على الجانب الغربي من مدينة كليفلاند الأمريكية، وتحديداً في شارع 130، لا يبدو أن انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية قد يمنع عشاق الطعام من ممارسة طقوسهم المفضلة. ففي مشهد يجسد الوفاء الغريب لـ”أكل الشارع”، يقف العشرات في طوابير طويلة أمام عربة “جليزيز” الشهيرة للنقانق، متحدين طقساً يشعرك وكأن الحرارة انخفضت لما دون الصفر، ليثبتوا أن حب هذه الشطائر أقوى من لسعات البرد القارس.
تحديات العمل في الصقيع
رودي كوفاك، صاحب العربة الذي أصبح رمزاً للمثابرة في المنطقة، يواجه تحديات لوجستية لا يستهان بها للحفاظ على سير العمل؛ فالمسألة تتجاوز مجرد الوقوف في البرد، بل تصل إلى حد تجمد المواد المخزنة. لقد كانت صدمة الواقع قاسية يوم الأربعاء الماضي عندما تجمدت زجاجات المياه المخصصة للزبائن وتحولت إلى كتل صلبة، في دلالة واضحة على قسوة المناخ. ومع ذلك، يؤكد كوفاك أن العمل يسير بشكل مفاجئ وقوي، مما يضطره لاتخاذ احتياطات صارمة كارتداء القفازات وتغطية الجلد المكشوف لتجنب “قضمة الصقيع” التي قد تحدث في دقائق معدودة، مؤكداً بلهجة الواثق: “سنبقى في الخارج حتى نحصل على مطعمنا”، آملاً أن يكون هذا الشتاء هو الأخير له في العراء قبل تحقيق حلمه بافتتاح مطعم ثابت.
سر الاسم المثير للجدل
هذا الشغف الكبير الذي يدفع الناس للوقوف في العاصفة الثلجية من أجل “ساندوتش”، يعيدنا إلى أصل الحكاية والاسم الغريب الذي يطلق على هذه الوجبة: “هوت دوغ”. تاريخياً، وبحسب ما تتناقله المصادر، يعود الفضل في ظهور هذا النوع من النقانق إلى المهاجرين الألمان الذين حطوا رحالهم في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. ولكن، لماذا “الكلب الساخن”؟
تتعدد الروايات حول هذا الاسم الذي قد يبدو “مقززاً” للبعض؛ إحدى أشهر هذه الروايات تربط التسمية بشكل النقانق الممتلئ والطويل الذي يشبه إلى حد كبير كلاب “داشاند” الألمانية ذات الأرجل القصيرة. وفي السياق ذاته، ظهرت شائعات قديمة – لا تحظى بتأييد يذكر حالياً – زعمت أن الباعة في ألمانيا كانوا يستخدمون لحوم الكلاب فعلياً في التحضير، وهو ما عزز الاسم في المخيلة الشعبية لفترة.
الرسام الذي خلد الاسم
لعل القصة الأكثر طرافة وشيوعاً تعود لعام 1900 تقريباً، عندما حضر رسام كاريكاتير أمريكي مباراة للبيسبول، وسمع باعة الطعام يصيحون لترويج بضاعتهم: “تناولوا كلاب (داكس هوند) الساخنة”. ولأن الرسام لم يكن يعرف طريقة كتابة كلمة “داكس هوند” الألمانية بشكل صحيح، أو ربما نسيها، قرر اختصار الأمر في منشوره الإعلاني وكتب ببساطة “هوت دوغ” أو “الكلب الساخن”.
ومنذ ذلك الحين، استمر الاسم وتداولته الأجيال حتى وصل إلينا بشكله الحالي. وسواء كان الزبائن يقفون مرتجفين في شتاء كليفلاند القاسي أمام عربة كوفاك، أو يستمتعون بوجبتهم في ملعب بيسبول مشمس، يبدو أن الغالبية العظمى تكتفي بالاستمتاع بالطعم الشهي، غير عابئة بالبحث وراء أصل التسمية أو غرابتها.