مفكرون

حسين الوادعي | هل هناك قيم عالمية يشترك فيها كل البشر؟…

من المتفق عليه ان هناك قيم محلية تشكل خصوصية كل مجتمع على حدة.
لكن هل هناك أيضا قيم عالمية تتجاوز المجتمعات والثقافات؟
الجدل قائم ..لكن الفلسفة التي نادت للمرة الأولى بالقيم البشرية المشتركة هي فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر في اوروبا.
قامت فلسفة التنوير على قدرة الانسان على التفكير العقلي الصحيح واختيار مصيره منفردا دون حاجة لأي وصاية خارجية. ومن مبدأ حاكمية العقل ظهر مبدأ آخر هو الحرية. فلكي يستطيع الانسان ممارسة التفكير وقيادة حياته الخاصة يجب ان نضمن لعقله الحرية الكاملة في المعرفة والتفكير، فلا يمكن للعقل ان يعمل دون التخلص من الخوف والتسلط.
ثم نبعت قيمة أخرى من قيمتي العقل والحرية هي المساواة. فلأن الناس يملكون نفس القدرات العقلية الأساسية إذا ضمنا لهم التحرر من الخوف والتزييف التضليل، فإن المساواة في العقل يقتضي أن الناس متساوين في الحقوق والحريات والالتزامات لا يجوز التفريق بينهم على اساس الدين او الجنس او العرق او الوضع الاجتماعي.
بل ان المساواة عند بعض الفلاسفة كان المبدأ الأول الذي قاد الى بقية القيم البشرية العظمى. فقد رأى فلاسفة التنوير ان الانسان خلق في "حالة الطبيعة" وهي الحالة الاولى التي يتساوى فيها كل البشر، فالإنسان يولد وهو يحمل حقوقا أساسية لا يجوزالتفريط بها سميت فيما بعد بحقوق الانسان، واهمها حق الحياة وحق الحرية وحق الحماية من الأذى والدفاع عن النفس وحق رعاية النفس وتطويرها.
استطيع القول ان العالم اليوم صار يؤمن بقيم عالمية غيرقابلة للإلغاء أو الإهمال من هذه القيم: الحرية (بما في ذلك حرية التدين وحرية التنقل والحريات الشخصية والمدنية والسياسية)، والمساواة، وحقوق الانسان، والعقلانية (بما في ذلك العلمانية باعتبارها وسيلة لعقلنة العالم ونزع السحر عن الظواهر)، والفردية ( كل شخص مستقل بذاته وغير خاضع لسلطة العائل او القبيلة او الدولة في قراراته الشخصية) ،والتعددية في ابرز تجلياتها الديمقراطية (كأنجح وسائل حل النزاعات واحترام كل الآراء).
هذه القيم مرة واحدة، ولكنها نتيجة تاريخ طويل من التطور نحو الأفضل. صارت هذه القيم مزروعة في ضمائرنا حتى إن أشد الانظمة والحركات استبدادا احتقارا للإنسان لا تجرؤ اليوم على رفض هذه القيم العالمية علنا.
وعندما تتعارض القيم العالمية مع اي قيمة محلية او سلوك خاص بثقافة معينة فإن المرجعية والافضلية هي للقيم العالمية لأنها قيم عليا يشترك فيها كل البشر لأنها تعبر عن المشترك الأعظم الذي يجمع الإنسان كإنسان.

على تويتر

  عبدالله القصيمي | "ما هو الانتصار، وما الانهزام؟ هل هما شيئان؟ هل بينهما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق