مفكرون

حسين الوادعي | الأم العذراء والمسيح المسلم…


…………….

كنت طفلاً استمع عقب كل صلاه إلى ذلك الدعاء الذي ينغمه المصلون بصوت رخيم وهم يصلون على ابراهيم وآله، وعلى محمد وآله، ثم يختمون صلاتهم على الحسن والحسين وعلى فاطمة "البتول الزهراء".
وكنت اتساءل عن معنى البتول والزهراء؟ وعلاقة هذه الصفات بفاطمه؟
كبرت قليلا وبحثت في معاجم اللغه ووجدت ان البتول ترد بمعنىين. المعنى الأول "العذراء"، والمعنى الثاني "المرأه المنقطعه عن الرجال".
لكننا جميعنا نعرف ان فاطمه لم تكن عذراء، وانها تزوجت وعاشت عمرا طويلا مع زوجها علي بن ابي طالب، وانجبت الحسن والحسين والمحسن.
إن المرأة العذراء الوحيدة التي انجبت طفلا هي "مريم البتول". فلماذا توصف فاطمة بنفس الوصف الذي اطلق على اشهر عذراء في التاريخ الديني؟
بحثت أكثر في الأدبيات الشيعية ووجدت ان لفاطمة أوصافا أخرى مثل "سيده نساء العالمين"، وهو ايضا احد الالقاب التي اطلقت على مريم. وحسب الميثولوجيا الدينيه المسيحيه والاسلاميه فقد حبلت مريم بروح القدس بدون زواج و انجبت عيسى، وهي تبعا لذلك سيده نساء العالمين لأنها المرأة الطاهرة أم النبي التي لم يمسسها بشر.
فلماذا يا ترى هذا التشابه الكبير بين صورة مريم عند المسيحيين وصوره فاطمه عند الشيعة؟
بما ان مريم مرتبطه بالمسيح، وفاطمه مرتبطة بالحسين، عدت لأقارن بين تصوير المسيحيين للمسيح، وتصوير الشيعه في الحسين، ووجدت الكثير من اوجه كثيرا من التشابه والتماثل.
مات المسيح مصلوبا ومثل بجثته، ويقال ان الحسين صُلب أيضا ورفع رأسه على الرماح، وبعد موت المسيح تأسست المسيحيه بينما بعد موت الحسين تاسست الشيعيه.
قتل الحسين يوم الجمعه، وصلب المسيح يوم الجمعه، ولا يزال اتباعهما حتى الان يحتفلون بمقتلهما في مسيرات طويله من البكاء والعويل ولطم الرؤوس و نتف الشعر وشق الجلودهم بالالات الحاده حتى تمتلئ اجسادهم بالدماء.
بل ان احتفالات بكربلاء عند الشيعه منقولة حرفيا من احتفالات المسيحيين الشرقيين باسبوع الآلام. وإذا نظرت إلى صوره الحسين التي يرفعها الشيعه في مسيرتهم في احياء ذكرى كربلاء، ستجد انها نفسها صوره المسيح التي كان يحملها المسيحيون في مسيرات احياء ذكرى الصلب.
لا يمكن ان ينكر اي قاريء في تاريخ الأديان علاقة التأثير والتأثر بين الديانات والذاهب.
فقد نقل بعض رواة سيرة نبي الإسلام من أحداث حياة زرادشت ما نقلوا، كما نسخ فقهاء الإسلام من التشريعات اليهودية ونسبوها للإسلام حتى كاد الإسلام ان "يتهود".
ويبدو ان الأدبيات الشيعية أعادت صياغة قصة الحسين وفاطمه على نفس منوال قصة المسيح ومريم، حتى ان النسخ واللصق أدى الى ارباك صورة فاطمة والحسين عند الشيعة وملأها بالمتناقضات.
على سبيل المثال، كنت اتساءل في طفولتي عن معنى صفة "الزهراء" التي تطلق في البيئات الشيعية على فاطمة، واندهشت كثيرا عندما وجدت انها تعني "المرأة التي لا تحيض".
ولأن الحيض احد علامات خصوبة المرأة وقدرتها على الحمل، فإن ادعاء عدم حيض فاطمة يقود الى نتيجة أخرى غريبة هي انها لم تحمل كما حملت بقية النساء (التلقيح) وانما حملت حملا اعجازيا مثلها مثل مريم البتول.
هذا الارتباك في ادبيات الشيعة واضح جدا خاصة وأن فاطمة يفترض انها حملت من زوجها علي حملا طبيعيا كبقية النساء. ونجد انفسنا هنا ضحية النقل الحرفي من الأدبيات المسيحية حول مريم البتول التي حملت بدون علاقة بالرجال، ليصبح التوفيق بين الروايات المتضاربة مستحيلا.
لكن إدعاء الحمل الإعجازي لفاطمة يرتبط بفكرة اخرة أراد متطرفو لشيعة زرعها وهي "إلهية الحسين". فالحسين نفخ في رحم فاطمة كما نفخ المسيح في رحم مريم. وهنا يتم نسخ الثالوث المقدس المسيحي ( الله، الروح القدس، عيسى الى الثلوث المقدس الشيعي (علي، فاطمة، الحسين) خاصة ان علي في الأدبيات لمتأخرة للشيعة يكتسب بعض صفات الألوهية، فهو مثلا خلق قبل الكون وقبل الانبياء، وتتحرك الكواكب بارادته، ويحج اليه الانبياء ويرجعون اليه!
هل هذه كل التشابهات بين مريم و فاطمه و بين الحسين و المسيح؟
هناك شيء اخر يجمع بين فاطمه و مريم هو النسب الأمومي.
فعيسى منسوب لأمه وهذا معروف للجميع. لكن الحسن والحسين منسوبين لأمهما ايضا (النسب الفاطمي) وهذا شيء استثنائي في مجتمع ذكوري، وفي ظل معرفة الأب. ان الانتساب للأم كان ضروريا من اجل ادعاء ان الحسن والحسين هما "ابناء الرسول" ، بينما هما في الحقيقة ابناء علي، وابناء ابي طالب جدهم الذي مات كافرا ولم يعتنق الاسلام.
ويبدو ان هذا أحد الاسباب التي اغرت فقهاء الشيعة لنسخ سيرة مريم والمسيح "الأمومية" واعادة زرعها في اللاهوت الشيعي بكل المتناقضات التي تحملها (وهل هناك فكر ديني لا ينفجر بالمتناقضات)؟
ارتبط المسيح بالفداء، مثلما ارتبط الحسين بالفداء. لكن هناك فارقا جوهريا بين الفدائين.
لقد مات المسيح فداء للمؤمنين به، وخلص العالم من عبء الخطيئة. لهذا ليس هناك حاجة لأن يموت المسيحيون او يستشهدوا فداء للمسيح، فدم المسيح فداء لكل الدماء.
أما بالنسبة للحسين فالأمر مختلف. لقد مات الحسين لأن أنصاره خذلوه ولم يفدوه. لهذا لا بد لأتباعه أن يكفروا عن خطيئتهم الأبدية، وهذا التكفير لا يكون إلا بالموت والاستشهاد "ثأر الحسين" وتقديس فكرة الموت والشهادة، فكل شخص يؤمن بالحسين يجب أن يموت تكفيرا عن خطيئة خذلان الحسين في كربلا.
الفارق بين الفدائين هو الفارق بين مسيحية اليوم، وبين شيعية اليوم التي وقعت في مصيدة الموت والدم، ولن تخرج منها إلا بإعادة فهم ورسم صورة الحسين بعيدا عن اساطير الولاية والشهادة والإصطفاء.
……..
نشر المقال في موقع مرايانا…. 2019

على تويتر
[elementor-template id=”108″]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Smart Money: The Online Gambling Industry – The Next Best Investment Frontier?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى