتأمل والتساؤل، وليس التقليد والاتباع والافتئات على الناس وتقويلهم ما لم يقولوه بحجة العلم بما في القلوب. الكذب ليس فقط قول ما يناقض الحقيقة، بل إن إخفاء جزء من الحقيقة هو كذب أيضا، وأحيانا كذب أشد.

السؤال الأساسي الآن: هل مناقشة أو الاقتناع بنظرية الأكوان المتعددة ودور مبدأ الاحتمالات بها يتعارض بالضرورة مع الإيمان بخالق؟

الجواب هو لا. يمكن للمؤمن أن يبقى مؤمنا بخالق، وأن يحاول أيضا فهم كيف يعمل الكون، وإثارة الأسئلة الكبرى والصغرى، فإن انهار إيمانه أمامها، فذلك ليس بسبب سؤاله وتفكيره الحر، بل بسبب ضعف أسس إيمانه، والتي من بين أسباب ضعفها تسلط طبقات رجال دين على تلقين الدين للناس وحجرهم على حرية الفكر. ولعل هذا يذكرنا بمحاكمة غاليلو أمام محاكم التفتيش المسيحية التي رأته في ذلك الزمن مهرطقا بطروحاته؛ ويذكرنا أيضا كم هاجم الشيوخ والفقهاء، بل وبعضهم كفّر، علماء المسلمين مثل ابن سينا وجابر بن حيان وغيرهم؛ ولا بد أنه يذكرنا بأن غالبية من الشيوخ رفضت إدخال الآلة الطابعة للسلطنة العثمانية، وأعاقت نشر الكتب لمدة مئتي سنة بين المسلمين.

الكذب على الدحيح في حلقات أخرى
نشر الدكتور قنيبي بعد حلقته الأولى “الرد على الدحيح“، حلقته الثانية بعدها مباشرةً “هل الدحيح ينشر العلم أم الإلحاد والخرافات؟“. لا نستطيع الجزم إن كان السبب هو فعلا الرد على الدحيح، أم أن عدد المشاهدات الضخم الذي لم تشهده قناة الدكتور قنيبي، خلال سنوات، شجعته على الإسراع بنشر الحلقة الثانية؛ وطبعا لا أدعي العلم بالقلوب والنوايا، مثلما يفعل هو، بل أقول الاحتمالات واردة بين التفسيرين السابقين وربما تفسيرات أخرى.

في حلقته الثانية عاد الدكتور قنيبي كما قال إلى العديد من حلقات الدحيح، ووضع في حلقته سلسلة من المشاهد المنتقاة، والمقطوعة من سياقها، ثم وظفها لمصلحة هدفه الأساسي من الحلقة، وهو تثبيت أن الدحيح يدعو للإلحاد؛ وزاد على ذلك، كعادة رجال الدين، اتهام الدحيح أنه يروج للرذائل الأخلاقية؛ كل ذلك بناء على تأويل الدكتور قنيبي لما قصقصه من فيديوهات الدحيح.

وللتدليل على ذلك سأكتفي بمثال واحد كي لا نطيل أكثر، ومن أراد يمكنه مراجعة الحلقة وحلقات الدحيح ليرى التلفيق في الاتهامات.

يتهم الدكتور قنيبي الدحيح بأنه يدعو أو يبرر التحرش الجنسي بالأطفال، لأن الدحيح في حلقة “ مخيَّر أم مخيَّر؟” يقول إن الإنسان ليس مختارا بل مسيّرا، وفق تأويل الدكتور قنيبي الذي يتجاهل ما قاله الدحيح في الحلقة.

لو عدنا لحلقة الدحيح، لوجدناه يذكر حادثة حقيقية عن شخص ظهرت عنده ميول جنسية نحو الأطفال، ثم تبين أن السبب كان ورما في منطقة معينة من الدماغ، والذي بعد استئصاله عاد الرجل طبيعيا، (هذه لا يشير لها الدكتور قنيبي). ثم يضيف الدحيح بوضوح وبجلاء، إن التحرش الجنسي بالأطفال هو عمل شنيع، ليس شيئا بسيطا بل شنيع، وقد يتسبب بأذى نفسي مدمر على الطفل، (هذه أيضا لا يشير لها الدكتور قنيبي).

أما في نهاية الحلقة فالدحيح يقول بوضوح أيضا، بعد عرضه لمختلف النظريات والتجارب حول سؤال التخيير أو التسيير، بأن السؤال ما زال قائما، وأنه هو لا يعرف الجواب الدقيق، لكنه يراه بين الاثنين، ويبقى السؤال مفتوحا، (هذه أيضا لا يشير لها الدكتور قنيبي).

إذا بالمحصلة، يوجه الدكتور قنيبي اتهاما فاحشا للدحيح بأنه يبرر التحرش الجنسي بالأطفال، بناء على قص جزء من كلامه، وإخفاء ما قاله الدحيح كرأي شخصي، لأنه كما يبدو متأكد أن المشاهد لن يعود للتحقق. فهل بعد هذا كذب وافتراء؟

ملاحظات عامة على أسلوب الدكتور قنيبي مقارنة بالدحيح
حسب اطلاعي على حلقات الاثنين، فيمكنني الجزم بأن الدحيح لم أسمعه مرة يقول لشخص أو فئة من الناس بأنهم “أغبياء أو عبيطون أو خرافيون أو لا عقليون أو بهايم”. لكن نجد هذه العبارات متكررة بحلقات الدكتور قنيبي، خاصة في نقاشه للنظريات التي لا يقتنع بها مثل نظرية التطور، (مع التوضيح أن الدكتور قنيبي بنقده لبعض سلوكيات داعش وغيرها لا يستخدم أي توصيف أو كلمة مما سبق، بل يتكلم بكل لطف وتهذيب واحترام معهم، وطبعا هذا هو السلوك الصحيح لو كان مع كل الناس وليس فقط مع جماعات مختارة). وهنا السؤال سؤال تقييم أخلاقي أولا وقبل كل شيء، حيث من الواضح من هو الذي يجادل بالتي هي أحسن.

مع التوضيح أن الدكتور قنيبي بنقده لبعض سلوكيات داعش وغيرها لا يستخدم أي توصيف أو كلمة مما سبق، بل يتكلم بكل لطف وتهذيب واحترام معهم، وطبعا هذا هو السلوك الصحيح لو كان مع كل الناس وليس فقط مع الجماعات التي “يواليها” ولا “يبرأ” منها

لم يقل الدحيح في حلقاته لمتابعيه، خذوا مني الحقيقة كاملة، وما أذكره لكم هو كلام العلم والعقل النهائي، بل على العكس تماما يعتمد أسلوبه على إثارة السؤال، وترك الجواب مفتوحا. بينما ينحو الدكتور قنيبي للجزم بكل أحكامه حتى لو تناولت قضايا محل أخذ ورد، مثل الخلافات حول نظرية التطور، أو نظرية الأكوان المتعددة، وهو الذي يدعي العلم الأكاديمي، يعلم تماما أن لا وجود لأجوبة نهائية في هذه العلوم. ويعلم الدكتور قنيبي أن العلم وفق تعريفه والذي يسميه “العلم الحقيقي”، حتى لو استند لإيمانه الديني وفهمه للنص المقدس، لا يلزم الآخرين حتى من نفس دينه بأن ما قدمه حقيقة ثابتة. وهو يعلم تمام العلم أن المسلمين، وخاصة علمائهم وشيوخهم اختلفوا في كل شيء بما يخص العقائد بدءا من فهمهم للذات الإلهية وصفاتها وأسمائها، مرورا بأحكام الفرائض والسنن، وانتهاء بأحكام حف الشارب وإعفاء اللحى. والسؤال هنا من هو الذي يروّج بين الناس ويحثهم على أن يتفكروا ويعقلوا، ومن يخبرهم أن يتبعوا ما وجدوا عليهم أباءهم؟

باختصار، أيهما في هذين السؤالين الأساسيين، الأخلاقي والعقلي، أقرب للعقل السليم والخلق الحسن والدين الإسلامي في جوهره؟

لماذا هي محاكم تفتيش؟
قد يحتج البعض بأن لا محاكم تفتيش في الإسلام بجوهره وأصوله، وهذا صحيح. ولكن أذكرهم أن المسيحية أيضا لا تضم محاكم تفتيش في جوهرها وأصولها. الفرق الوحيد بين محاكم تفتيش القرون الوسطى المسيحية وما يمارسه عديد من شيوخ ودعاة وإسلاميي هذا العصر، هو أنهم لا يسمّون أنفسهم “قضاة” أو “محاكم”، لكن المنهج والنتيجة هي نفسها: “ادعاء حماية الله والدين والمؤمنين وفق سُلَّم تقييم وضعوه هم لتصرفات وكلام وأفكار الناس”.

لن نجد في التاريخ الإسلامي هيكلية مؤسسية تشبه محاكم التفتيش المسيحية، لكننا بالتأكيد سنجد الكثير من الممارسات التي تمت عبر رجال دين إسلاميين حاكمت نوايا وقلوب المسلمين، اعتمادا على أقوالهم وتصرفاتهم. ليس الهدف هنا الدخول في هذا التاريخ، لكن يمكن التذكير بالملهاة السوداء ما بين من قال إن القرآن مخلوق، ومن قال إن القرآن غير مخلوق، ومن قال لا شيء.

لم يكن شهيد الحرية الفكرية فرج فودة أول وآخر ضحايا حملات التكفير والاتهام بالردة والإلحاد، ولم يتوقف الأمر عند نجيب محفوظ ومحاولة قتله، بل تمددت أذرع السلطة الكهنوتية الإسلامية العصرية المتعصبة في كل الدول الإسلامية، تمنع وتحجب، حتى أنها سيطرت على الإعلام الفضائي بدءا من الجزيرة والعربية ومرورا بكل الفضائيات العربية، حتى المُمولة غربيا، ناهيك عن الفضائيات الدينية الإسلامية والمسيحية.

وقد رأينا أن صياح وضجيج كثير منهم خلال العقود السابقة، لم يفدْ المسلمين والإسلام بشيء، سوى تشجيع التطرف والتعصب وخروج جماعات مشحونة بأصداء صراخ بعض الشيوخ ليقتلوا هذا المفكر، ويغتالوا ذلك الكاتب، ويرفعوا سيف الردة على ذلك المتسائل، ويفجروا في تلك المدينة، ويعلنوا حروبا على المسلمين وغير المسلمين.

لكنك لم تناقش حجج الدكتور قنيبي العلمية!
نعم هذا صحيح، لأن غاية هذه الورقة ليست نقاش هل ما قدمه الدحيح من نظريات وأفكار، أو ما قدمه الدكتور قنيبي من نظريات وحجج، هو صحيح أو خطأ تماما من الناحية العلمية. الغاية هي نقاش الأسلوب القمعي الذي تستخدمه هذه التيارات الإسلامية، مستعينة بالسلطات السياسية والإعلامية القائمة، ومستغلة للمشاعر الدينية للناس، من خلال احتكارها لتفسير وتأويل الدين في مواجهة أي تفكير حر، وفي مواجهة حركة العلم والسؤال والجواب وتحرير العقل. فلا يهمني هنا مناقشة كم هي صحيحة أو خاطئة نظرية كل شيء لهوكنغ، أو نظرية التطور؛ لأن الأهم هو مواجهة سيف التكفير والاتهامات الجاهزة، واحتكار تفسير الدين، في مجتمعات يحكم مشاعرها الدين، ولا تملك منظومة الدولة العادلة ولا نظاما يحمي أسس حقوق الإنسان.

الغاية هي نقاش السجن الذي يصر كهنة الإسلام أن يقيموه على العقل، والذين عندما يدّعون العقلانية، فهم يختارون ويحددون الحدود والمساحات المسموحة، وحتى النتائج بشكل مسبق، كما فعل هذا التيار مع الدحيح وغيره؛ والورقة المرفوعة دائما بيدهم هي الاتهام بالكفر أو الإلحاد أو عداء الإسلام والمسلمين أو الفسق أو الترويج لهم، ومع هذه الورقة سيف حكم قتل المرتد يلوح فوق رؤوس الجميع.

نعود للسؤال الأصلي أليس الترويج لهذه النظريات ترويج للإلحاد؟
باختصار شديد، وإذا فرضنا صحة هذا الادعاء:

1- إما أننا كشعوب ومسلمين ومسيحيين ومن كل الأديان سنستطيع أن نعيش في عصر الاتصالات والعلوم والمعلومات، بكل ما فيها من مفيد وضار، من غث وسمين، ونثق بأنفسنا، أو نبقى نعيش في أوهام الضحية التي ترى كل شيء حولها سهما موجها لها.

2- الإيمان والإلحاد حق اعتقاد لكل إنسان، وهذا مثبت بجوهر الإسلام، وهو ما اتفقت عليه البشرية في عصرنا.

3- هذه المنهجيات في قمع أي فكرة أو رأي مخالف سببت الكوارث في تاريخ المسلمين، وكان كل الأطراف الإسلامية يضطهدون بعضهم بعضا باسم الله والدين. وهي منهجية ملازمة للديكتاتورية، والخلاص من الديكتاتورية يستحيل أن يحصل طالما بقي لدينا قناعة، بأن من حق جماعة من الأشخاص أن تقمع الأفكار وحريات الاعتقاد، حتى لو كانت جماعة من رجال الدين، ولنتذكر أن لا كهنوت بالإسلام.

4- من حق كل إنسان إعلان عقيدته والدعوة لها، وليس منطقيا ولا عادلا ما يتم فرضه على عقول الناس، خاصة المسلمين، بأن للمسلمين فقط حق إعلان عقيدتهم والدعوة لها في المجتمع ذو الغالبية المسلمة. فهذا ليس فرضا إسلاميا بل وسيلة استخدمها شيوخ الإسلام لترسيخ سلطتهم.

كل ما سبق بفرض صحة ذاك الادعاء. لكن بالواقع إن مناقشة أي فكرة يمكن تفسيرها على أنها دعوة للإلحاد، ولن نجد مرجع مقارنة يحكم بأي شكل، فمثلا يمكن تفسير ما يلي على أنه دعوة للإلحاد عند فئة من الشيوخ والفقهاء، والتعصب لمنهج جماعة منهم لا يعني أنهم الأصح وممثلو الفرقة الناجية:

1- إن قوانين الميكانيك العام التي كانت من أكبر الثورات العلمية في تاريخ البشرية، تقول إن كل جسم يتحرك وفق قوانين ثابتة، وليس وفق أي إرادة فوق طبيعية أو إلهية.

2- إن نظرية النسبية التي وضعها آينشتاين، والثابتة علميا وهي أساس كل التطور التقني الذي نعيشه، تقول إن كل ما في الكون نسبي إلا سرعة الضوء فهي مطلقة. والدين يقول إن الله هو الحقيقة المطلقة الوحيدة. ناهيك عما تقوله حول انعدام الزمن في سرعة الضوء واختفاء المادة نهائيا في الثقب الأسود.

3- إن علم ميكانيك الكمّ الذي يقوم على مبادئ الاحتمالات، والذي يمثل أيضا أساسا لإنجازات البشرية العلمية، يتعامل أيضا مع الاحتمالات والصدفة، بل حتى آينشتاين نفسه لم يستطع تقبله فقال معلقا عليه: إن الله لا يلعب النرد. لكن التجارب العلمية أثبتت صحة ميكانيك الكمّ.

Image result for ��شا� عز�� ا�دح�ح��
الدكتور هشام عزمي (الصورة من فيديو الدحيح أكبر مروج للأفكار الإلحادية)

4- إن أبحاث الهندسة الجينية وأبحاث استنساخ البشر، تسير بسرعة كبيرة، ومن المؤكد أنهم سيصلون للتحكم بالكثير حول جسم الإنسان، بدءا من جنس المولود، واستنساخ البشر. وبغض النظر عن النقاش الأخلاقي، فهذا أيضا قد يعارض أفهامنا للإله والخلق.

5- بل حتى نظريات التغيير المناخي وحماية البيئة يمكن تفسيرها على أنها إلحادية (كما فعل الدكتور هشام عزمي خلال معرض اتهامه للدحيح بنشر الإلحاد).

فهل نرفض دراسة ونقاش كل شيء؟ هل نستبدل الديكتاتوريين السلطويين بديكتاتوريين دينيين يحددون ماذا نتعلم وماذا نناقش وبماذا نفكر وبماذا نشك وبماذا نؤمن؟

قد يقول البعض، ما ذكرت من أمثلة لا تتعارض مع الإسلام الصحيح، وقد يستطيع الدكتور قنيبي الرد على ذلك.

حسن هذا صحيح، قد يستطيع أيا كان الجدل حول هذه الأمثلة، لكن هذا لا يعني أن عددا غير قليل من مسلمين أو شيوخ مسلمين سيرون ذلك إلحادا أو كفرا أو إساءة للذات الإلهية، والتاريخ يثبت أن شيوخ وفقهاء الإسلام، وكل الأديان، ما اتفقوا أبدا على قضايا من هذا النوع. والجدل الذي قدمه الدكتور قنيبي وغيره يحمل بعض الوجاهة (باستثناء أسلوبه الغير مهذب في نقاش الأخرين، والتكفيري ضد المسلمين المخالفين له)، لكنه ليس كلاما نهائيا ولا قطعيا إلا عند من يسمعه وهو يؤمن مسبقا بقدسية ما سيقولون، أو قدسية ما يستندون إليه من فهم للدين.

والأهم وأعود للتذكير به، يوم يقف المسلمون بوعي وعقل وحب حقيقي لدينهم، وليس اتباعا لشيوخهم، ويوقفوا فتوى حكم عقاب المرتد، الذي يشمل عمليا كل مخالف لفهم الشيوخ لأحد مذاهب الإسلام، يمكن وقتها فقط أن نقول إنما هي حرية النقاش والجدل بين الأفكار؛ فقبل أن يختفي سيف الفتاوى وتحليل الدماء بسبب الأفكار والكلام والسلوك الشخصي لن يكون هناك نقاش بل تسلط وإرهاب فكري.

هل يقدّر حراس المعبد الإسلاميون الإسلام والمسلمين حق قدرهم؟
لو أتى إنسان من المريخ لم يعلم شيئا عن البشر هنا، وسمع حملات التكفير هذه، وصراخ عديد من الإسلاميين والشيوخ حول الأخطار الماحقة المهددة للإسلام والمسلمين، والتحذيرات المتشنجة من مؤامرات كونية تريد هدم الإسلام، سيسأل سؤلا منطقيا بسيطا هو التالي:

“هل هذا الدين ضعيف عقائديا وروحيا لهذه الدرجة لكي يخافوا عليه من حروب الآخرين، أو كتب أو إعلام الآخرين؟ هل سينهزم هذا الدين أمام قناة فضائية أو ألف قناة؟ أم أن المسلمين هم بهذه السذاجة، أو ضعف الإيمان والإدراك لدينهم لكي ينهاروا أمام هجمات الآخرين؟ أم أن عددهم قليل جدا بين سكان هذه الأرض؟”

في الواقع من يسمع غالبية دعاة وشيوخ هذا العصر من مسلمين سيشعر بالخجل أمام مثل هذا السؤال. فالإسلام دين عمره 1400 سنة، ويؤمن به أكثر من مليار ونصف إنسان على هذه الأرض، وقد عمل له وفي حضنه عقول فذة وقلوب مخلصة طوال قرون، وأتباعه أثبتوا حسن العقل والأخلاق كبشر مثل غيرهم، وارتكبوا الأخطاء والخطايا أيضا مثل غيرهم من بشر؛ لكن كثير من متزعمي دينهم، من شيوخ ودعاة وإعلام وسياسيين، لا يرون ذلك، ولا يثقون بالإسلام كدين، ولا بالمسلمين كمؤمنين، كما يبدو من استعراضاتهم الشعبوية العاطفية. إنهم يريدون أن يبقوا سيف التكفير والتفسيق والاتهام بالردة والإلحاد والخروج على الأمة مشهورا في وجه كل من يخالف أفهامهم المتحجرة للدين، حماية لسلطتهم وامتيازاتهم وليس حماية للإسلام والمسلمين.

http://www.infosalam.com/…/s…/islamic-inquisition-on-youtube


[ad_2]

Ahmed Saad Zayed – أحمد سعد زايد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى