كتّاب

امين تاكي | الرحلة الى اوروبا . الجزء

امين تاكي:

الرحلة الى اوروبا

. الجزء السادس والعشرين

إنني امضي في هذه الرحلة منذ عامين! لأن الذكريات تريد ان تنقش احداثاً عن كل البلدان التي اعبرها. ها انا ، بعد إثنان وثلاثون سنة ، أقِف في آخر مدينة حدودية تفصلني عن اوروبا. ابحث عن الضربة القاضية ، كحِصان هائج يخطط للقفزة الكبرى

انا هو امين تاكي. طباخ من الدرجة الرابعة ، وعازف موسيقى هاوٍ من الدرجة التاسعة. اضرب بأصابعي على الاورج في اوقات لاتخطر على بال. كي اخدع الاوهام التي تتبعني منذ سنين ، مثل كلب ريفي في الليل. لا يستسلم

انا المتحدث بإسم الحياة ، بلباقة اقرب الى السوقية. اكره الاماكن المرتفعة ، ولا اتردد بالحديث عن نفسي
إنه التفكير بالذات. ومقارنة ذواتنا مع ذوات الاخرين ، لكنه ينبع من التفكير بالذات

لقد تسطحت عقولنا في اليمن ، ونحن نفكر في لحظات الموت. اصبحت حياتنا فيها مؤقتة ، حيث هُتِك ماتبقى عندنا من كرامة ، وكل خطوة نخطوها في ذلك ، إن نحن إلا نُرسِخ عبوديتنا ، ونزعزع أسس الديموقراطية

انا عذريتي وشهوتي. انا آلامي ومشاكلي النفسية ، وليس هذا فقط. انا اغاني الحب الفرنسية ونوبات الفزع. الشالات الملونة وليالي الصيف ، انا النبيذ الابيض البارد في ارياف اسبانيا عند الغروب. القُبلات والتهاني : كيف حالك ، ياعزيزي ياعزيزتي ، يا اعزائي

الدردشات التي لاتنتهي : يالجمال ابنتك الصغيرة ، لقد اعجبني مظهرك الجديد ، وشكل لحيتك. لقد كبرتي ياشقية واصبحتِ شابة جميلة. يا إلهي! هل نوال تطلقت حقاً؟ هذا جنون! بل إنها كارثة. دردشات لاتنتهي

الحياة هي الغطس في الحياة ، مكان لايتنفس احدٌ فيه. العلاقات الاجتماعية تجعلك كائناً غير إجتماعي. اين سنخرج يوم الجمعة؟ نتناول وجبات كنتاكي ، ونُدخن شيشة. لا احد افضل منا. الحياة تقيم كل يوم حفلة كبرى! حفلة تنكُر إجتماعي
اعجبني حديثك في منشورك على فيسبوك يا لمياء ، حبيت حالتك على الواتس يا امل
الزيف ، ثم الزيف

من المتعب ان نخوض كل تلك العلاقات العابرة ، وشم تلك العطور ، وحضور المناسبات ، وتقديم التهاني والمغازلات ، والثرثرة

كل الفتيات يرغبن الظهور على انهن مجنونات او غريبات الاطوار. وخوض علاقات عاطفية مع الشباب ، قد لاتفضي الى الزواج بهن. صدقوني ، نحن في حاجة الى اطنان من الحشيش ، كي نواجه هذا القدر من السطحية

لكننا لانشتكي : الحمد لله
فهذا افضل من التسمُر امام التلفاز لمشاهدة مسلسل هندي في إحدى القرى الكئيبة التي اتحدر منها

فلنكن واضحين. منذ يومين ، كان عيد ميلادي الثاني والثلاثين. لم اكن اتخيل ان اقضي هذه المناسبة في منطقة حدودية صغيرة ، تستضيف مجموعة من المهاجرين واللصوص بشكل ديموقراطي ، وبسوء نية ، وعدم إكتراث. لكننا لاننتبه الى هذا. لانها تعيد الينا الثقة بقوتنا على التملص من المحتالين. لاوجود للمذنبين ، لانهم كُثُر
جميعهم مذنبون ، جميعهم نصابون ولصوص

في الماضي ، كنتُ نادراً ما اهتم بتاريخ ميلادي. لكنني في هذه المرة ، كنت قد تخيلتُ سنوات عمري القادمة بصورة دقيقة! رأيتني ذات مرة في ساحة اسبانيا ، شارداً امشي على غير هدى. واتذكر تلك الصور المريعة والمثيرة للشفقة ، لتلك البلاد العربية التي عشتُ فيها. ومن يدري لماذا اذكرها؟ ربما لأن النسيان يفشل ، كلما اصبح منهجاً معتمداً

على كل حال. حين وصلتُ الى هذا الغروب المستمر : أي عمري. شعرتُ ان حركتي ثقيلة بالمقارنة مع هذه الدنيا التي ارادت ان ادخلها. وهكذا قررتُ ان اشارك فيها كالمونولج ، واشرح حقائق الامور بعبارات كأنها افتتحاية كتابٍ ما

الرحلة الى اوروبا

ياله من اكتشاف. لم اكن اعرف ذلك

وبمناسبة إنقضاء رحلة الثاني والثلاثين من عمري ، عدتُ الى قراءة اجزاء الرحلة من البداية ، كانت احداث ومواقف مريعة ، لكنني الان ، امسك المشكلة بين يدي ، اقرأها ، اداعبها ، واقول : يالها من كارثة. وان كان مزاجي معتدلاً اصفها : بالمشيئة الإلهية. لكنني لم اكن استحق ذلك العناء. ياالله

وغالباً ما ترافقني المشكلة الى ان اربطها بحس الدعابة ، لأنها محظ إنطباع
كل شيء محض إنطباع
اليس كذلك ياحسوني؟

أجل يا عزيزي. أجل. سنخرج ، بملابسنا القذرة من تحت هذا النطاق البني ، اليمن! قلنا ذلك يوماً. لدينا مستقبل في مكان آخر. لكن بعد ان نُفلِت من تلك القيود السياحية. إن كان المستقبل يهمنا

سؤال مهم ، بلا جواب

هكذا اُقدِم لكم حسوني صالح . كنهر غزير ، وكنتُ انا الهث خلفه. يدهشكم ، يشعركم بأهميتكم وضرورة وجودكم واحقية نرجسيتكم وخطورة ذكائكم ، او طرافة بلاهتكم. حسوني يجعلكم تشعرون كما تشاؤون ، وهذه ميزة سطحية لحسوني. ومن المعروف ان الاشياء كلها سطحية ، ماعدى الابناء. هكذا قال لي

بهذه الميزات ، اقدم لكم صديقي العزيز. لايقول لكم ابداً انه مشغول. بل يصغي اليكم بصبر. اليس كذلك؟ يصغي إليكم دائماً. لديه ثقافة ملمة عن كل شيء ، لكنه يفقد الحدس ، وتغيرات المشهد

إبقوا جالسين ، لانه قرر ان يهديكم الجمال وموت الجمال ، الغضب والافكار ، الحاجة والانانية ، السعادة والاكاذيب ، النتانة والقتل ، الحب والخيانة ، اليمن ، والمواطن اليمني ، السماحة والثأر
بالمحصلة
الفرد المُعاصر

يُفسِر الحياة في اليمن على انها سيل متدفق من الفشل. وهذا مايجعلني اعجب به ، واحسده. ورغم هذا ، فإن حسوني لم يُجب على ذلك السؤال البسيط والمشروع حينما سألته : لماذا؟

وهل تعلمون لماذا سكت؟
لاتجرحوه ، لاتعتدوا عليه ، كفوا عن تصديع رأسه. حسوني رجُل ذكي وحساس. يأخذ كل وقته قبل ان يعطي إجابة ، ولو قصيرة. وهو الان يعاني

اكثر الناس تسيباً للخجل ، لديهم المٌ ما. وآلام البشر تشبه الفئران! تظهر في الصيف ، لأنها جائعة. جوع الحقيقة. لاتهمني حقائق الاخرين ، بل حقيقتي الملعونة نفسها. لكنني سأخبركم بحقيقة الاخرين ، رغم انني تعبت حتى الموت في البحث عن حقيقتي

كنت احب الجلوس معه ، كما نحب اول زيارة الى البحر. ثم احببنا الحشيش. وباقي ماتبقى من الاوقات بات غير مهم. إنني اعرف الكثير من الاسرار ، اعرف الكثير ، اعرف الاسرار. وانتم تعلمون انني لن ابوح بشيء. لكنني الان قد اغير مبدأي ، وابوح بكل ماعندي. حسوني العزيز خانني! لهذا انا مستاء ومتشنج. يا إلهي ، انا مصدوم

وبينما اقوم بالطبخ ، فجأة ينظر إليّ Abdalrhman ، كأُم ترمق الطبيب الذي انقذ حياة إبنها ، وينطق : هل تعرف حسوني؟ اجيبه : بالتأكيد. يصرخ في المطبخ ، كأنه يُبشر بالخلاص البشري ، هل تعرف حسوني؟ هل تعرف Shadi ؟ : اعرفهم بالطبع : اجيبه. يضحك ويشعر الان بأنه محاط بالاصدقاء ، لكنني وحدي

وها هو عبدالرحمن ، كأنه إكتشف كوكباُ جديداً قرب زُحل ، يُقشِر المفاهيم والمشاعر وذكرياته في مصر مع حسوني وشادي ، كأنه يقول : "انا احبكم جميعاً. يا اصدقائي. جميعنا عشنا في الشقة ذاتها ، وتحملنا عناء الحياة فيها"

وينطلق بغزارة :"مصر وشارع عشرين ، ابو زيد ، والدقي وطارق الدويري وحلى GOOGLE. ومطعم …. الأمة بذلك تفقد شهيتها لبليغ الكلام. وتستسلم ، لتصحر الإحساس

سنتحدث عنهم يا عبدالرحمن ، بالتأكيد. سنتحدث عن الاصدقاء ، في وقت السهرة. اقول. بينما نأخذ صورة سيلفي معاً ، واقوم بإرسالها الى حسوني وشادي ، وانظر الى التجاعيد بجوار عينّي. فأنطلق نحو الفكرة التالية بإنسيابية السلمون في التيار

هل تلاحظون إزدياد إقبال الفنانات والممثلات المتقدمات في السن ، على اطباء التجميل ، لرغبتهن في ترميم اجهزتهن التناسلية؟ لا اقصد غشاء البكارة ، فهذا لم يعد يشغل بال احد

يجرين عمليات معقدة ومكلفة وخطيرة ، ومع هذا لايجدن بداً من القيام بها. يالهن من فاجرات وعنيدات. يشبهن المربى الغليظة ، لكن اكساسهن حديثة الترميم. هذا هو هدفهن وغايتهن وسر حياتهن. ورغم هذا ، فإنني لا اُعمِم

لنعُد الى موقعي ، في آخر حدود عربية تفصلني عن اوروبا. استدير ، وانظر الى ماضي إثنان وثلاثون سنة ، كما لم انظر اليه من قبل. نظرة كما يضاء الدرب بسحر ساحر ، كما يلهو الطفل برش المياة ، هكذا انظر الى الماضي

كُنا شُباناً ، وكان شقاء الحياة يتهاوى على رؤوسنا بلا شفقة. الم يكُن إكتشافنا للأُلفة اهم من الحياة بحد ذاتها؟ اسألكم
هزوا رؤوسكم ووافقوني على كلامي

كم مرة تعرقنا ونحن نذرف الدموع على سنواتنا الماضية في عيد الميلاد؟ كم مرة خططنا لإنشاء عائلة ، ونفكر في المسؤولية كمضاد لجميع الامراض التي واجهتنا. المسؤولية هي الدواء العلمي الوحيد لمواجهة الفراغ المريع

المشاركة بكل تبايناتها داء ، لابد من الإصابة به. ان يشعر كل منا بيد الآخر تحنوا على كتفه. أين كنا؟ كنا نطوف على سطح اللحظة. لو شاء الله ان يُثبِت انفاسنا ويجعلنا كدلو البئر ، لما قضينا العمر في سعي مستمر لإختطاف اللحظة من يد القدر. اللحظة التي لا تعود الى الوراء ، لاننا افسدناها بالتجربة والمعرفة

تسكعنا كالصعاليك في ارجاء الشوارع ، بحثاً عن لحظات الحب. كم كان زماناً جميلاً ، حيث البساطة منهل ، والجهل خزان من المعارِف. وازهار الصيف التي تفطر قلوبنا. كنا نتشارك الحياة بكامل قدسيتها وحصارها

كان يعني ان نكسب السخرية ، وان نعجب بالسخرية التي تهرب من تحت البنطال والتنانير كالشياطين. كنا كاملين ، رغم انه لاوجود للكمال. والحب ، هو إستحالة ان يكون لحبيبك بديل. هذا هو الحب

اما في ايامنا هذه ، فلم يبقَ سوى اشباه رجال ، ينتظرون بفارغ الصبر ان تفتح المرأة فخذيها ، كي يمارسا الجنس في طقوس بدائية ، تفتقر الى الحب. يبدوا المشهد تافهاً ، لا إحساس فيه

ولهذا ، بوسعك ان ترتكب اي جريمة في حق اخيك الانسان. ولكن ، إياك ان تمس تفاهته. فحينها يتحول الى جاموس ثائر ، يهوى الإنتقام ، ويتوحش كضبع ، لايرفع رأسه إلا حين ينهش آخر عظمة من ظلك على تلك الساحة

فكرتُ في الماضي ، بدت لي رحلتي كغزوة خالدة على تلك الحياة عديمة التطلعات ، حياة لامعنى لوجودها ، ولم اكن قد تأثرتُ هكذا في اعياد الميلاد السابقة. ماذا اضيف؟ كم اشمئز من التفكير بالعودة الى خوض الحياة الرتيبة في اليمن ، بعد ان وصلتُ الى هُنا

لهذا السبب اراني لا اتردد ابداً في محاولات العبور ، لكنني كلما حاولتُ تجاوز الحدود ، انصدم ببطلان الحياة الحقيقية. يتم القبض عليّ ، وهذا اكثر ما يجعلني بائساً. إذ اشعر انني خرجتُ من الحياة التي احب ان اعيشها وان اموت فيها. تلك الحياة التي نراها في التلفاز. اما الحياة خارج الشاشة ، فهي أشبه بحادثة اغتصاب

ثم تأتي لحظة الإرهاق. يصوب Mohammed انظاره نحوي بإبتسامة براقة ، ويقول كأنه يدعوني للتآمر معه ، والتخطيط لفكرةٍ ما ، إنصرفنا على إثرها من امام البوابة الى المنزل ، قال : لايجب ان نتصرف بإحباط ، سنجتاز هذه المرحلة ، وسنتذكر هذه الايام ، جيداً

دخلتُ الى غرفتي ، واشعلتُ سيجارة حشيش ، إحتفاءً بيوم ميلادي ، طبعاُ. والتعاسة تستفيق بعد اعوام طويلة ، تنهض من قبرها الرخامي ، حيث دفنتها في سِن الثامنة والعشرين. لابد انها احد الاعراض الجانبية للتقدم في السن. والتقدم في السن ، ورطة كبرى

ادخن السيجارة ، بينما تغرورق عيني بالدموع. اقِف خلف الماضي كبرقية تعزية. اجل. لطالما كنا نغطس من على لوح حوض السباحة ، وندع العالم خلف ظهورنا غير آبهين. فكل غطسة ، ماهي إلا غارة مرتجلة وناجحة دوماً ضد قدسية الحياة

كان الرفاق يهتفون إثر غطسة خاطئة : علينا ان نقفز بهدوء. وهذا ينطبق على الغطس ، كما على اي شيء في الحياة

تهطل الدموع من عيني ، لانني فهمتُ الان فقط ماذا كنت ارغب طيلة حياتي
كنتُ ارغب ان اصبح عجوزاً ، وكنتُ قد اخطأتُ الغاية ، كما يحدث غالباً

كنتُ اظن انه يجب عليّ اللحاق بسِن الشباب ، مهما كان الثمن. فإذا برغبتي تتخذ المنحى المغاير. ولعل هذه ارضية كل تعاستنا

إن هي إلا غطسة في غمار سِن الثلاثين ، ونتقدم نحو الشيخوخة ، وندع العالم خلف ظهورنا
كما كنا نفعل
ونحن في مقتبل العمر


امين تاكي | ناشط حقوقي

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. تنبيه: kardinal stick
  2. تنبيه: ethereum wallets
  3. تنبيه: Smart Money: The Online Gambling Industry – The Next Best Investment Frontier?
  4. تنبيه: Fortune Games
  5. تنبيه: cybersecurity financial sector

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى