حقوق المراءة

حقوق المراة العراقية | الحلقة الثانية


في بيتنا.. حزب الدعوة
كل ما أكتبه هنا حقيقي و بشهود لازالوا أحياء
تخرجت من جامعة البصرة في عام 1979، وتم تعييني كمدرسة للغة الانگليزية في ثانوية الزبير للبنات في البصرة لأنني حينها كنت متزوجة، معفية من التعيين في المحافظات الأخرى، لكن كان يجب أن اقضي ثلاث سنوات خدمة في القرى و الارياف.
في ذلك الوقت، لم نعاني من اجل التعيين بل كان التعيين مركزيا، و الحق يقال اني لم أعرف كتابة "السيرة الذاتية" حتى وصلت إلى كندا.
اتذكر اني كنت اتمشى مع إحدى زميلاتي المتخرجات معي، في شارع الكورنيش في البصرة، ممسكة بيدي ابنتي الصغيرة ليال، حين لفت انتباهنا الأكتظاظ غير الإعتيادي لمقاهي شارع الكورنيش. لم نكن ندري ان بيانا سيذاع على التلفزيون حينها. و حين اقتربنا من أحد المقاهي بدأت إذاعة بيان استقالة الرئيس احمد حسن البكر و تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية.
لم يعلق احد.. لأن الكل كانوا خائفين، فقد تعلمنا منذ مجيء البعث للسلطة ان "لا تتكلم.. فللحيطان أذان"!
بدأت عملي في ثانوية الزبير و لكني أيضا بقيت مذيعة لساعة واحدة يوميا لتغطية البث القليل لتلفزيون البصرة بعد دمج كل محطات التلفزيون المحلية بمحطة واحدة تبث بثا مركزيا من بغداد.
بعد دمج المحطات في بغداد، أعطت إدارة المؤسسة العامة للإذاعة و التلفزيون خيارا للمذيعين بالانتقال الي بغداد، فأنتقلت كوادر البصرة الى بغداد لكني بقيت في البصرة.. و كنت الوحيدة الباقية، فاستمر عملي المؤقت هناك.
في 1980و بعد أقل من عام واحد على استلام صدام حسين للسلطة ، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، و دخلت البصرة في مأساة كبيرة. فالقصف الايراني على الدور السكنية و دوائر الدولة كان متواصلا. و كإجراء حماية، كان علينا أن نحفر في حدائق دورنا حفرا اعتبرناها ملاجيء.
بعد عام و أكثر قليلا من بدء الحرب ، اختفى اخي الذي يصغرني باربع سنوات من كلية الهندسة. اقتادته قوة أمنية إلى حيث لاندري. و طوال عام كامل كنا نبحث في المستشفيات و السجون.. لكنه كان "فص ملح وذاب"!!! لم نجد مكانه ولم نعرف ان كان حيا او ميتا.
المسكينة امي كانت في وضع مأساوي. أبت على نفسها ان تتدفأ في الشتاء او تنام في مكان بارد في الصيف. كان وضعها يدمي قلبي أكثر من قضية اختفاء أخي.
الأقارب هجرونا.. و الرفاق في المنطقة عملوا الف جرد حزبي لنا. في مرة قال لهم ابي رحمه الله " عمي انتو كل يوم تجردون، و ابننا لحد الان ماندري بي وين.. يجوز ماعنده شي"
فاجابه أحدهم بكل قلة أدب " والله حجي النعجة تجيب طلي ابيض و طلي اسود"
ثمانية أشهر مرت و كأنها ثمانين عاما، وكنت حينها مدرسة للغة الانگليزية في معهد الفنون الجميلة و مذيعة (لمدة ساعة يوميا) في التلفزيون.
وفي يوم ما ارسل بطلبي مدير معهد الفنون، الاستاذ حسن الزبيدي، وقال لي : عواطف انت منقولة من المعهد إلى البلدية بوظيفة كاتبة'!!
صدمني حجم الانتقام مني.. من مدرسة لغة انگليزية إلى كاتبة بالبلدية؟
سألته : منو نقلني؟ الأمن؟
اجابني: لا مو الأمن.. السيد المحافظ.
كان المحافظ هو زكي فيضي العلي حينها. اخذت الكتاب و تركت الدوام مباشرة إلى محافظة البصرة.
طلبت مقابلته وقلت له :استاذ انت ناقلني كاتبة بالبلدية، و اخوي إلى هسه ماندري بي وين.. ولاندري جريمته شنو "
كان يتحدث معي وهو يتظاهر بأنه يقلب أوراقه على المنضدة امامه، و كأني حشرة اجلس أمامه. قال لي : والله الأمر صدر و بعد ماكو تراجع.
كانت لحظة يأس و انكسار..
لايمكنك ان تقدم للبلد اكثر مما قدمناه..
لكنني استجمعت كل القوة المتبقية لي..
قلت له : تريد الصدگ.. اني لحد الان عندي طفلتين من أجمل الأطفال، و أفضل أن اگعد بالبيت و اخلف بعد ستة أطفال حلوين مثلهم و اربيهم، ولا اروح اصير كاتبة بالبلدية "
المحافظ، زم شفتيه باستهانة وكأنما يريد أن يقول" واحنه شعلينه"
خرجت من المحافظة، و ليس لدي أي حل.. لكني فكرت، لربما امين سر فرع الجنوب يمكنه إيقاف هذا الأمر المجحف.
ذهبت إلى مكتب مزبان خضر هادي، امين سر الجنوب لحزب البعث، و قابلته أيضا..و حكيت له عن الاجحاف الذي تعرضت له. فاتصل بالمحافظ وسأله ان كان قد استلم امر الحكم على اخي و هل يعرف أين هو.. فاجابه المحافظ.. لا لم استلم اي شيء.
فقال له : لعد الغي كتاب نقل اخته '!!
وبهذا انتهى موضوع نقلي وبقيت مدرسة في المعهد.
بعد حوالي شهرين، وكنا لا نزال لا نعرف اي اخي و ماهي تهمته.. ارسلت وزارة الثقافة و الأعلام إلى مدير تلفزيون البصرة طالبة منه مذيعة لتقديم "مهرجان المربد" السنوي الذي كان سيقام في البصرة.. و طبعا انا كنت مذيعة التلفزيون الوحيدة التي كان يمكن أن تقدم المهرجان. لكن المحافظ، زكي فيضي العلي، رفض ان اكون انا من يقدم المهرجان. و السبب" اخوها محكوم بحزب الدعوة "
انا لم يعد الأمر يعنيني كثيرا و كنت في وضع بائس.. يا مربد يا بطيخ؟ فلم اهتم..
لكن، في نفس يوم انعقاد المهرجان، وكنت على وشك مغادرة المعهد بعد انتهاء الدوام، اتصل بي مدير التلفزيون و طلب مني التهيوء لتغطية المهرجان بكل انشطته. قلت له لكن المحافظ لا يوافق.. قال : جاءه أمر من وزير الثقافة و الإعلام انك انت، بالأسم، من سيقدم المهرجان.
وبسرعة جهزت نفسي و قدمت المهرجان لثلاثة ايام.
بعد أيام من انتهاء المهرجان ، وصلتنا رسالة من اخي يعلمنا بانه مسجون في ابو غريب بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة. وكانت اول رسالة منه و اول خبر أثلج صدورنا بأن اخي لازال حيا لم يمت.
انت في لحظة ما، تتمنى ان يكون مسجونا وليس معدوما.. تتمنى ان تراه واقفا أمامك.. لأنك وخلال عام كامل لا تعرف ان كان ميتا او حيا.
في أول زيارة له في سجنه في ابي غريب ، كانت العائلة كلها هناك.. اقفلنا الأبواب ، و سافرنا من البصرة،. قامت امي بتجميد المرق في علب حليب كيكوز الفارغة، و خبزت له خبز بيت بما يكفيه لأسبوع، و طبقتين بيض و گطان مشوي و قنينة غاز للطبخ ..
كانت الرحلة متعبة لنا خصوصا لجدتي المسنة رحمها الله. فقد ذهبنا بالقطار من البصرة الى بغداد ثم أخذنا باص الكوستر إلى أبو غريب..
وكان يوما ممطرا فغرقنا في الوحل و الماء و كأننا من بقايا شخصيات "البؤساء" لفيكتور هيجو. أطفالنا طمسوا معنا في الوحل وكانت المسافة بين الشارع العام و بوابة السجن ليست بالقليلة.. لكن، كان علينا أن نقطع تلك المسافة سيرا على الأقدام في الوحل حاملين معنا الطعام و قنينة الغاز و نسحب الأطفال الذين ثقلت حركتهم في الوحل.
وحين وصلنا، ختم حراس السجن الشاسع على اذرعنا كي يعرفونا حين المغادرة فلا يهرب سجين معنا.
دخلنا نبحث عن اخي في سجن مرعب كبير لا تدري بدايته من نهايته.. و فتشنا القاعات الكبيرة الرطبة الباردة قاعة قاعة.. فلم نجد أخي!!
القاعات تعج بالمسجونين و عوائلهم الزائرة .. و نحن لا ندري اين سنجد اخي الشاب الطالب في كلية الهندسة السجين. قال لنا احد السجناء " شوفو الخيم اللي بالساحة"
خرجنا إلى الخيم واذا بها قطع ملابس مهلهلة من ملابس السجناء عملوا منها خيم صغيرة و وضعوا في منتصفها جردل او سطلة ليتجمع فيها ماء المطر.. كل ثلاث او اربع سجناء في خيمة يخيطونها كي تحميهم.. ارضيتها عبارة عن بركة ماء.. و نحن جلسنا على الأرض في تلك البركة، و لازالت السماء تمطر مدرارا علينا، وعلى أساس" المبلل مايخاف من المطر"!!!
رفع اخي طرف دشداشته ليطوي رجليه اثناء جلوسه، فهالني منظر بقع التعذيب السوداء على جسمه. سألته بدهشة و بغباء " هذا تعذيب"؟ فاجابني بانكسار "لا هذي فطريات لأن اني تمرضت بالتوقيف"
أيها الأوغاد..يا قادة الزمن الجميل.. لقد خربتم ارواحنا و أجسادنا.. و اوغلتم في تحطيمنا..

#حقوق_المرأةالعراقية


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى