مفكرون

حامد عبدالصمد | لحد وقت قريب جدًا كان الحوار حول الأديان ليه أشكال كلاسيكية ما بيخرجش عنها

حامد عبدالصمد

لحد وقت قريب جدًا كان الحوار حول الأديان ليه أشكال كلاسيكية ما بيخرجش عنها عادة:

– يا إما حوار داخل الدين الواحد بين أصولويين وحداثيين ، وفيه الأصولي بينصب للحداثي الفخ ويستقوي عليه بكثرة الأتباع وبهيمنة ال خطاب الأصولي ، ويبقى عادة الأصولي واخد الوضع الهجومي والحداثي واخد الوضع الدفاعي.

– يا إما حوار بين أديان مختلفة (في الغالب المسيحية والإسلام): وده ليه شكلين ، الشكل الأول هو شكل مسرحي هزلي من بتاع عاش الهلال مع الصليب وحبوا بعض ونسيج الوطن الواحد ، والشكل التاني هو شكل المناظرات ، وفيها الطرف الأول بيقول للطرف التاني "أمك" فالطرف التاني يرد عليه "أمك وأمين أمك" بذلك دواليك ، دا يطلع للتاني التناقضات اللي في دينه ويعايره وبيها ، والتاني يرد عليه بإنه يطلع له التناقضات اللي في دينه ويشرشح له بيها ، وأتباع كل طرف يهللوا للطرف اللي تبعهم وخلاص.

– يا إما حوارات بين دينيين ولا دينيين ، ودا عادة ما كانش بيحصل وجهًا لوجه ، النوع دا ظهر أكتر مع الاستشراق ، بحيث يجي المستشرق ويتعامل مع النصوص الدينية هو منتج بشري ويخضعها لأدوات البحث (أيًا كانت نيته من دا) ويبرز التناقضات ، الأمر اللي استدعي إن رجال الدين يردوا على الانتقادات دي بأنها "شبهات" ومؤامرة على الدين .. وينتج عن دا نوع من حوار الطرشان عادة ، اللي فيه كل طرف بيخوض معركة أخرى لا يعلم عنها شيء ، ولا مهتم أصلًا يوصل لأرضية مشتركة من الحوار المباشر المنطقي.

لحد ما في الفترة الأخيرة بدأ يتشكل نوع جديد وقواعد من الحوار الديني بين طرفين أحدهما بيحاور من داخل الدين والآخر بيحاور من خارجه ومع ذلك بيقدروا يقيموا حوار منطقي له معالم واضحة ، أول تجربة جدية من النوع دا شوفتها بين مهند خورشيد وحامد عبد الصمد (مع حفظ الألقاب) ، وكان كل طرف فيهم بيعرض رؤياه للدين (سواء من داخله أو من خارجه) بدون تبرير أو مجاملة للطرف الآخر ، كان الحوار في ألمانيا وباللغة الألمانية ، ساعتها سألت نفسي: هل هايجي اليوم اللي تحصل في حوارات من النوع دا باللغة العربية بين عرب دينيين ولا دينين؟ لحد فعلًا ما دا حصل ولقينا دلوقتي ناس زي عاصم حفني والسيد الرحماني وجمال عمر وحامد عبد الصمد وأحمد سامي (مع حفط الألقاب للجميع) .. وغيرهم ، بيقيموا النوع دا من الحوار ، الحوار اللي كل طرف مسموح له باستخدام كل أدواته الحوارية بدون لا تبرير من الطرف اللي بتحاور من داخل الدين ولا مجاملة من الطرف اللي بيتحاور من خارج الدين ، الحوار اللي مافيهوش طرف بيهاجم على طول الخط ولا طرف بيدافع على طول الخط ، كل طرف بيتحول من الدفاع إلى الهجوم والعكس بشكل طبيعي وغير متكلف .. الحوار اللي بيبقى فيه الطرف اللي بيتكلم من داخل الدين عنده – لأول مرة الشجاعة – إنه يقول ما أعرفه ، أو النقطة في الدين ما أقدرش أبررها ، أو الدين ما بيدناش إجابة شافية أو ما بيديناش إجابة مطلقًا عن نقطة بعينها ..

أقدر أقول بدون شك إن المستفيد الأكبر من النوع دا هو الدين ، أو بالأحرى هم المتحاورون من داخل منظومة الدين ، لأن مافيش ثورة إصلاحية ممكن تحصل لأي دين إلا عبر هذا النوع من الحوار ، زي ما حصل قبل كدا مع اللاهوت المسيحي لما اصطدم بالفلسفة اليونانية ، وزي ما حصل مع الإسلام لما اصطدم باللاهوت المسيحي بعد تطوره من خلال الاصطدام بالفلسفة اليونانية .. وأظننا في مرحلة أبعد من مرحلة الاصطدام بالفلسفة ، وهي مرحلة اصطدام الدين بالحداثة وما بعد الحداثة … ومسؤولية أتباع الدين في تطويره تقدر يصاد أمام الحوارات المنطقية الجادة المباشرة من داخله ومن خارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى