مفكرون

هذا مقال كتبته فى صحيفة الأهرام أتمنوا ان يقرأه اصدقائى…


هذا مقال كتبته فى صحيفة الأهرام أتمنوا ان يقرأه اصدقائى بعيون جديدة اليوم.. وشكرا

اصمدوا .. يا أقباط مصر

شريف الشوباشى

هل من المنطقى أن نطلب من مشعل الحريق تولى مسئولية إطفائه؟ هل من المنطقى أن نوكل بمهمة تهدئة الأزمة الطائفية الحالية إلى من ساهموا بالقسط الأكبر فى تهييج المشاعر وإثارة الفتن وتأليب الناس على الأقباط بحجج مختلفة؟
تلك هى السياسة الخاطئة التى نتبعها الآن والتى تسببت خلال الأربعين عاما الماضية فى إشعال نار الفتنة وتأجيج جذوتها بترك الساحة لمن يطلقون الخطب النارية ويستثيرون الغرائز ويطرحون الحجج التى ظاهرها الرحمة والتقوى والإيمان وباطنها الفرقة والكراهية والفرز الطائفى وهى حجج لا علاقة لها بصحيح الإسلام.
لن تكفى دموع التماسيح لنزع فتيل المحنة التى نعانى منها الآن. لن تكفى الكلمات المعسولة عن المحبة بين المسلمين والأقباط.. لن تكفى التهديدات بالضرب بيد من حديد. علينا أولا أن نحدد المسئوليات ونكشف بشجاعة أسباب الفتنة وخلفياتها التى تعود إلى أربعين سنة مضت عندما سلكت السلطة طريق استخدام الدين لإغراض سياسية.
وعندما حدث تلاحم تلقائى بين المسلمين والأقباط فى ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير تصور الكثيرون أن الفتنة قد ولت إلى غير رجعة. لكن ها هى ذى تطل برأسها من جديد بل بعنف أشد وجرأة لم تكن موجودة بهذا القدر.
وأعلم أن بعض غلاة الأقباط يدعون أنهم أحق من المسلمين بالعيش فى مصر وأنهم أصل البلاد وأصحابها الحقيقيين وهؤلاء لا يقلون خطورة عن دعاة التطرف الذين يتخذون من الإسلام ستارا لدعاويهم الباطلة. وأعلم أن هناك قوى خارجية تنظر بعين الرضا إلى نار الفتنة التى اندلعت بل وتشجعها ويدعو البعض إلى “تدويل” المسألة القبطية وهو أمر مرفوض شكلا وموضوعا.
لكن المأساة أنه ترعرعت فى العقود الماضية روح التناقض والتضارب والمنافسة على أساس الدين، فى حين أن المسلمين والأقباط لهم نفس الحقوق والواجبات ومن مصلحتهم جميعا أن يعيشوا فى وئام وسلام وتناغم ولن تستقر مصر طالما أن الفتنة الطائفية كامنة فى داخل الصدور.
ودرجة الغليان القصوى التى وصل إليها الشارع المصرى هى نتيجة متوقعة ولا أقول طبيعية لثورة 25 يناير التى حررت طاقات ظلت مكبوتة فى الصدور وفجرت الغرائز الأساسية التى عمل نظام الحكم السابق على تغذيتها وتشجيعها. ومن واجبنا الآن أن نمسك سويا بخراطيم المياه من أجل إطفاء الحريق.
لكن ما يحدث هو العكس. وقد شاهدت العجب على اليوتيوب فى الأيام الماضية. رجال معظهم ملتحون يحرضون على القتل والتدمير وقد وقف أحدهم فى الطريق العام وتجمع حوله الناس وأخذ يسب الأقباط وزعيمهم الروحى ثم أنهى حديثه المريض قائلا: “لا نكون رجالا إن لم نحرق الكنائس اللى فى امبابة”.
هذا الكلام الخطير موجود على شبكة اليوتيوب ويتداوله الناس على فيسبوك والإنترنت أى أن أكثر من 18 مليون مصرى قادرون على متابعته فكيف تسمح الدولة بهذا؟ ألا يقع من يتفوه بمثل هذا الكلام تحت طائلة القانون حتى وإن لم يقم بوضع تهديداته موضع التنفيذ؟
والتيار السلفى الذى ظهر بقوة على السطح بعد الثورة هو نتاج رهان خاطىء من السلطة السابقة. فقد كان تحليل أجهزة الأمن أن الإخوان المسلمين لديهم أطماع سياسية وبالتالى فلا بد من إغراقهم بسيل من الجماعات السلفية التى تنكب على إقامة الشعائر لكنها تعزف عن الخوض فى السياسية وفى أمور الدنيا. ارادوا أن يكون هناك تيارات دينية متعددة يمكن استغلالها لتحقيق مصالح السلطة بإضعاف تنظيم الإخوان المسلمين ووضعه فى موقف دفاعى وتصوروا أن دروشة المجتمع سوف تؤدى إلى ابتعاد الناس عن السياسة وتساعدهم على الدوام فى الحكم. ومن منطلق هذه الرؤية رأينا دعاة التطرف والغلو يحتلون المساحة الأكبر من الإعلام خلال الثلاثين عاما الماضية ولم يتغير الأمر كثيرا منذ ثورة 25 يناير.
وقد انتهجت إسرائيل سياسة مشابهة حين شجعت وسلحت التيار الإسلامى الفلسطينى الذى تمثل فى حركة حماس من أجل ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وإثارة الفرقة فى صفوف الشعب الفلسطينى ونجحت إسرائيل فى مخططها الشيطانى. وعندما صارت حماس تشكل تهديدا عليها أصبحت إسرائيل تتذرع بها للإحجام عن السير قدما فى طريق السلام.
ولنعد إلى مصر. فقد كانت نتيجة السياسة التى اتبعها النظام السابق أنه أصبح لدينا تيار سلفى جارف وجماعات إسلامية من شتى المشارب بالإضافة إلى الإخوان المسلمين وكل هؤلاء قد يختلفون فى الرؤى والمواقف وقد يختلفون فى أساليب العمل العام لكنهم جميعا رافضون لفكرة الدولة المدنية غير الدينية حتى وإن قالوا عكس ذلك.
فالتيار الدينى فى مصر لم يتميز بعد بفضائل الشجاعة وبعد النظر التى أظهرها التيار الدينى فى تركيا ولم يقدم على المراجعة السياسية التى قام بها التكتل الإسلامى هناك والذى نجح فى الوصول إلى السلطة والقبول بكافة قواعد الديمقراطية واستطاع أن يحقق إنجازات سياسية وتنموية ملموسة فى تركيا دون أن يفرض مفهومه الخاص عن الدين بالقوة على الشعب التركى.
ولى كثير من الأصدقاء الأقباط يفكرون الآن جديا فى الهجرة خوفا على أنفسهم. وغالبية الدول الغربية على استعداد لاستقبالهم فى هذه الظروف وسوف تمنحهم التأشيرات وتقوم بتسهيل مهمة انخراطهم فى المجتمع وإيجاد العمل المناسب لهم.
ولى صديق قبطى تعدى الثمانين من العمر نتراسل على البريد الإلكترونى منذ فترة وقد بعث إلىّ برسالة مؤثرة يقول إن ابنته التى هاجرت إلى الولايات المتحدة منذ سنوات اتصلت به منذ أيام وهى تبكى وتتوسل إليه أن يصفى ما لديه فى مصر لينضم إليها فى المهجر.
وأقول لأقباط مصر: اصمدوا.. لا تفكروا فى ترك بلادكم.. فالمحنة التى تتعرضون لها ليست محنتكم وحدكم إنما هى محنة المجتمع المصرى بأكمله وهى نتيجة مرحلة انتقالية ستمر منها مصر بسلام. وهدف دعاة التطرف والانغلاق هو تحديدا تصفية مصر من الأقباط وجعلها بلادا مسلمة لا يتواجد بها أى “كافر” فلا تشاركوا طواعية فى تنفيذ المخطط الذى يستهدف إنشاء مجتمع سلفى يرفض الاعتراف بالتطور ويسعى إلى تجميد الزمن. وهناك نكتة متدوالة فى هذه الأيام لها دلالة عميقة تقول إنه فى الزمن الجميل كان هناك فيلم بعنوان “حسن ومرقص وكوهين” ثم اختفى كوهين وقمنا منذ سنوات بانتاج فيلم بعنوان “حسن ومرقص” والآن يستعدون لإنتاج فيلم عنوانه “حسن”.
وفى النهاية فإنه إذا كانت الفتنة الطائفية قد اتخذت هذه الأبعاد الخطيرة فالسبب فى رأيى هو وجود حالة من الفراغ السياسى فى مصر منذ 11 فبراير 2011 حيث لا يوجد رئيس للجمهورية ولا مجلس للشعب ولا دستور ولا حكومة مستقرة وإذا كنا نريد إنهاء حالة الفوضى فلا بد من ملء هذا الفراغ فى أسرع وقت ممكن ولا ارى الآن أية شواهد ملموسة على ذلك.
[email protected]

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

‫10 تعليقات

  1. أكثر من رائعه المسيحين هم رمانة الميزان ولولا وجودهم لاصبحت مصر أفغانستان لابد من رجوع مصر على الأقل قبل أربعين عاما

  2. مقال محترم من راجل مثقف
    مصر في مرحله مراهقه ولذلك كل المشاعر غير حقيقية
    نحن نحب مصر بلدنا ونحب المصريين اهلنا
    وان كان السلفين والاخوان فعلوا ما فعلوه
    فهده بلادنا ولن نتركها هربا منهم
    لان هناك ملايين المسلمين المحترمين يحبوننا ويحبوا هذا البلد
    أشكرك علي المقال

  3. كما هو معتاد من قلمكم .. مقال اكثر من رائع
    لى تعليق بسيط على جملة وردت بالمقال وسأبدأه بسؤال
    لماذا جاء على بعض السنة الأقباط اليوم تحديدآ انهم اصحاب هذا البلد الحقيقيون ؟
    ولماذا لم يكن يقال ذلك فى عهود سابقة ؟
    اولآ من حيث المبدأ ومن الناحية التاريخية هى ليست بمعلومة مغلوطة فهى حقيقة
    يعلمها القاصى والدانى وتم التشويش عليها منذ الفتح الاسلامي لمصر على يد عمرو
    بن العاص – ويمكنك ان تجيب عن هذا السؤال
    ما هو الفارق بين الفتوحات الاسلامية – Les conquêtes Islamiques
    والغزوات الاستعمارية – Les conquêtes Coloniales
    هل استخدام كلمة فتح بدلآ من غزو أعطتها الصبغة الشرعية –
    هل استنجد أقباط مصر بالاسلاميين العرب من حكم الرومان كما يشاع كى نعطى مبررآ لغزو مصر
    هل فتح اسبانيا كان له ايضآ مبرراته ام كان من اجل اغتصاب الارض وسبى النساء
    وكل ما كان ينتج عن مثل هذه الحروب ..
    اعود الى سؤالى الاول .. لو لم يشعر القبطى منذ اكثر من خمسين عامآ وهو صاحب الأرض الأصيل حقآ وصدقآ بتهميشه فى المجتمع وعدم مساواته بالآخر بل وفى بعض الأحيان ازدراءه واضطهاده لما نطق لسانه بما يقوله الآن ..
    ارجو ان لا أكون قد تجاوزت فى سرد هذه الحقائق التى أردت ان أوضحها حتى لا يتم اللوم على الاقباط جزافآ فى هذا الشأن …

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى