قضايا المرأة

وبات القائد ليلته مطمئنا إلى أنه سيستأصل هذا الداء حتى لا…


وبات القائد ليلته مطمئنا إلى أنه سيستأصل هذا الداء حتى لا تنهار عظمة روما ومجدها. وأخذ يناجي نفسه.

إن النظام أجمل شيء في الحياة، بل هو سر هذه الحياة، من حسن حظي أني رب هذا النظام وليس عبدا له، وهو الذي يجعلني أتحكم في الرجال ولم يجعلهم يتحكمون فيّ، وكان يصح أن أكون أنا ضحيته. إن النظام هو القوة التي تقهر أكبر الرجال إن كانوا تخت أمره. وترفع أصغر الرجال إن كانوا على رأسه، وقد يسلب العدد من الرجال حياتهم وهم له خاضعون، وهو مع ذلك شيء غامض لا يقوم إلا على أساس ضعيف من الخوف. ومن السهل أن ينهار، ولكنه حين ينهار يقوم على أنقاضه نظام آخر يتحكم في الناس تحكم النظام الأول. والناس مهما يكن مبلغهم من المدينة يفعلون ما تفعله القبائل البدوية بآلهتها، يعبدون حيوانا بعينه، يخشونه وترتعد فرائصهم لذكره، ويقدمون له القربان والضحايا، ثم يعدون له حفلا صاخبا يذبحونه فيه ويأكلونه، ثم يعبدون حيوانا غيره يفعلون به وله ما فعلوا بالأول.

وقد يفعل الجنود بي وبأقراني مثل هذا. فهم يخشون بأسي ويرهبونني ما دمت أمثل النظام. ومن السهل عليهم إذا شاءوا- أن يقتلونا ويذبحونا في ثورة صاخبة، ظنا منهم أنهم بذلك يتخلصون من النظام حين يتخلصون من ممثليه، ولكنهم بالطبع لا يلبثون إلا قليلا ثم يقوم فيهم حكام غيرنا يسيرون فيهم سيرتنا ويظلمونهم كما نظلمهم، ويعسف بهم النظام الجديد عسفا لا يقل عن ما عهدوه منا، ولكنهم لا يقدرون هذا عند ما ينتقمون منا، وهم لا يعلمون أننا فريسة النظام لا مدبروه، وأين لهم أن يعلموا أن وخلاصهم منا لا يعني خلاصهم من النظام، وأن الذي يظلمهم إنما هو النظام لا ممثلوه وأنه ليس لهم منه فكاك.

إني في حيرة لا أدري ما أفعل بالناس.

كنت أود أن أعاملهم بالعدل والرأفة أملا في أن يدوم حكم النظام. ولكن الرحمة والقسوة كلتاهما لا ينقذ النظام من ثورة الناس عليه. فالرحمة تغريهم به وبأهله فينقضون عليه بعد وقت قصير ويقع ذلك في عهدي وأكون أنا أول الضحايا أما القسوة فإنها تؤخر انتقاض الناس على النظام، وقد طال عهد قومي به حتى كادوا يثورون عليه. لذلك أراني في حاجة إلى تأخير انتقاضهم عليه إلى ما بعد عهدي، وذلك لا يكون إلا بمزيد من الإرهاب. إن الإرهاب يؤخر ثورة الناس على النظام وإن كان يجعلها أمرا محتوما.

إني لا أجد من ذلك كله مخرجا. وليس لي إلا أن أدع النظام يحمي نفسه بوسائله وخير وسائل حمايته القمع والعنف. ذلك لا يمنع الثورة عليه ولكنه يؤخرها إلى ما بعد عهدي فيجني شر عملي من يأتي بعدي حين أكون نجوت. أما الرحمة والعدل فإنها تضعف من النظام وتقضي عليه في أسرع وقت بل تقضي على ما هو أهم منه وهو مبدأ الرعب الذي لا يقوم بدونه نظام.

#محمد_كامل_حسين

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

آيات عبد الدايم (AyAt Hassan)

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى