مفكرون

علي البخيتي | لم يكلم الله أحداً؛ لا موسى ولا عيسى ولا بقية “الأنبياء” و “الرسل”

لم يكلم الله أحداً؛ لا موسى ولا عيسى ولا بقية “الأنبياء” و “الرسل”؛ عليهم السلام جميعاً؛ بمعنى الكلام واللغة التي تُعد اداة بشرية؛ فالأدوات البشرية لا تنطبق على الخالق العظيم؛ واللغات التي يتكلمون بها لا تسري عليه؛ فله أدواته الخاصة التي لا ندركها ولا نعلمها؛ والوحي من الإيحاء والإلهام وبعد النظر وإدراك نواميس الخلق والخالق؛ وليس النقل الحرفي؛ فالله أكبر من أن يكلم إنسان ويخوض معاركه اليومية ويشاركه صراعاته مع الآخرين وحتى احاديثه مع زوجاته وأصحابه؛ لأنه لو تدخل لصالح احد لنصره بلمح البصر دون الحاجة لكل تلك المعاناة؛ ولنصر أصحابه في كل مراحل حياتهم؛ ولما هم منذ ١٤٠٠ عام في حروب وفتن وصراعات؛ وفي ذيل قائمة الدول والأمم والحضارات.

والحديث عن ان الله تدخل ونصر بعض خلقه فيه اسائه له وتقليل من قدراته؛ وتنزيله الى مرتبة خلقه وصراعاتهم؛ وبالأخص ان الأنبياء والرسل تعرضوا لهزائم ونكسات كثيرة؛ بل صُلب بعضهم؛ وكون الله معهم ويحدث لهم ذلك يجعل الله قابل للهزيمة من خلقه؛ وكونه يحتاج لسنوات طويلة بل لقرون عديدة لنصرة الأنبياء وأفكارهم (أديانهم) وأتباعهم ذلك أيضاً تقليل من قدراته؛ وهو الذي خلق هذا الكون المتسع الذي عجز البشر بكل إمكاناتهم الحديثة عن إدراك نهاية له؛ واكتشفوا حقائق مرعبة عنه؛ فبعض المجرات تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية؛ وهذه الحقائق الجديدة تجعلنا ننظر لهذا الخالق العظيم بشكل مختلف وأكثر تقدير وإجلال عما كان ينظر له من سبقونا ممن كانوا على قيد الحياة قبل ألف أو ألفين عام؛ واعتقدوا ان الله يشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية.

وبالتالي الوحي هو موهبة والهام زرعه الله واختص به بعض البشر؛ ليكونوا مصلحين اجتماعيين في زمنهم؛ وبالأدوات الممكنة وقتها؛ وأعطاهم القدرة على كسر بعض القواعد والقيم التي كانت سائدة؛ وكل منهم حقق إنجازات بحسب قدراته الشخصية التي اوحى الله بها في روحه وجسده وجيناته وعقله؛ لذا انتشرت أديان (آراء ومعتقدات) بعضهم في بقاع الأرض وبقت الى اليوم؛ بينما انقرضت أديان وأخبار غالبيتهم؛ لأن الأمر كان مرتبط بقدراتهم الشخصية وما فيهم من ملكات غير متساوية خلقها الله فيهم؛ لا بتدخل مباشر منه جل جلاله في صراعاتهم وحروبهم ومشاكلهم؛ إنما هبة وقدرات وملكات أوجدها فيهم عندما خلقهم.

ولذا نلاحظ ان بعض ما ورد في كتب “الأنبياء” تعبير عن تأييد لهم ولأفكارهم ولأتباعهم؛ وأجاز قتالهم لغيرهم؛ ممن يختلفون معهم في العقيدة؛ بل وأباحت بعض تلك الكتب “التي قيل أنها كلام الله” (ككتب أتباع الديانة اليهودية والمسيحية) قتل الأغيار ( المدنيين من غير اتباع الديانة اليهودية مثلاً) وحتى الأطفال؛ والكثير من التفاصيل التي وردت فيها؛ والتي تثبت أنها كانت تعبر عن قناعات ذلك “النبي” او “الرسول” أو أتباعه؛ والذي يمكن ان نسميه بلغة اليوم (المصلح الاجتماعي)؛ ويستحيل انها كلام الله؛ ففيها تعصب واضح ضد ملل وعقائد وأقوام أخرى؛ وحاشى الله ان يتعصب مع أحد من خلقه ضد البقية؛ أو يبيح لقوم قتل قوم وسبي نسائهم وأطفالهم لمجرد خلافات عقائدية أو حتى صراعات سياسية؛ فالله لا يمكن أن يبرر لظلم أحد من المستضعفين كالنساء والأطفال ومن لا يشاركون في الرأي بسبب خطيئة غيرهم ممن يملكون سلطة اتخاذ القرار.

لا شك أن “الأنبياء” شخصيات عظيمة؛ نقلت البشرية من عصر عبادة الأوثان وتعدد الآلهة الى التوحيد؛ والإيمان بوجود خالق واحد لهذا الكون؛ وأسقطت الكثير من الخرافات والأساطير التي كانت تسيطر على عصر ما قبل التوحيد؛ لكن اتباع “الأنبياء” وبمجرد وفاتهم حرفوا حركاتهم الإصلاحية التي كانت تحمل بعض القيم الإيجابية مقارنة بعصرهم لتصب في مصالح شخصية وفئوية ضيقة؛ واخترعوا المذاهب والطوائف؛ وصنعوا خرافات جديدة عبدوها ونسوا الرسالة الأهم التي تركها المصلحون الكبار “الأنبياء” و “الرسل”؛ والذين لم يورثوا لأبنائهم ديناراً ولا درهماً؛ مما يؤكد الروح والموهبة الإلهية المتميزة التي اختصوا بها من الله وحملوها دوناً عن غيرهم حتى من أقرب أتباعهم؛ فيما من تبعوهم جعلوا من الدين وسيلة للسلطة والمال وكسر وإذلال الخصوم وتوريث للذرية؛ وصنعوا لذلك موروث ديني نسبوه زوراً الى “الأنبياء” و “الرسل”.

ومن هنا جاء أنبياء العصر “المصلحون الاجتماعيون الجدد”؛ الذين قادوا ثورة ضد الكهنوت الديني الذي صنعه الاحبار والرهبان ومشائخ الدين؛ وتسببوا في حروب أهلية وإبادات وجرائم جماعية مروعة راح ضحيتها ملايين البشر؛ وانطلقت شرارة تلك الجرائم من أجراس الكنائس والكُنس ومنابر ومآذن المساجد؛ وارسوا مبادئ حقوق الانسان الحديثة؛ الموجودة في مواثيق ومعاهدات حقوق الانسان الدولية؛ ونقلوا البشرية لعهد جديد؛ نظم الكثير من شؤون حياتهم؛ ورسخ مبادئ حقوق الإنسان في كل الظروف؛ وأسس لقوانين تنظم حتى حروبهم؛ راعى فيها احترام المدنيين وحتى الأسرى من المقاتلين؛ ومنع ان تطال الأضرار والعقوبات من لا دخل لهم في تلك الصراعات والحروب؛ فلا يحق لاحد استعبادهم ولا سبيهم ولا اغتصابهم ولا تحويلهم الى عبيد كما كان يحدث في الحروب القديمة على عهد المصلحون الاجتماعيون الأوائل؛ بل وجرم قتل الأسرى أو تعذيبهم؛ ومنحهم حقوق أفضل من حقوق المواطنين الأحرار في بعض الدول التي لم تتبنى بعد تلك المواثيق أو تبنتها لكنها لا تطبقها.

من كتب تلك القوانين وقواعد حقوق الانسان هم أنبياء العصر؛ فقط اختلفت أدواتهم؛ بحسب ما وصله المجتمع البشري من تطور؛ ولو كانوا ظهروا قبل الف او ألفين عام لأطلق عليهم أتباعهم صفة النبوة والرسالة؛ بحسب ثقافة ذلك العصر؛ فكل من كان لديه موهبة وقدرات على إقناع الآخرين وصوغ عبارات قوية والتأثير عليهم كانوا يعدونهم أنبياء ورسل دون ان يدركوا ان تلك مواهب من الله فقط؛ لكنه لا يتواصل معهم بشكلٍ مباشر ولا يتدخل في معاركهم وصراعاتهم وأحاديثهم ومشاكلهم اليومية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: 悅刻煙彈
  2. تنبيه: Do you know how to take cbd for better sleep? What dosage will I need? - Forum - CFGFactory

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى