مفكرون

حسين الوادعي | خدعوك فقالوا: "الثائر لأجل مجتمع جاهل، كشخص أضرم

خدعوك فقالوا: "الثائر لأجل مجتمع جاهل، كشخص أضرم النيران بجسده، كي يضيء الطريق لشخص ضرير"!
…………….
عبارة شائعة جدا، تكاد تتحول إلى مأثور سياسي.
تنسب أحيانا لرشيد رضا مع أنها غريبة على قاموسه، وتنسب أحيانا أخرى لجيفارا مع أنها مناقضة لفكره ومسيرته الثورية.
والسياق الذي أخترع لترويج هذه العبارة هو التالي:
"بعد القبض علي جيفارا في مخبأه الأخير بوشاية من راعي أغنام، سأل أحدهم الراعي الفقير :
– لماذا وشيت عن رجل قضي حياته في الدفاع عنكم و عن حقوقكم ؟
فأجاب : كانت حروبة مع الجنود تروع أغنامي .
ونتيجة لذلك يقول السائل، أو يقول جيفارا " الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران في جسده كي ينير الطريق لشخص ضرير!"
…………………….
لنعد التفكير في العبارة بعقل نقدي.
مضمون العبارة واضح لكن نتيجته غريبه. فإذا كان الثائر لأجل مجتمع جاهل كمن يحرق جسده ليضيء لرجل أعمى فالنتيجة المنطقية ان الثورة لا تصلح في المجتمعات الجاهلة، وأن على الثوار التوقف عن تثوير المجتمعات الجاهلة لأن النتجية عبثية.
إذا، هذا يقودنا الى خيارين هما:
– إما ان نتوقف عن الثورة تماما ونلغيها من قائمة الوسائل الإنسانية للتغيير.
– أو أن لا نقوم بها الا في المجتمعات الواعية!
فإذا مضينا في الخيار الأول فإننا نحكم على المجتمع المتخلف والجاهل أن يظل جاهلا إلى الأبد. ولا أحد سيكون سعيدا بهذه النتيجة اكثر من الأنظمة الديكتاتورية التي تمسك لجام "رعاياها" المقهورين بسناري الجهل والفقر.
أما الخيار الثاني فهو متناقض ذاتيا فأشد المجتمعات حاجة الى الثورة هي المجتمعات الجاهلة، فمع الجهل يتواجد الفقر والمرض والتخلف.
…………………………………………..
لكن تناقضات العبارة تتجاوز هذا الجانب الجدلي إلى غموض صورة الثورة نفسها عند مروجي هذه العبارة الشائعة.
فالثورة تبدو هنا نشاطا فوقيا معزولا عن المجتمع لا دخل للمجتمع فيه. أما الثوري في هذا التصور فهو شخص منفصل عن المجتمع ومتعال عليه، لا يتحدث إليه، ولا يقنعه ، ولا يغير وعيه كي يتقبل الثورة.
لكن الثورة الحقيقية لا تتم إلا من خلال الناس.
ولو عدنا للقصة فإنها ،إن صدقت ، إدانة لجيفارا وليست إدانة لراعي الغنم. فلو قام جيفارا بتثقيف الراعي وتحاور معه وشرح له ضرورة الثورة وأهميتها في تغيير حياته وتطويرها للأفضل لما وشى به الراعي.
لكن لأن "جيفارا" في القصة تجاهل الراعي (وهو هنا يرمز للمجتمع الجاهل) وتعالى عليه كانت نهايته على يده. وهذه من وجهة نظري نهاية طبيعية لأي ثائر يتعالى على المجتمع.
لكن جيفارا الحقيقي (وليس جيفارا القصة المختلقة) كان يختلط بالناس ويحاورهم ويلهمهم للإلتحاق بالثورة. ومقتله التراجيدي لم يكن بسبب وشاية المجتمع ، ولكن كان بسبب مثاليته المفرطة وعدم تقديرة لقوة خصمه وإمكانياته.
………………………………………….
في هذه العبارة والقصة الملحقة بها يتحول المجتمع الجاهل من ضحية إلى مجرم، وهذه ابرز أساليب الديكتاوريات مواجهة التغيير والحفاظرعلى الواقع المرفوض. فالمجتمع الجاهل ،في السردية الاستبدادية، غير جاهز بعد للتعلم او التغيير حتى لو أراد. ويأتي الخطاب الديني ليؤكد ذلك مدعيا أن الفقر والمرض والمجاعة عقاب من الله للناس بسبب ذنوبهم ومعاصيهم. يصبح المجتمع مسؤولا عن جهلة وفقره وليس الديكتاتور او النخبة الفاسدة.
لكن مفهوم "الجهل" في هذه العبارة مراوغ. فما المقصود بالجهل؟
إذا كان المقصود بالجهل (القراءة والكتابة) فهذا مرادف للأمية وليس للجهل. وشتان ما بين مفهومي الأمية والجهل. فالرجل الأمي قد يكون رجلا واعيا ومثقفا (بالمعنى الغرامشي لكلمة مثقف) ويملك وعيا اجتماعيا وسياسيا متقدما. والمطلوب في المجتمع الجاهل ليس تعليم الأمي القراة ولكن توعيته وشرح اهميته مشاركته فيها أو على الاقل عدم الوقوف ضدها.
وإذا أصر الانسان "الأمي أو الجاهل" أنك خطر عليه وعلى استقراره فهي غلطتك لأنك لم تساعده على فهم الواقع ومعرفة الاسباب الحقيقية لفقره وجهله ومرضه.وفي غمرة الوعي الزائف الذي يسيطر عليه سيعتبرك عدوه وسيعتبر الديكتاتور صديقة ومنقذه.
في عالم ثورة وسائل الاتصال والاعلام الاجتماعي أجزم وأقول أنه لم يعد هناك انسان "جاهل". فحتى الأمي يتابع أخبار العالم وقضاياه ويحللها ويحاول فهمها وتقدير تأثيرها على حياته. وصار أمام الثائر منصات حرة ومجانية ومتعددة لمخاطبة المواطن وحشده وكسبه. لم تعد المشكلة هي "الجهل" وانما "الوعي الزائف".
والفرق بينهما أن الجهل حالة سلبيه (خواء في العقل) وغياب للمفاهيم والمهارات التي من خلالها يمكن فهم العالم. أما الوعي الزائف فهو افكار وقناعات خاطئة تقود المواطن في الطريق الخاطيء وتكرس تخلفه وفقره وقهره.
ومن نماذج الوعي الزائف هذه العبارة التي ترى ان الثورة في المجتمع الجاهل عبث. فهي تقود المواطن والثائر معا في طريق خاطيء يقود الى شرعنة الاستبداد وتأبيد المستبد، وتصوير الوضع القائم :انه قدر لا فكاك منه.
………………………………………………..
لدينا صيغة يمنية لنفس العبارة يقال انها جاءت على لسان الثائر الثلايا : "لعن الله شعباً أردت له الحياة فأراد لي الموت". ويقال أنه قالها في ساحة الإعدام عندما كان الجمهور يهتف داعيا السجان ان ينفذ حكم الاعدام فيه. ومع أني أشك في هذه العبارة واعتبرها اسطورة من اساطير السياسة اليمنية الحديثة إلا أنها لو صحت فإن الخطأ لم يكن في الشعب بل في الثائر.
اريد أن اختم هذا المقال بتوضيح حول مفهومي للثورة.
الثورة ليست فقط ذلك الفعل العنيف على ظهر الدبابات لاسقاط نظام الحكم. صار العالم اليوم يتحدث عن ثورات التغيير الديمقراطي وثورات الإتصالات والمواصلات وثورات العلوم والمعرفة والانتاج. صار العالم يفجر ثورات في الفكر والعلاقات الاجتماعية والدين والمجتمع ،وهذه هي الثورات التي أدافع عنها في هذا المقال.

على تويتر

  Sanim Shaveen | أخترت لكم من بين الشعراء ... الشاعر المصري هشام الجخ: ـــــــ حمزة: وحّد إلهك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق