مفكرون

حسين الوادعي | مرض اليسارية الطفولي الجديد…

…………….
يرى المفكر اليساري الفرنسي فرانسوا بورجا إن الحركات الأصولية هي المعبر الحقيقي عن صوت الشعوب الاسلامية، أما اليساريين والليبراليين والقوميين العرب فهم رسل للقيم الغربية البعيدة عن "روح" تلك المجتمعات.
بدا هذا واضحا من خلال عنوان أطروحات كتابه الاشهر "الاسلام السياسي…صوت الجنوب". فحركات الدين السياسي من وجهة نظره سواء كانت خمينية او اخوانية او سلفية هي الناطق الحقيقي باصوات العرب والمسلمين المقهورين. أما الحديث عن قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والفردية فمجرد استيراد لقيم الغرب الاستعماري التي لا تنطبق على الشعوب الاخرى.
سيشكل بورجا مع أبناء مدرسته من اليسار الأوروبي ما دعاه صادق جلال العظم "الاستشراق المعكوس". ولا يوجد فارق حقيقي بين الاستشراق التقليدي والاستشراق المعكوس غير ان الأول ينظر للشعوب الشرقية باحتقار لانها شعوب تقليدية غارقة في الدين والخرافة وعاجزة عن تبني قيم الحداثة، بينما ينظر الاستشراق المعكوس للشعوب الشرقية باعجاب لنفس الاسباب، أي لانها رافضه لقيم الحداثة والامبريالية وقيم العقل والعلم والتقدم!
اتضح لي أن لدينا مرضا يساريا طفوليا جديدا غير الذي تحدث عنه لينين. انه مرض التحالف مع الفاشية الدينية من اجل مواجهة الامبريالية العالمية.
يمكن اعتبار الثورة الايرانية نقطة محورية في موقف اليسار من الفاشية الدينية. استطاعت الثورة الايرانية طرد الشاه الحليف الاكبر للغرب في المنطقة ورفع شعارات عدائية ضد الولايات المتحدة والقيم الغربية السياسية والاجتماعية.
كان اليسار يترنح والراسمالية تصعد على وقع تعثر التجارب الاشتراكية وتضعضع المعكسر الاشتراكي. ثم جاء الانهيار الكبير للمنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانيات من القرن الماضي ليخلق أكبر جرح نرجسي لليسار.
تلفت اليسار يميناً ويساراً باحثاً عن نموذج يمكنه مواجهة الانتصارات المتلاحقة للراسمالية وقيمها فلم يجد أمامه إلا الحركات الدينية. ولأن اليسار المهزوم لم يعد صاحب مشروع شمولي فقد اختصر مشروعه في هدف واحد أعمي هو مقاومة الامبريالية. وشاء له الوهم ان يرى في حركات الفاشية الدينية الصاعدة بعد فشل المشروع القومي العربي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الامبريالية وهزيمتها.
من هنا اتى الموقف الداعم لميشيل فوكو ليس فقط للثورة الايرانية بل ولاجراءاتها الاجتماعية والسياسية المتخلفة. عندما كانت الخمينية تفرض ستارا دينيا كهنوتيا على الحياة في ايران كان اليسار الاوروبي يتجاهل الطابع القمعي الكهنوتي لهذه الاجراءات ويراها انتصارا مظفرا ضد كل القيم المزيفة للغرب الاستعماري!
وعندما فرضت الخمينية الحجاب بالقوة على المراة الايرانية كان اليسار الاوروبي يتجاهل النظرة الاصولية المتخلفة التي ترى في المراة عوة ورمرزا جنسيا للفتنة والافساد، ويرى في قرار فرض الحجاب تحريرا للمرأة من التسليع الغربي وقيم الموضه والجمال التي تدعمها الشركات الكبرى!
أما الحداثة فلم تعد مأسورة للنموذج الغربي الذي يربطها بالتعليم والحرية السياسية وتحرير المراة وفصل الدين عن السياسية وترسيخ الروح الفردية، فهناك "حداثات" اخرى قد تقتل المثليين وتقطع يد السارق الفقير وترجم المتزوجة الخاطئة حتى الموت وتفرض رأيا واحدا ومذهبا واحدا بقوة الحديد والنار وترمي بمعارضيها في السجون..
بالنسبة لليسار المتحالف مع الفاشية الدينية، كل هذه الاجراءات ليست وحشية إلا لأننا نقيسها بمقياس القيم الغربية للرجل الابيض حول حقوق الانسان. أما لو قسناها بناء على القيم المختلفة لحركات التدين السياسي فهي اجراءات طبيعية جدا، نابعة من ثقافة تلك الشعوب.
بعد فرانسوا بورجا قرأت ليساري هو "آلان غريش". ووجدته في كتابه "الاسلام والجمهورية والعالم" يهاجم بعنف احدى المعارضات الايرانيات التي خلعت الحجاب وبنفس المصطلحات التي تستخدمها السلفية الدينية الاسلامية. فالمسلمة الحقيقية بالنسبة لتيار الاستشراق المعكوس هي المرأة المحجبة عكس "المزيفات" بشعرهن المكشوف وتنوراتهن القصيرة وشعاراتهن النسوية. ووجدته ايضا يدافع عن الاسلام بنفس مصطلحات الأصولية الاسلامية باعتباره دينا تقدميا لا يحتاج الى اصلاح وان كل الدعوات لاصلاح الاسلام وخاصة في نظرته للمرأة والحريات والحداثة مجرد دعوات مشبوهة من نخب متغربة.
بالنسبة لغريش المثقف الحقيقي الذي يعبر عن تطلعات العالم الاسلامي هو طارق رمضان، اما بقية المثقفين الليبراليين واليساريين العرب فهم نخت متغربة بتهافت عليهم الاعلام الغربي ويحاول ابرازهم لمحاربة مشروع الاصولية الاسلامية.
إلى جانب بورجا وجريش لمعت اسماء اخرى من نفس المدرسة مثل ايان هاليفي. تختصر هذه المدرسة العلاقة بين الغرب والعالم الاسلامي في نقطة واحدة هي "الاستعمار" . فالعالم الاسلامي ضحية الاستعمار الغربي الذي الى جانب نهب مقدرات تلك الشعوب حاول نشر قيم "الاستعمار الثقافي" مثل الحرية والديمقراطية والمساواة وتحرير المراة والعقلانية والتعددية السياسية. ولا سبيل للخلاص الكامل من الاستعمار عند بورجا وجريش وهاليفي الا برفض المسلمين لهذه القيم والعودة الى قاموسهم السياسي الأصيل (الخلافة والشريعة والامامة).
انهم مؤمنون بقيم الديمقراطية والعلمانية والحرية لكنهم يرونها قيم خاصة بهم فقط وبحضارتهم فقط وبمجتمعهم الفرنسي الاوروبي.
يشترك تيار الاستشراق المعكوس مع الاصولية الاسلامية في الايمان بثلاثة افكار رئيسية تحركها نظرية المؤامرة. الفكرة الاولى ان هناك مؤامرة غربية لتشويه الاسلام ، وان الارهاب الاسلامي مجرد ترتيبات استخباراتية غربية لتشويه الاسلام وضرب المسلمين. والفكرة الثانية ان الاسلام على عكس المسيحية واليهودية لا يحتاج لعملية اصلاح ديني ، وان دعوات تجديد الاسلام دعوات مدعومة من النظم الغربية، والفكرة الثالثة ان سبب تخلف المسلمين خارجي وهو الاستعمار وانه لا يوجد اسباب داخلية لتخلف المسلمين غير الاستعمار والقوى الغربية.
ان سيد قطب وحسن نصر الله والزرقاوي وطارق رمضان وحسين الحوثي وراشد الغنوشي والخميني هم الابطال المستقلين الذين يحتفي بهم تيار الاستشراق المعكوس، اما بورقيبه واتاتورك وطه حسين ومحمد عبده ورموز التجديد الحداثي والليبرالي فهم مجرد وكلاء استعماريين لقيم الامبريالية التي يجب ان يتحالف اليسار مع الفاشية الاسلامية لتجفيف منابعها في العالم الاسلامي.
ولا يختلف اليسار العربي "الجديد" و"الممانع" عن نموذجه الأوروبي في تحالفه مع الفاشية الدينية باعتبارهاةالبطل القادم لمواجهة الأنظمة والامبريالية واسرائيل!
. ………………………….
نشر المقال على موقع "درج" قبل سنه واعدت نشره واختصاره وتنقيحه.

على تويتر

  اياد شربجي | أعلن حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو قبل قليل أن تنفذ عمليات البارحة على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق