مفكرون

نشوان معجب | الله الذي هو موجد هذا الوجود إلهٌ واحد (مهما اختلفنا في تصورنا له). وهو الذي


الله الذي هو موجد هذا الوجود إلهٌ واحد (مهما اختلفنا في تصورنا له). وهو الذي أوجد سنن المادة وقوانينها كما أوجد سنن الروح (الوعي) وقوانينها دون اختلافٍ وتفاوتٍ.

وبالنظر في سنن المادة وقوانينها، فإننا نلاحظ أن الله لم ينزل على الإنسان الكتب لتعليمه خواص المواد وكيفية تفاعلها وتركيبها وتطويرها والاستفادة منها، بل الله خلق للإنسان الحواس ووسائل الإدراك والتفكُّر والاجتهاد والإبداع وفي مقدمتها العقل (أي خاصية التفكير)، فتمكن المبصرون المتدبرون من الناس (وهم قلة) من اكتشاف وابتكار كل جديد نافعٍ ومفيدٍ في عالم المادة عبر الموروث البشري من التجارب المتراكمة عبر العصور.

والله هو الذي أوحى لأرخميدس وابن سينا وأديسون وتسلا وآينشتاين وبقية العلماء والعباقرة في جميع المجالات العلمية المادية، الذين قادوا البشرية للتطور في عالم المادة، لأنهم جاهدوا واجتهدوا ولم يتوقفوا عند ما وصل إليه الآباء من علوم المادة.

وكذلك هو الأمر تماما في عالم الروح (أي الدين) لأن الله إلهٌ واحدٌ ولا يُناقض نفسه بنفسه ولا تتعارض نواميسه.

ففي عالم الروح وكيفية تزكيتها والارتقاء بوعيها الإنساني، فإنه عز وجل أيضا لم ينزل الكتب لتعليم الإنسان أمور دينه كتعاليم جاهزة ومكتملة يتبعها الإنسان بتلك الكيفية التي يتصورها أكثر المتدينين، بل الله خلق للإنسان الحواس ووسائل الإدراك والتفكُّر والاجتهاد والإبداع وفي مقدمتها القلب (أي الحدس والشعور)، فتمكن المبصرون المتدبرون من الناس (وهم القلة المعروفون بين الناس بالأنبياء والحكماء) من اكتشاف وابتكار كل حكمةٍ جديدةٍ نافعةٍ ومفيدةٍ في عالم الروح وكيفية تزكيتها والارتقاء بوعيها عبر الموروث البشري من التأملات والتجليات والتجارب الروحانية عبر العصور.

والله هو الذي أوحى لإبراهيم ومحمد وموسى وعيسى وبوذا وسقراط وبقية الأنبياء والحكماء ليُعلِّموا الناس تلك التعاليم والحِكَم والوصايا، التي تدعو للفضيلة والأخلاق وحسن التعامل مع الناس والإحسان إليهم والقيم الاجتماعية النبيلة، وتربية النفس وتزكية الروح وتجديد الوعي وتنميته. وهم الذين قادوا البشرية للتطوّر في عالم الروح، لأنهم جاهدوا واجتهدوا ولم يتوقفوا عند ما ألفوا عليه الآباء من علوم النفس البشرية وأسرار الروح وكيفية الاستمرار في تطوير الوعي الإنساني والارتقاء به.

ولأجل ذلك فإنَّ أكبر عدوٍ لله وأولئك النبيين هم أرباب الدين وكهنته وأتباعه الذين جعلوا تعاليم الأنبياء دينا مقدساً لازما ثابتا جامدا غير قابلٍ للمناقشة والتطوير والتجديد، وألغوا العقل وأقفلوا الأبواب على القلوب دون التفكُّر والتدبر، وأوقفوا مسيرة الأنبياء الهادفة للاستمرار في التجديد والارتقاء بالوعي الإنساني، فأبطلوا الحكمة من خلق الإنسان وتسببوا بتخلُّف الأمم والشعوب، وأولئك هم جند الشيطان وحزبه الحقيقيون وإن كان أكثرهم لا يعلمون ذلك ولا يشعرون. فهم الذين حاربوا النور والمتنورين من الأنبياء والحكماء عبر جميع العصور، ولم ينجح إلا القليل من الأنبياء والحكماء في إيصال رسالته وتبليغ الناس التجديد والوعي الراقي الذي توصل هو إليه بناءً وتكملةً لِما توصل إليه السابقون قبله من النبيين، ولذلك عاشت الكثير من الشعوب في الظلمات قرونا متتابعةً ولم يظهر فيهم نبيٌ ولا حكيمٌ بسبب تلك الحرب الضروس التي طالما كان يقودها الكهنة ضد أي إنسانٍ يبزغ نجمه ويبدأ بالحديث عن التجديد والتطوير لتصحيح ومراجعة ما ألفوا عليه آباءهم نقلا عن الأنبياء السابقين مما لم يعُد صالحا في عصرهم.

والله المستعان وعليه التكلان.

نشوان معجب | ناشط مجتمعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى