مفكرون

حافظ مطير | ما بين السيادة والسادة

….
بقلم / حافظ مطير
31 يوليو 2015م
……
منذ نشأت في قريتي الصغيرة وأنا أعاني من الخلط ما بين مفهوم السيادة والسادة.
إذ كان في إعتقادي أن السيادة تكمن في أن يقدس المجتمع ذلك السيد وهو من يحق له ان يسود الناس في المنطقه ولا سيادة لغيره.
وصار يجسد ذلك المفهوم لحظة قدوم السيد إلى القرية مرتديا" العمامة البيضاء على راسه واحتزامه للتوزة المائلة في وسطه وخطواته بكبر وإستحقار وإستخفاف لكل ما ليس بسيد.
بينما الأهالي يستقبلونه ويجثوا بين قدميه بطيبة وبرأة راجيين ان ينفث عليهم بركاته فيكرموه ويجتمعوا من اجل الإستماع لخرافاته في مجلس القرية.
فيجلس الناس في المجلس بشكل تراتبي طبقي حسب ما حددها السيد وصار عرف لدى الناس.
إذ يجلس السيد رأس المجلس ويحيط به الفقهاء الذين يرتلوا التواشيح التي تمجد وتقدس السادة وفضلهم ووجوب قداستهم فيليهم الأعيان ثم الرعية (القبائل).
بينما المزاينة يقبعون عند الأبواب ويوجب إخراجهم من المجلس في حالة الإزدحام ليبقوا في خدمة كل من في المجلس.
وبعد ان يكتمل حضور اهالي القرية يدخل السيد ويخيم الصمت حتى يجلس ويقوم بفك ربطة القات المعدة له بعنايه ليقطفه ويضعه في منشفته والناس ينظرون اليه بتململ حتى يخرج كتابه الأصفر من معطفه ويقراء عليهم بعض النصوص التي تحث الناس على وجوب طاعة السيد واحقيتهم في أن يتبعوه الناس حتى ينالوا البركات والرضى بالجنة.
وما أن ينتهي من موعضته التي ليست سوى ترويج لقداسته وأخذ العديد من الإمتيازات العقدية التي تحتم على المجتمع تقديسه حتى يخيم المساء فيذهبوا الى جامع القرية لصلاة المغرب ومعه الفقهاء الذين لا يجيدون سوى الموشحات والأناشيد التي تمتدح السيد وبركاته والتي تنشد ما بين صلاة المغرب والعشاء ثم يعود السيد ومعه كل اهل القرية الى المجلس فيتناولوا العشاء ويخرج السيد من رزمة ادواته كتاب يحكي عن فضائل الجن وتسخيرها له فتبداء الليلة بحكاية مليئة بالتمتمات والخرافات وتنتهي برعب وهلع في نفوس اهل القرية.
وتستمر هذه الحالة حتى تنتهي ضيافته في القرية والتي قد تصل الى اكثر من اسبوع بحسب عدد اعيان القرية.
وما أن ينتهي اهل القرية من ضيافته حتى يقوموا بجمع ما تبقى بحوزتهم من حبوب وبن وسمن وعسل وغير ذلك وما إن يجمعوا كل شيء الى مكان واحد فيقف بعصاه في مرتفع يعلوا القرية ويضرب بعصاته على الأرض مناديا أهل القرية ( من يتشرف بخدمتنا آل البيت وله الجنه.) فيهرع كل اهل القرية ببرأة لإقتياد دابته وحمل ما قد جمعوه على ضهور الحمير وضهورهم ونقلها وايصاله الى قريته.
بينما كنت العب مع الصبية واترقب ذلك بفضول ذهبت الى حضن جدي وانضر الى السيد قبل ان يغادر القرية بساعات وأقول لجدي (( لماذا يأخذ من الناس كل هذه الأشياء.؟؛ ولماذا يصنع له الناس كل هذه الأشياء؟)) فإذا به يلتفت نحوي وينظر الي بخبث ويستمع لما قلته لجدي؛ فيجيب جدي الذي تشرف بضيافته كونه عين القرية ( لأنه سيد يستحق كل ما أخذه.).
فأعيد السؤال لجدي ( لماذا لا تكون أنت وابي سيد وتستحق كل ما أخذه؟.).
فصمت جدي متجاهلا" ما قلته وكأنه لا يسمع بينما وجه السيد أمتقع مطلقا" إبتسامة مصطنعه وقال( عند ما تكبر ستعرف من يستحق ان يكون سيد ومن يستحق ان يكون قبيلي.).
وبعد ان غادر قريتنا صرت أحدث نفسي ( لا بد أن أكون سيد حتى يجمع لي الناس العسل والسمن والبيض والحبوب ويجتمعوا الناس حولي طالبين بركاتي ورضائي.)
وصار الحلم بأن أكون سيد يراودني حتى دخلت المدرسة كما لا زالت أعاني من الخلط ما بين السيادة والساده معتقد أن السيادة هي تقديس وجمع كل ما تملك للسادة.
ومع مرور الزمن وإنتشار المدارس في القرى بداء ينموا لدى الأهالي مفهوم السيادة وما أن وصلت مرحلتي الجامعية حتى أتضح لي بشكل جلي ما هي السيادة وصرت أفرق ما بين السيادة والسادة.
فصارت السيادة الوطنية لدي بمفهومها الحقيقي بعد ما كانت تعتبر لدي إن السيادة سواد السيد والوطن هو شخص السيد.
فأتضح لي أن السيادة الوطنية هو سيادة الأراضي وتحررها من دنس الظلم و الطغيان و وسيادة الإنسان اليمني وتحرره من الإستغلال والإستعباد.
وما تلك الكائنات والمجاميع الذين يعبروا عن أنفسهم بالسادة إلا كائنات متطفلة تعمل على إستغلال اليمني وإستغفاله وإستعباده وطمس هويته وقتل كينونته لتحوله من مواطن من الدرجه الأولى الى مواطن مستعبد من الدرجة الثانية.
لقد صار لدي مفهوم أكبر للسيادة ومعانيها ودلالاتها.
فإن كان هناك سياده فهي للرجل اليمني الذي يكد في حقله طوال اليوم ليطعم أولاده وليست لأولئك المتطفلون الذين ينهبوا ما يحصده الفلاحون بوهم بركاتهم وقداستهم.
وإن كان هناك سيادة فهي لدماء اليمنيين التي يجب أن يتوقف نزيفها ويتوقف عن إراقتها المتطفلون من أجل أن يتمسيدوا وتحقيق أوهمامهم واطماعهم.
لقد تجسد لديا أن السيادة هي اليمن واليمنيون وأن السادة هم جميع اليمنيون من أبناء تبع وقحطان وحمير وأما أولئك الأدعياء ليسوا سوى جماعات متطفلة تقتل اليمن واليمنيين وتنهب مقدراتهم مطلقين على أنفسهم (سادة).
…….
كتابات
……

حافظ مطير

كاتب وباحث وناشط سياسي يمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق