مفكرون

حسين الوادعي | الى جانب أسباب أخرى، كان للقات دوره في تخلف الأغنية اليمنية

الى جانب أسباب أخرى، كان للقات دوره في تخلف الأغنية اليمنية مقارنة بمثيلاتها العربية.
سيطر المَقِيل (غرزة تعاطي القات) على فن الغناء اليمني وحصره في ثنائي العود والإيقاع كآلتين وحيدتين في اغلب الاغاني اليمنية خلال 40 سنة على الأقل.
وكان التلفزيون الرسمي والاذاعات تبث الاغاني اليمنية التقليدية بين الساعة 3 والسادسة 6 و هي ذروة ساعات تعاطي القات فارتبطت الأغنية اليمنية بالقات إنتاجا واستقبالا.
لم يخرج الغناء اليمني، إلا نادرا، الى المسرح والصالات الكبيرة والحفلات الجماهيرية. بل ظلت الأغنية اليمنية تُكتب كلماتها في مقيل القات (اشهر شاعر غنائي يمني كان يكتب أشعاره على علبة السجائر) ، وتُلحن في مقيل القات، وتُؤدى في مقيل القات.
لم تتجه الأغنية اليمنية للاوركسترا والفرقة الموسيقية والكورس. هذه تطورات تحتاج هواء طلقا وفسحة لا توفرها غرز القات الضيقة.
هذا أيضا كان له دوره في ذكورية الفن اليمني. لا يوجد حتى الآن فنانة يمنية واحدة يمكن اعتبارها من فنانات الصف الأول لأن مقيل القات حيز رجالي لا يتقبل النساء في ظل الثقافة التقليدية.
حتى أن الفنانين (وبالذات الفنانين الشباب في السنوات الأخيرة) صاروا يغنون وافواههم محشوة بكرات القات. وهذه ظاهرة هزلية ومؤذية لأن الغناء يتطلب من الفنان الحقيقي استخدام كافة طبقات وامكانات صوته ليتنقل بين المقامات والألحان. لكن أن يغني الفنان (استخدم كلمة فنان هنا مع تحفظات كثيرة) وثلاثة ارباع فمه مسدودة بالمخدر فشيء غير مقبول ولا معقول في دنيا الفن.
لهذا ظل الأداء الغنائي بدائية ورتيبا ولا علاقة له بالمعنى فيتشابه في كل الاغاني الفرق بين اغنية عاطفية ووطنية.
(تخيلوا مثلا لو كانت فيروز تغني وفمها محشو بالتبولة، او لو كانت أم كلثوم تغني و هي تمضغ كرة محشي!).
تَحَكُم مخدر القات في الفن اليمني ليس مبالغة مني، فكلنا نتذكر انه في تسعينات القرن الماضي كانت هناك تنظيرات لنقل فن المسرح الى مقايل القات (مسرح المقيل)، وكانت النتيجة كارثية حولت المسرح إلى شيء لا علاقة له بالفن ولا بالتحشيش، ففقد فنيته من ناحية ولم يرض المخدرين بالقات من ناحية أخرى.
حتى المنتديات الثقافة تحولت إلى مقايل قات، وانتظمت حوله…
أدى القات الى تخلف جوانب كثيرة في حياة اليمني اليوم.
طريقة اللبس التقليدية المهملة مثلا لانها تناسب المجلس التقليدي للمقيل رغم أنها تجعل من يرتديها كتلة من فوضى الأقمشة. ولست أبالغ لو قلت ان اليمني من بين أقل الرجال أناقة في العالم.
كذلك أدى القات الى إستمرار الثقافة التقليدية المحافظة التي ينقلها جيل الى جيل عبر جلسات القات اليومية، وثقافة استبعاد النساء، وقلة الاهتمام بالنظافة (والذي عرف القات يعرف جيدا لماذا اربط بينه وبين قلة النظافة).
الموضوع طويل وهذا لا يعني إنكار دور عوامل أخرى مثل الإسلام السياسي والحروب والفقر، لمن دور القات كان محوريا .. فقط لاحظوا كيف تغيرت حياة ونظافة حسين محب والاخفش عندما غادرا اليمن وابتعدا عن دوامة القات. قد تكون هذه بداية مسار جديد للاغنية اليمنية رغم عدم توافر كل الشروط الموضوعية لذلك.

على تويتر

  نشوان معجب | لماذا المتدينون جميعا يتخيلون الله بأنه ذو مزاجٍ مُنقبضٍ مُتعكِّر، وطبعٍ جادٍّ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق