مفكرون

حافظ مطير | رحلتي في السجون المظلمة ( الجزء العاشر )

….
يضيء المؤذن مصابيح المسجد ويأذن الأذان الأول حتى ينتهي ثم يوقض جميع السجناء الذين يناموا في المسجد فيأمرهم برفع فرشهم وإن كان البعض يفترش بطانية له والبعض يفترش أرضية المسجد فيرفع الجميع فرشهم ويقوموا برصها في مؤخرة المسجد أو يخرجوها لرصها في حوش المسجد فيخرج جميع من في المسجد للبحث عن حمام للوضوء حتى يأذن للصلاة فيما المصلون يتوافدوا من جميع عنابر السجن للصلاة فيما أنا ابحث عن علبة او قارورة ثم اذهب للمساربة حتى أكمل تعبئتها ثم أذهب للحمامات التي تفيض بالقذارة فأسارب حتى يخرج من فيها فأتوضئ واخرج منها لألحق صلاة الفجر فأجد الإمام كاد أن يركع فأركع معهم الركعة الأولى ثم اصلي مع الإمام حتى سلم ثم أعد سجناء المسجد فرشهم وعاودوا النوم من جديد حتى الساعة الثامنة والنصف صباحا ليوم السبت الموافق 31 اغسطس 2019م فإذا بهم يدخلوا كيس مملوء بالكدم وعلب بلاستيكية ممتلؤة بالشاي فيقوم الشخص المكلف لتوزيعها من 2 كدم لكل سجين فأتفاجئ بإن حجم الواحدة منها صغير جداً ولا يتجاوز حجم حبة البيض الصغيرة ثم يقدموا يقوموا بتوزيع الفول قل فإذا به أشبه بالماء السائل فينهض البعض لتناول الفطور والبعض الأخر يغط في نومه.
فيما أنا اخرج من المسجد واحاول أتمشي في باحة السجن فأجده أشبه بسوق شعبي قديم فالبعض ينام على الأرض تلفحه الشمس والأخر نصب له خيمة صغيرة والبعض شدوا لهم بعض البطانيات كما تشد الخيام لتقيهم حر الشمس فيما أصحاب القضايا الكبيرة والإقامات الطويلة في السجن يقطنو داخل العنابر.
فأذهب إلى بائع البطاط والبيض واشتري منه حبتين بيض فهن الشيء الوحيد الذي قد اجده نظيف خالي من التلوث فرائحة النفايات قد أمتزجت برائحة طفح مجاري السجن كما أمتزجت بعرق السجناء فهناك قرابة 400 سجين يتغوطون في خمسة حمامات تعاني الأهمال وانعدام المياة فالإغتسال في السجن لا يناله إلا المحظوظين.
ثم أذهب إلى البقال فأشتري منه قارورة ماء كوثر سعة لتر ونصف فأشرب منها ثم أعود إلى فراشي فأتركها بجانبي فأذا بها تظل في لحظات فأسأل من حولي ( أين ذهبت القارورة الماء .؟ ) فيقترب مني احد السجناء ويقول ( في السجن هذا كون ممسكاً بكل شيء في يدك فلوسك مائك أحذيتك واي شيء فهنا من يسموها بالإصلاح والتأهيل هنا تدخل أول مرة محترم تخرج وأنت محترف بالإجرام فمن دخل السجن لأول مرة بسبب ديون عليه يرجع المرة القادمة بجريمة قتل أو سرقة. هنا بيت الجريمة الكبير فتجد القتلة والشواذ واللصوص والمحششين وتجار المخدرات… هنا يتم التأهيل لصناعة الإجرام والترويج للممنوعات برعاية مدير الأمن وإدارة السجن …. فما عليك إلا ان تنتبه وتكون حريص وحصيف ) ثم صمت وذهب.
يتم أيقاض كل من يناموا في المسجد في الساعة 11 قبل الظهر وترفع الفرش من أرضيته لترص في مؤخرة المسجد وفي الحوش مر الوقت حتى الساعة الحادية عشرة صباحاً فأخرج لحوش المسجد فأشاهد شخص ينادي من خارج حوش المسجد ( يا دكتور علي …يا دكتور علي ) فألتفت نحو الشخص الذي بينادي عليه فإذا بي أشاهد الدكتور علي الهتار فأقول ( هذا الدكتور علي الهتار احد أطباء الساحة مش معقول ) فينظر لي ويقبل لمصافحتي فاصافحة بحرارة وأقول له ( ما ذي جابك هنا ؟ ) فيقول لي ) ما ذي جابك هنا أنت ..؟ ) فأقول له ( بني هاشم في الشرعية بيتأمروا على كل من يقاوم الحوثي ومن هرب من الحوثيين في صنعاء التقفوه بني عمه هنا بإسم الشرعية ) فيحكي لي واقع قصته المحزنة والمؤلمة حيث إنه عمل هو وزوجته التي تعتبر دكتوراة وزميلته في المهنة الطبية خارج اليمن وبعد غياب فترة عن اليمن والترويج عن الإستثمار في مأرب قرروا العودة لزيارة اقاربهم في اليمن وبعدها انتقلوا إلى الجوف ومأرب للعمل ثم بعدها قرروا أن يساعدوا شقيق زوجته في إيجاد فرصة عمل له عندهم ثم قاموا بسحب ما قد كان جمعوه من غربتهم للإستثمار في مأرب بإنشاء مركز طبي وعندما أكتشف شقيق زوجته إن معهم رأس مأل وقرروا الإستثمار بقي عندهم حتى سافر الى الدكتور علي الهتار الى السعودية ثم قام بإختطاف شقيقته التي هي زوجة الدكتور علي وقام بضربها ونهب كل ممتلكاتهم واختطف شقيقته إلى صنعاء ومنعها من التواصل بزوجها وما أن وصل الدكتور علي من السعودية فيتفاجئ بإن اخو زوجته قد رفع عليه قضية اعتداء على زوجته وأدخله السجن وصاروا يجبروا اختهم على الطلاق منه فيما اودع الدكتور علي السجن ولا يجد من يخرجه من السجن.
فبينما كان يحكي لي قصته كنت أنظر له بإستغراب فأقول له ( من هم انسابك ومن أين هم .؟ ) فيقول ( من بيت بازل من زبيد ) فأنظر أليه بألم وإشفاق على ما حدث له وصرت أنظر لقضيتي بإنها اكثر هوان فيؤذن الظهر ويقف الجميع للصلاة ثم يتم أحضار وجبة الغداء فأجدها صحن به قليل رز وربع دجاج لعشرة الى 12 شخصاّ فأقول لهم ( هل هذا هو الغداء الذي يجبوه في السجن ) فيقولوا ( ما بيجيبوا لنا إلا هذا يوميا ولم يجيبوا شيء غيره ) فأنظر لمن حولي بإتستغراب وصرت أنتظر حتى يوزعوا الجوالات للسجناء في الساعة الثانية بعد الظهر فأخذ الجوال وأتصل بالبيت ليحضروا لنا الغداء فيصلنا الغداء الساعة التاسعة فأسمع منادي ينادي بإسمي فأخرج واتناوله خلف شبك البوابة ويلتف معي بعض السجناء الموجودين حتى ننتهي ثم اعود إلى المسجد وأنا انظر للسجناء فنصلي العصر ثم اخرج لاقعد في حوش السجن وتلفوني بيدا واحاول الاتصال ببعض الأصدقاء حتى الساعة الخامسة بعد العصر فأجد من قام بتوزيع الجوالات لنا لنتصل يأتي ليأخذها مننا ثم يذهب فيما نحن ذهبنا نبحث عن ماء لنتوضئ حتى يأذن المغرب ونكون جاهزين للصلاة فنصلي المغرب ونبقى حتى يظلم الليل فإذا بي اجد الدكتور علي يقبل نحوي ووجهه مكفهر فأقول له ( ما بك .؟ ) فيقول ( يا اخي محبطين لي ثمانية أشهر وانا في السجن ولم اجد حل وانسابي عند الحوثيين وحابسين لي عند الشرعية وأبني بدون بايضيع بدون دراسة ) ثم يتنهد فأقول له ( لا تشكي لي ولا أنا أبكي لك ) ثم ننتظر حتى يأذن العشاء فنصلي العشاء ونبقيي قليلاً فتنطفئ الكهرباء فنقعد في حوش المسجد نعانق ظلمة السجن وظلم السجان وسواد الليل البهيم الغارق في أجنحة الظلام.

رحلتي في السجون المظلمة ( الجزء العاشر )….يضيء المؤذن مصابيح المسجد ويأذن الأذان الأول حتى ينتهي ثم يوقض جميع…

Posted by ‎حافظ مطير‎ on Wednesday, November 6, 2019

حافظ مطير

كاتب وباحث وناشط سياسي يمني

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: buy psilocybin spores online
  2. تنبيه: Glo Extracts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى