كتّاب

وجه طه حسين:…


وجه طه حسين:
فى مهابة الجلال تكفيك لمحة: (2 من 3):
الرجل والموقف والمبادئ:
فقد طه حسين بصره وهو بين الثانية والرابعة من العمر، فمن الطبيعى أن يكون الكلام الذى يسمعه، الكلام فقط هو الوسيلة الوحيدة للتعرف على العالم، ومعرفة الناس والأشياء والأفكار، فنجده منذ الطفوة الباكرة يضع لنفسه منهجا – أو مفتاح شخصية كما يسميه العقاد – يقوم على:
– التمييز بين: الصدق والكذب من هذا الكلام، والمنطقى والخرافى، والواقعى الموضوعى والأجوف الفارغ.
– أن يعلن رأيه فيما سمع بوضوح وجرأة وشجاعة نادرة سواء كان فى مواجهة حكام أو محكومين، أفراد أو جماعات، متنفذين أو على باب الله
– انحياز صريح وواضح وبلا مواربة منذ الطفولة حتى نهاية حياته للعلم والعقل والعدل والحرية
ومن هنا فهو يعلن وهو دون العاشرة أن شيخ الكتاب كاذب، واقسم كاذبا حين حلف لأبيه “بالطلاق ثلاثة” أنه ختم مع طه القرآن هذا الشهر وهو لم يفعل.
ويستنكر وهو فى نفس السن، أن يتسابق الصوفيين إلى ماء وضوء شيخهم لينهلوا منه
ويقول لأبيه بعد عامه الأول فى الأزهر: أن ماتقرأه فى دلائل الخيرات عبث ولغو ويضر أكثر مما ينفع ويعلن هذا للناس فى القرية.
ويقول رأية فى كلام معلميه الشيوخ فى حلقات الأزهر وفى شروحهم واستنتاجاتهم، مما يؤدى إلى طرده من بعضها ورفع النعال فى وجهه فى بعضها الآخر، ويهاجم فى الصحف الشيخ الأكبر شيخ الأزهر”سليم البشرى” لحضوره اجتماعا فى “فندق سافواى” حيث يحتسى الناس كؤوس الخمر من حوله، فيسقطه الشيخ فى امتحان العالمية
– وفى الجامعة الأهلية حيث تسود حرية الرأى والتعبير يبرز ويًعرف طه حسين، فيقابله الأمير أحمد فؤاد رئيس الجامعة، ويأخذ بجبته وقفطانه قائلا: طه حسين ألا تعلم أن هناك مؤتمرا للعميان وعليك أن تلقى فيه خطبة، فيرد طه حسين: ما أنا وذاك .. لن ألقى شيئا، ويدفع يده من على جبته فى عنف، وعندما يلحقه زملاؤه مستنكرين: كيف تخاطب الأمير فؤاد هكذا؟ لم يزد على أن يقول: رجل فظ، ويمضى فى طريقه
– وفى سنة 1919 يلقى سعد زغلول أثناء حضوره مؤتمر الصلح فى باريس،وعندما يرى سعد يائسا من تحقيق شئ لقضية الاستقلال فى مؤتمر الصلح، يقول له طه حسين: تحصل مصر على استقلالها عندما يمتلك الشعب السلاح
– وفى سنة 1926 يصدر كتابه الخطير “فى الشعر الجاهلى” الذى أثارالدنيا وسعى فيه إلى التمييز والفصل بين الدين والعلم، ويعتبر أن الشعر الجاهلى كله ليس من الجاهلية فى شئ وإنما هو شعر إسلامى، وورد فى الكتاب عبارات أثارت المتزمتين، فتقدم شيخ الأزهر “الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوى” ببلاغ للنائب العام يتهم فيه طه حسين بالطعن على القرآن وهدم الدين، وقام رئيس نيابة مصر العظيم “محمد كامل نور” بالتحقيق مع الرجل فلم يجفل ولم يتراجع وإنما راح يؤكد أنه يدرس الأدب كما تسعى العلوم الحديثة للبحث فى العلوم الإنسانية متجردين من العواطف الدينية والقومية، وان ما أثار الناس من عبارات هى مجرد استنتاجات علمية اقتضتها ضرورات البحث العلمى، وبعد بحث ودراسة أكد النائب العام أنتفاء الغرض الجنائى من الكتاب، وحفظ التحقيق مع الرجل، وأعاد طه حسين كتابة كتابة بعد أن حذف منه العبارات المثيرة واسماه “فى الأدب الجاهلى” وراح الرجل يواصل معاركه.. يذكرنى هذا بتراجع أستاذين كبيرين: أولهما منصور فهمى الذى قدم للسوربون رسالته للدكتوراة سنة 1913بعنوان “المرأة فى صدر الإسلام” أثارت الرجعيين أيضا فرفض الإعتراف بها ومنع الرجل من التدريس بالجامعة ولم يعد للتدريس إلا بعد ثورة 1919، فعاد ولم يتمسك بأفكاره ولم يدافع عنها وانما آثر السلامة، وأكل مسيرته فى الأستاذية بدون أن يعكر صفو حياته، أما الآخر فهو الشيخ على عبد الرازق، الذى أصدر سنة 1925 كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذى يثبت فيه أن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وانما هى مجرد نظام سياسى ابتكره المسلمون بحكم الضرورة السياسية والحياتية، وإن ماقام به الخلفاء من سياسات ومعارك ليس لها سند من الدين وإنماهو الحرص على السلطة والنفوذ، وثارت ثائرة الأزهر والناس أيضا وقدم للمحاكمة الأزهرية فخلع من جماعة كبار العلماء وجرد من شهادته العالمية، فلم يدافع عن أفكاره ولم يرد على منتقديه وآثر الرجل السلامة أيضا حتى تولى وزارة الأوقاف فى آخر الأربعينيات
– وفى سنة 1928، يستقبل طه حسين ببيته بمصر الجديدة بعض الفتيات وفيهن “سهير القلماوى” وقد حصلن على البكالوريا ويرغبن فى دخول الجامعة المصرية فى حدث هو الأول من نوعه فى مصر، فيوافق طه حسين ويشجعهن ويهاتف، لطفى السيد رئيس الجامعة فيوافق أيضا ويسأله عن المبرر القانونى فيرد أن لائحة الجامعه تقول أنها “للمصريين” والمصريين هنا اسم جنس يشمل المصريين من الذكور والإناث، ويعانى طه حسين من صداع يستمر سنوات بسبب دخول الفتيات للجامعة وتدبج ضده المقالات وعليها صور الفتيات “سافرات يرتدين الزى الأفرنجى” والفتيات والفتيان يجلسون معا فى مدرجات الجامعة وحدائقها تشجيعا للفجور واستجوابات فى البرلمان مصحوبة بصور لطه حين مع الفتيات الكاسيات العاريات.
– وفى سنة 1932، وفى ظل ديكتاتورية اسماعيل صدقى التى ألغى فيها دستور الشعب 1923، أرسل صدقى لعميد آلآداب طه حسين اسماء أربعة من كبار المصريين على رأسهم عبد العزيز بك فهمى، طالبا منه أن يمنحهم باسم كلية الآداب درجة الدكتوراة الفخرية، فيرد عليه بأن: كلية الآداب لا تمنح الدكتوراة إلا فى ضوء الاعتبارات التى تراها هى، وعلى صدقى باشا أن يبحث لرجاله عن كلية أخرى تمنحهم الدكتوراة الفخرية، فيقوم صدقى بنقل طه حسين موظفا فى وزاة المعاف، فيضطر لطفى السيد العظيم للاستقالة يوم 9 مارس احتجاجا على تدخل صدقى فى أمر الجامعة، ويتخذ أساتذة الجامعة من هذا اليوم غيدا لاستقلال الجامعة، ويرفض طه حسين استلام العمل فى وزارة المعارف، فيفصل وينقطع راتبه ويضطر للاقتراض، لينفق على بيته، وفى سنة 1934، يرسل إليه الدكتور سليم حسن عالم المصريات الكبير رسالة من ألمانيا يقول له: أنه قد حصل على الدكتوراة ويستعد للعودة لمصر ويحتاج نفقات كبيرة، ويرجوه أن يدبر له مبلغ “ثلاثمائة وخمسين جنيها” اقترضها منه إبان ازمته مع صدقى باشا ..
– وفى سنة 1937، يصدر كتابة “مستقبل الثقافة” الذى يدعو فيه لمجانية التعليم كله من اول السلم التعليمى حتى نهايته، وإذا كان الأثرياء يشترون حقهم فى السلم وعدم الدفاع عن الوطن “بالبدلية”.. فكيف يحرم الفقراء من حقهم فى التعليم وهو الحق فى الحياة
– وفى سنة 1944، وعندما كان يعمل مراقبا للثقافة فى وزارة المعارف الوفدية يقرر توحيد التعليم الأولى مع التعليم الابتدائى الذى جعله مجانيا.
– وفى سنة 1947، يثير وباء الكوليرا وشقاء الفقراء به ذكرياته الحزينة لوباء 1902 الذى مات فيه اخيه طالب الطب الذى لم ينسه أبدا، فيكتب فى الصحف والدوريات مقالات غاضبة يصلى فيها الحكومة والنظام الطبقى فى مصر نارا حامية، ويجمع مقالاته فى كتاب “المعذبون فى الأرض” فترفض الحكومة طباعته فى مصر فيطبع فى بيروت ويأت إلينا مهربا
– وفى وزارة الوفد الأخيرة (1950-1952) يطلب منه مصطفى النحاس باشا مزاملته فى الوزارة وزيرا للمعارف، فيوافق طه حسين بشرط أن يكون أو قراراته “مجانية التعليم الثانوى” فيوافق النحاس.
– هذا هو طه حسين الذى قال عن نفسه ماقاله تليماك أحد أبطال الأساطير اليونانية”
– “إننى لا أسلك الطرق المطروقة، ولا أشرب من الحوض المباح، وأعاف ماتبتذله الدهماء”
– يسعد أوقاتكم

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى