في تحول جذري يعيد صياغة المشهد المالي في المنطقة، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوة تاريخية مطلع فبراير 2026 بفتح سوق الأسهم “تداول” بالكامل أمام كافة فئات المستثمرين الأجانب. هيئة السوق المالية ألغت رسمياً نظام المستثمر الأجنبي المؤهل، والذي كان يضع قيوداً صارمة ويشترط امتلاك أصول تدار بنحو 500 مليون دولار كحد أدنى. اليوم، أصبحت الأبواب مشرعة للاستثمار المباشر في السوق الرئيسية دون تعقيدات أو اشتراطات خاصة تعرقل صغار المستثمرين والمؤسسات.
هذا القرار أعطى دفعة قوية للمعنويات في قاعات التداول. قفز مؤشر تداول العام بنسبة وصلت إلى 2.5% في التعاملات المبكرة يوم 1 فبراير، قبل أن تستقر المكاسب لاحقاً. التحرك يتماشى تماماً مع طموحات رؤية 2030 الرامية لتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وتحويل المملكة لمركز مالي إقليمي جاذب للسيولة الدولية.
تجاوز التحديات وتعديل سقف الملكية
تأتي هذه التحركات في توقيت دقيق للغاية. الاقتصاد السعودي واجه بعض الرياح المعاكسة خلال عام 2025 متأثراً بتراجع أسعار النفط، وانخفاض الإنفاق الحكومي، وحالة من الترقب أحاطت بالمشاريع العملاقة مثل “نيوم”. هذه العوامل دفعت بعض مديري الصناديق الدولية للتريث وتجميد ضخ استثمارات جديدة في الأسهم السعودية أواخر العام الماضي، بحثاً عن أسواق ذات عوائد أعلى. ومع ذلك، حافظت الاستثمارات الأجنبية على زخمها مسجلة أكثر من 590 مليار ريال بنهاية الربع الثالث من 2025، منها 519 ملياراً في السوق الرئيسية، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بنحو 498 مليار ريال في نهاية 2024.
السوق يعتمد بشكل كبير على الاكتتابات العامة النشطة، مدفوعاً بإدراجات ضخمة من عملاق النفط أرامكو وصندوق الاستثمارات العامة. استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية يبقى العصب الأساسي لدعم مشاريع البنية التحتية وبرامج الخصخصة المستقبلية.
وبينما يبدو التأثير الفوري لفتح السوق بالكامل هادئاً إلى حد ما، نظراً لوجود الصناديق الكبرى مسبقاً عبر آليات مؤشرات الأسواق الناشئة منذ 2019، تبرز الأهمية الحقيقية للمؤسسات الأصغر والمكاتب العائلية التي تخلصت من العقبات الإدارية. القيود الحالية ما زالت تحد من ملكية الأجانب بـ 10% في الشركة الواحدة و49% كحد أقصى للملكية الإجمالية، باستثناء المستثمرين الاستراتيجيين. عبد العزيز عبد المحسن بن حسن، عضو مجلس إدارة هيئة السوق المالية، أوضح أن سقف الـ 49% يخضع لمراجعة فعلية، ومن المحتمل جداً رفعه أو إلغاؤه كلياً أو تدريجياً هذا العام. خطوة كهذه تمثل تغييراً حقيقياً لقواعد اللعبة الاستثمارية.
شراكات استراتيجية وهيكلة داخلية للشركات
الاستعداد لاستقبال هذه التدفقات الاستثمارية يتطلب بنية تحتية قوية تواكب الحدث المتوقع. وضمن هذا السياق، وقعت شركة المعمر لأنظمة المعلومات عقداً حيوياً مع مجموعة تداول السعودية القابضة، في خطوة من شأنها تعزيز الكفاءة التشغيلية والتقنية للسوق المالي ليتحمل الزخم القادم.
بالتوازي مع هذه التحولات الكبرى، تعمل الشركات المدرجة على إعادة ترتيب أوراقها الداخلية لتتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة. التطورات الأخيرة في شركة المشروعات السياحية “شمس” تعكس هذا التوجه بوضوح تام. الجمعية العامة غير العادية للشركة أقرت في اجتماعها يوم الخميس 16 أكتوبر تعديلاً جذرياً على القيمة الاسمية للسهم لتصبح 10 ريالات بدلاً من نصف ريال فقط قبل التعديل.
هذا التعديل سيقلص عدد أسهم الشركة إلى حوالي 57.823 مليون سهم، هبوطاً من نحو 1.156 مليار سهم، دون أي مساس بإجمالي رأس مال الشركة الفعلي. التعديل يعتبر نافذاً ومطبقاً على جميع مساهمي “شمس” المالكين للأسهم يوم انعقاد الجمعية، والمقيدين في سجلات شركة مركز إيداع الأوراق المالية بنهاية ثاني يوم تداول. تأثير هذا القرار التقني على السعر السوقي للسهم بدأ تطبيقه فوراً في يوم العمل التالي للجمعية، في حين يتم تحديث الأرقام الجديدة لعدد الأسهم فعلياً في محافظ المساهمين بنهاية اليوم الثاني للتداول.