كتّاب

امين تاكي | الرحلة الى اوروبا . الجزء

امين تاكي:

الرحلة الى اوروبا

. الجزء الثامن عشر

الحياة الحقيقية غالباً ماتبدأ بمعاناة كبيرة ، اجل. أُفكر ، لكنها باتت كبيرة جداً. يتداعى العالم فوق رأسي ، بينما افكر بأنني سأطوف حوله ، وأصِل الى آخر الدنيا. تماماً حيث أُوشِك ان استقِر

نادراً ماتتقاطع احلامنا مع واقعنا ، ولهذا ترانا نعاني مثل اطفال افريقيا ، بلا ماء او غذاء. وإن توفر القليل من النوايا الحسنة ، لوجدنا حلاً لمشاكل افريقيا. بينما من المستحيل ان نعثر على حل لمشاكلنا. معاناتنا تستعصي على الممرات الإنسانية

لم اعد احتمل البقاء في هذه البلاد ، اشعر كأنني هنا منذ زمن بعيد ، اشعر مثلما حين كنت في سن الطفولة ، اجلس لوقت طويل في المنزل على عذاب لاينتهي ، ممنوع الخروج. وهذا مايجعلني اسقط على رأسي لبكاء ماقبل النوم

لقد تعبت ، واصبحت ساقايَّ كالخيطين الهزيلين. لقد إرتكبتُ الكثير من الأخطاء ، لكنني لا أشعر بالذنب ، ولستُ سعيداً. إنني بارد الأعصاب ، وطيب القلب وعفوي بشكل لا إرادي. إنسان بكل بساطة ، مثل الآخرين

إنني افقد معنى الأمان ، هذا المعنى البسيط والمعقد في آنٍ واحد ، يوضِح لي معنى خروجي من بلادي اليمنية. انا بحاجة الى عالم جديد ، ينفتح على إحتمالات لاحصر لها. فلا أخاف من السقوط ، ولا أتوه في الحيرة ، ولا اموت على يد قاتل بحجةٍ دينية او سياسية او عرقية

حياتنا اليمنية هي مجرد تتابع منطقي لأكثر الأمور بدائية. هل فقدت حس الإنتماء للوطن؟ نعم. جيد جداً ، حان الوقت لتجد مكاناً آخر ، ووجوهاً أخرى ، وحياةً اخرى
ماذا يريد أي إنسان؟
ان يهزم كل مخاوفه ويعيش آمناً

  أحمد سعد زايد | مشاهدة ‏أحمد منصور وفاشية بلا حدود مع أحمد سعد زايد‏

وعليه ، فإنني قد قطعتُ شوطاً كبيراً في هذه الرحلة ، وتعثرت. فطلبتُ المساعدة منكم ، أنتم الذين لن أخذل أحداً منكم إذا طلب المساعدة مني. لكنني تعرضتُ للخذلان الكبير

تخيلوا انني منذ ثلاثة اشهر انتظر(المليونير)خالي ماجد يفيء بوعده ويرسل لي مبلغاً من المال. لكنه يوم امس بعد الإنتظار ثلاثة اشهر ،قام بتغيير رأيه.! وشتمني ، وقال عني كاذب ، وقام بحظري من الواتس أب.! دعني أستعيد كرامتي ياخال ، أرجوك. لقد أذلني أي مذلة ، و أوقعني على وجهي كإجاصة تسقط من الشجرة

كان الوقت ليلاً ، وكنتُ خارج غرفتي اتمشى على السطح ، استدير مائة وثمانين درجة ، ارى باب غرفتي امامي بكل وضوح ، زال الظلام بلحظة واحدة. اخطوا بإتجاة غرفتي ، ثم اتسمر في مكاني ، واشرع في البكاء

بكاء حقيقي ، واشهق بقوة ، واذرف الكثير من الدموع ، وافكر في الصفعة التي تعرضتُ لها ، صفعة تُصيبني بالدوار على الفور. وفي لحظة من الوقت ، أُعيد ذكريات كل السنوات التي عشتها مع خالي ماجد

خدي الجميل يتحول الى صحيفة ، يُدونها رسام عثماني بارع. ليست صفعة باليد ، إنما حالة من التخدير الكامل للراس ، دون حقنة

اتوه بين افكار كثيرة ، فأجهد نفسي ، واحاول ان استعيد توازن دماغي بمفردي ، في بلد لا اعرفه. انجح في هذا ، فأبكي بقوة اكبر ، وتخرج الامور عن السيطرة لأنني ابكي كثيراً ، واعجز في التوقف عن هذا. لا افكر في شيء الان ، ولا احتاج الى اي جهد كي ابكي

ارى دموعي تتوسط هاتفي ، فتهتز الشاشة من اثرها ، كأنها زلزال. بينما اجهش بالبكاء حتى اوقِظ اهل الحي كله ، لكن لا أحد يسمعني. لقد وضعوا الفلين على آذانهم ، كأنهم على علم منذ وقتٍ طويل بأنني سأبكي حتى الإحباط ، عاجلاً ام آجلاً

  أحمد عرفات | - تبقى قاعد في أمان الله تلاقي خبر يضربك في وشك كده يخليك والله ما عارف تجمع

ماذا اقول لكم؟ هذه الرحلة والأحداث التي عشتها والمواقف من الأشخاص ، جعلت كرامتي تبتعد على متن دراجة نارية ، ومن يدري أين ذهبت. لاتستخفوا بالدعابة أبداً ، حتى لو كنتم في أفظع لحظة من حياتكم

تحدثتُ مع الكثير من الأصدقاء والصديقات ، بحسن نية ، عن المشاكل التي اواجهها في الجزائر ، وعن غرقي في البحر. فيُظهِرون لي تفهُمهم وتعاطفهم الخفي في عينيهم ، كأن كل واحد منهم هو البابا الذي يجلس على عرش الفاتيكان

طلبت منهم قروض بسيطة ، ولكن لافائدة. بدى وكأنهم يأسفون لكل ماحدث معي ، ويشعرون بالذنب الذي كأنهم مّن تسببوا به.! ذنب يسرح على عمودهم الفقري كالشاحنات الممتلئة على الطريق السريع

لاعليك ياصديقي سأقف معك. هذا ما اسمعه منهم. ثم اجد الحظر في اليوم التالي ، والبعض لايرد على رسالتي. وهكذا تتلاشى كرامتي وتنعطف على زاوية بشارع مستقيم ، لن أجدها بعد الآن

لقد عشتُ طويلاً في الشارع ، لكنني نسيتُ مفهوماً اساسياً : ان كرامة الإنسان هي أغلى مايمكن إمتلاكها. الشارع يعلمك كل شيء ، الشارع يكتب سيرة الدنيا ، الشارع يمزق احاسيسك ، ويفسد رغباتك ، ويُمرِغ آمالك في تراب السخرية ، الشارع عدمي ، فلا تُسقِط كرامتك فيه

سأتصرف كرجل نبيل ، وأترككم بكل هدوء ، كي اواجه بدايات الحياة الجديدة. لن تحصلوا على أخباري بعد الآن ، ولكن ، كونوا مطمئنين. تخيلوني حياً سعيداً ، ستعرفون أمراً عن حياتي ، لمرة واحدة فقط ، حين اموت

  امين تاكي | نساء حول الرئيس . الجزء

والآن لاتبكوا. لأنكم تظنون مخطئين ان في هذه الدنيا ثمة حياة واحدة فقط. إنما يوجد على الأقل ثلاثة حيوات ، وربما أربعة. تّذّكروا ماقلته لكم جيداً ، فهذا افضل ما يمكن ان نذكره في الحياة

هذا المساء أجدني مرهقاً ، والحياة لم تمنحني الراحة المطلوبة. فأرتمي على فراشي بملابسي ، وكان الغروب ينساب على وجه المدينة ، نِمت. وبعد إنقطاع ساعاتٍ طويلة ، رأيتُ حلماً

عمري عشرُ سنوات ، وأمي تُمسك بيدي اليمنى ، أنظر الى يساري ، فأجد أبي يُمسك بيدي اليسرى. نمشي في شارع على البحر في صباح يوم شتوي ومُشمِس لن يتكرر أبداً

كنتُ أرتدي قميصاً ازرق ، اعتزُ به. الطقس بارد ، لكن يديّ دافئتان ، وأشعر بالسعادة ، لأنني في أمان ، والديّ سعيدان ، لم يتشاجران

أبي يقول لأمي : إن هذا الفستان الجديد يليقُ بها. فتستغرب أمي.! لأن المجاملات التي ينطق بها أبي ، نادرة ، وغير لائقة. امي كانت ترى الأمر هكذا

وحدهم الأبناء البكور ، يدافعون عن أمهاتهم بسذاجة تجعل منهم اقوياء لا يُهزمون. وفجأة ، وبلا أي مبرر ، أسألهما متى يموتان

فيقولان لي دون غيظ ، وبثقة كبيرة : انهما لن يموتا أبداً
أصدِق كلامهما وأبتسم ، بينما انظر الى البحر النظيف

كانا يكذبان بطبيعة الحال
منذ تلك اللحظة ، بدأت آلآمي ، وأفراحي ايضاً

الشمس غابت
الحلم انتهى
لكنني لم استيقظ منذئذ

انتظرني لحظة يا أبي
ها انا قادمٌ إليك


امين تاكي | ناشط حقوقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق