مفكرون

عبدالله القصيمي | "ما هو الانتصار، وما الانهزام؟ هل هما شيئان؟ هل بينهما

"ما هو الانتصار، وما الانهزام؟ هل هما شيئان؟ هل بينهما فرق أو فروق؟ مَن وضع الفروق وحدَها؟ مَن عرفها واحترمها؟ كيف حدثَ هذا، وبأيّ منطق؟ وعلى أيّ قياس؟
**
إنّه ليس الضعيف المغلوب هو الذي يواجه ويعاني ظروفاً أقوى منه. إنّ الظروف هي دائماً أقوى مِن الكائن، مِن كلّ كائن. ولكنِ الضعيفُ المغلوب هو الذي يرى دائماً أنّ الظروفَ دائماً أقوى منه، وأنَّ عليه ألّا يقاوم ما هو أقوى منه. إنّ جميع مقاومات الكائن ليست إلّا مقاوماتٍ لما هو أقوى منه.
إنّ مقاومتك لما هو أقوى منك ولما تراه أقوى منك هي أعظم وأشمل مزاياك.
إنّه ليس الرديءُ الحظِّ هو الذي يحاول فلا ينتصر. إنَّ كلَّ موجودٍ هو دائماً عاجزٌ عنِ الانتصار. إنَّ المنتصِرَ هو دائماً عاجزٌ عنِ الانتصار. ولكن الرديء الحظّ هو الذي ييأس مِن المحاولات أو يهابها، أو لا يجد حماساً أو رغبة في أن يُحاول. إنّ المحاولاتِ بحماس ورغبة دون انتصار لهي أكثر إعطاءً للسّعادة والمجد والقوّة والفضيلة مِن الانتصار بِلا محاولات متوقِّدة بالحماس والرغبة وبالتفجُّر النفسي.
إنّ الحالة التي يدعوها الناسُ هزيمةً ليست إلّا تدريباً للأعصاب والأخلاق والتفكير والحياة على الاكتمال وعلى المواجهات الصعبة. إنّ الهزيمة لا تساوي إلّا أسلوب مواجهتنا لها. إنّ جميع البشر مهزومون، ولكن تختلف أساليبهم في مواجهاتهم لهزائمهم. إنَّ الهزيمة ليست إلّا تجرِبة عنيفة. إنّ انتصاراتنا ليست إلّا أساليب وتعبيرات مُختلفة عن مواجهاتنا للهزائم وتعاملنا بها ومعها.
إنَّ كلَّ كائن يعيش في مواكب مِن الهزائم. إنّه يتنقّل بين مواكب الهزائم مهما كانت انتصاراته. إنَّ الحياة ليست إلّا مواكب هزائم. إنّ هذه هي روعتها وسحرها. إنّ هذه هي شاعريّتها الخلّابة. إنّ هذه هي فنونها ورقصاتها المثيرة المغرية المغرية المُحرِّكة الباعثة، القاذفة بالكائن إلى حماقاته المُبدعة المُتقبِّلة للعبث السخيف كأعظم وأذكى الجدّ. إنّ الهزيمة هي النبيّ الذي يعلِّم الإصرار على ممارسة العبث ويخلق الحماس في هذه الممارسة.
ما أرخصَ الانتصار الذي يتحقَّق مِن المحاولة الأولى. ما أعجزَه عن أن يخلق فينا النشوة السعيدة الحمقاء التي نحتاج إليها أبداً، والتي هي النبيّ الكذّاب الذي يفسّر لنا دائماً ما لا يُستطاعُ تفسيرُه. إنَّ أروعَ الحماقات والنبوّات هي أقدرها على أن تهبنا القدرة على تفسير ما لايُستطاعُ تفسيره وعلى تصديق ما لا يُستطاعُ تصديقُه وعلى قوّة النشوة والتجرُّع. ما أبلدَ وأخمدَ الحياة التي لا تتصارع وتتعاقب فيها الاحتمالات الشرِّيرة المخيفة _ التي لا يصدم فيها انفعالٌ – انفعالاً مُناقِضاً – التي لا تواجه فيها هزيمةٌ انتصاراً، ويواجهُ فيها انتصارٌ هزيمةً – التي لا تتنقَّلُ بين الانتصارات والهزائم دون انتصارٍ أو هزيمة. ما أروعَ التنقُّلَ بين الانتصارات والهزائم، بين اليأس والأمل.
ما أعظمَ ذلك الذي يسير بين أهواله ومخاوفه وهزائمه، مُصمِّماً على نفسه، مُقتحماً أشرسَ المخاوف، وأشرسَ الوقاحات، وأشرس الظروف البذيئة الغبيّة، دون أن يطالب بأيّ ثمن لاقتحاماته، أو يجد أيّ تفسير لها، أو أيّةَ أخلاقيّة فيها. ولكن كما تصمّم الحشرات على نفسها وعلى معاركها واقتحاماتها، وكما تسير النجوم والسيولُ الضالّة في دروب وشهواتِ ضلالها دون أن تستطيع التوقّف أو أن تجدَ لمسيرتها تفسيراً أو منطقاً أو ثمناً أو تشريعاً، ودون أن تبحث عن هذا التفسير أو المنطق أو التشريع أو الثمن.
هل الإنسان أكثر مِن الحشرات احتياجاً إلى الاقتناع بقيمة ما يفعل أو بمنطقيّته أو بأنّ له تفسيراً صحيحاً أو مُقنِعاً ؟
ليست روعة الحياة ولا التفوّق فيها في أن يكون لنا دائماً ما نُريد. إنّ روعةَ الحياة وعزاءَها في أن نُريد دائماً، وفي أن تخلقَ فينا إرادتُنا الدائمة الحماسَ والتوهّج والتوجُّس والتصميم والخوف المِقدام المُتكبِّر على الاستسلام، بل المُتكبِّر على المنطق وعلى الذكاء. إنّ رفض المنطق في الحياة، بل العجز عن أن تبحث عن المنطق وعن أن تشترطه في الحياة هو الذي يهبُ الحياة جنونَها السعيد، وهو الذي يهبُك جنونَك المِقدام. هل تستطيع أن تجد نفسَك أو أن تتقبَّلها أو أن تجد لها تفسيراً إن لم تُصبْ بالجنون المِقدام ؟
إنّ إغراءَ الحياة وجمالها ليسا في ألّا نواجه آلاماً أو مخاوف أو هزائم ولكنّهما في أن نحوّلَ تلك الآلام والهزائم والمخاوف إلى تفسير وتسويغ وتصعيد وتمجيد لحماقاتنا وتفاهاتنا وذنوبنا وجوعنا _ في أن نُحوِّل تلك المخاوف والآلام والهزائم إلى جنون يضجّ ويقتحم ويتحدّى ويقاتل ويخطب. إنّ الجنون المتحوِّل إلى ضجيج واقتحام وتحدٍّ وإلى قِتال وخطابة هو أعظم التفاسير للحياة، إنّه أعظمُ أنبيائها الذين يعلِّمونها الإيمان بنفسها والتقبُّل لعاهاتها ودماماتها وآلامها وخطاياها. إذن لعلَّ للأنبياء والمعلِّمين نفعاً. لعلَّ نفعهم أنّهم يجعلون للدّمامات والعاهات والآلام والعبث منطقاً وتفسيراً وقيمةً ومجداً ومذاقاً مسعوراً.
إنّ الجنون المُقاتل المُقتحم بلا بحث عن أيّ ثمن أو أمل أو انتصار لهو أفضل وأعظم جدَّاً مِن كلّ ثمن وانتصار وأمل يُبلغ ويُنال.
إنّ كلّ شيء، إنّ أيّ شيء ليست له أيّة قيمة، إنّه لا يساوي أيّة قيمة أكبر أو أنبل أو أشرف مِن أن يصنع لنا وفينا شوقاً وتوتُّراً وجنوناً ضاجَّاً بليداً مقاتلاً مُتحدِّياً مُقتحماً بذيئاً، بذيئاً. إنّ مثلَ هذا الجنون هو الذي يُخرجُنا مِن كآبة الخمول ومِن كآبة العقل والمنطق والوقار والرصانة. إنّ الخمول والعقل والمنطق والوقار والرصانة هي الأعداء لكلّ مسرّاتنا البهيجة المتوحِّشة.
إنّ الجنون الضاجّ الذي لا يستطيع أن يقرأ نفسَه أو أن يحاسِبَ نفسَه هو أجمل ما في الحياة. إنّه التفسير الشامل لجمال الحياة وللاستمتاع بجمالها وللاقتناع بذكائها وبذكاءِ آلهتها وبذكاءِ مُعلِّميها غيرِ العِظام."
.
.
.
عبدالله القصيمي
مِن كتابه "أيّها العار إنّ المجدَ لك"

  اياد شربجي | الملحد المصري الشهير أحمد حرقان يعود إلى الاسلام شيخاً ، بعد اعتقاله والاعتداء


"ما هو الانتصار، وما الانهزام؟ هل هما شيئان؟ هل بينهما فرق أو فروق؟ مَن وضع الفروق وحدَها؟ مَن عرفها واحترمها؟ كيف حدثَ…

Posted by ‎عبدالله القصيمي‎ on Monday, November 25, 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق