مفكرون

مساجد الضرار – د. سيد القمني Sayed ElQemany

مساجد الضرار – د. سيد القمني Sayed ElQemany


مساجد الضرار
د. #سيد_القمني
—————-
تصوروا ماآل إليه حال مصر حتى عدنا نكتب مثل هذا ؟ ! !
إن من يحاولون رأب الصدع بين شقيقي الوطن ، عادة ما يبذلون جهدا كبيرا لإيجاد مستند شرعي لموقفهم ، و ما يجدون إلا القليل النادر . من قبيل وصف القرآن الكريم للمسيحيين بأن منهم قسيسين و رهبان و أنهم لا يستكبرون و أخذهم بالرأفة لأنهم أكثر الناس مودة للمسلمين ، بعكس اليهود الذين هم الأشد عداوة . إضافة إلى بضع أحاديث نوادر كخير الأجناد من مصر و الإستيصاء بأقباط مصر خيرا ، و كلها أحاديث آحاد هي ما يتم رفضه بداية عند فتح باب النقاش مع الذين يرون أنهم قد خولوا برعاية الشريعة ، و ذلك اعتمادا على آية السف التي نسخت آيات حرية الإعتقاد و ما لحقها من أحاديث النبي (ص) .
إن الصدق مع الذات منجاة ، و فيه أيضا ترفع نبيل عن انتقاء نص و إخفاء آخر نقيض لكسب موقف أو نقاش ، و هو ما يعني أن في هذا الصدق احترام للنصوص المقدسة ، التي تنص على العكس و تتصف بقطعية و ثبوت المعنى و الدلالة مبنى و معنى دون التباس في العداء لأهل الكتاب . و يعني أيضا احترامنا لذواتنا بعدم الهروب من حقائق هي من ديننا الذي يجب أن نقبله و نحبه كله أو نرفضه كله ، و لأن الانتقاء يوعز بأن صاحبه يحاول الهروب من موقف يشعره بالنقص أو بالعار أو بكليهما ،بعد أن ترسخت حقوق الإنسان الحديثه في نفوس الناس كمبادئ عليا سامية و نبيلة .
إن الإنتقائية لون من انتهازية النص المقدس و عدم احترامه ناهيك عن الأمر الأهم من كل هذا و هو أن يحدث في داخل النفس شرخ في الإيمان و ما يترتب عليه من خلل في الضمير .
ستعمد هذه القراءة إلى الإيمان الذي هو مطلق لا محدود ، هو معنى ليس له مبنى مادي ، لا يرتبط بمئذنة لم يقمها السويسريون و لاينزعج من منارة كنيسة تبنى في ضاحية من الوطن ، و لا يمكن وزن و لا معرفة كميته أو معيارة ، إن القراءة باللجوء لما يتضمنه مفهوم الإيمان يبتعد بنا عن اللجوء الكثيف للنصوص المقدسة ، و ينأى بنا عن الدخول في دهاليز لم تنتج للمتجادلين حولها أي يقين كما في المحكم و المتشابه و مدى صحة اسناد الحديث و مدى ضعفه أو حسنه ، و مفهوم الإيمان يحيلنا إلى دنيا المفاهيم والتصورات القيمية ، يحيلنا إلى القيم الداخلية الرفيعة للإنسان التي ورثها جينيا عن أبيه الإنسان البدائي الذي عبد إله الأرض ، و كان أِشد ما يستفظع في شريعة هذا الإله الأرض هو أن تسقط عليه فوق ترابه نقطه من دماء إنسان ، و كان سفك دم الإنسان جريمة كونية لا يمكن التكفير عنها .
لدينا إذا مساحة داخلية واسعة اسمها الإيمان تتجاور داخل النفس الإنسانية مع رغبات تليق بها في النزوع إلى الخير و مقاومة ما يداخل النفس من نوازع الشر ، بغض النظر عن المؤمن هو مؤمن بأي دين كان ، و من ثم يكون اللجوء للدين مساحة للراحة النفسية المطلوبه مبنيا على الإيمان بإله عادل جميل هو الخير كله ، و كلها مفاهيم لا مادية تقوم على الشعور الذي هو حجر الأساس في قبول الدين أولا كإيمان و بعد ذلك يقبل نصوص هذا الدين .
فإن تعاملنا مع حجر الأساس هذا ( الإيمان) ،سنجد أكثر من منفذ يتسم أول ما يتسم بالصدق مع النفس و هو ما يريحها و يطمئنها ، و إعتمادا على أن بجوار هذا الإيمان في داخل النفس يقف معنى الضمير الذي يعتمد معاييرا دقيقة لتعريف معنى السلام و معنى العدل و معنى الصدق و معنى الرحمة و معنى الإنسانية . و هي مجموعة مطاليب يطلبها لنفسه و للآخرين ،لأنه بالأساس قد وضع هذه القيم لأنه يريد أن يحصل عليها بدوره ليشعر بالطمأنينة و الأمان ، فيعممها كقواعد مطلقة للجميع حتى يطمئن أن الآخرين من المؤمنين و لو بديانة أخرى لن يعتدوا على مساحته الشخصية و سلامه و أمنه لأنهم يؤمنون .
هذ المنفذ هو التفاف من أجل تأكيد صلاحية النص و ثبوته ، و في نفس الوقت عدم ضرورة التزامنا ببعض أحكام النص إذا تغيرت الظروف الزمانية و المكانية و أصبحت هذه الأحكام غير صالحة لما استجد من تطورات ، و هذا المنفذ أيضا هو من صميم الإيمان و يقوم على أسسه ، و إلا ما عاد إيمانا .
و بما أن قوام الإيمان هو إله متفرد مطلق ، و أن احترام الله و أي مكان يذكر فيه اسم الله هو خرسانة كل الأديان تحت مظلة واحده اسمها الإيمان . سنلحظ بشده أن الدين الإسلامي كبقية الأديان أول ما يقيم في نفس المؤمن هو تربية ضميره على تقديس و احترام أي بيت يذكر فيه اسم الله ، و هو ما ينتهي ببساطة المنطق البدهي إلى أن الكنائس التي هي بيوت يذكر فيها اسم الله قد دخلت ضمن نطاق وجغرافية البيوت الحرام حسب الإيمان الإسلامي .
الرد المتصلب قد يأتينا قائلا إن المسيحيين ما عادوا مؤمنين لقولهم إن الله ثالث ثلاثه ، و لتحريفهم الإنجيل الموحى به من السماء لنبيهم عيسى ، و أنهم يعتبرون عيسى إلها وهو انسان ، و بذلك يكون بيتهم مكانا لذكر الأوثان و يستحق الهدم و الحرق ، إضافة إلى ما يحتويه هذا البيت من صور و تماثيل و أيقونات تعتبرها النصوص الإسلاميه لونا من الشرك و الوثنية . الآن نقوم بتجريب اللجوء لمفهوم الإيمان و تقديس أي بيت يذكر فيه اسم الله ، بدليل من القرآن الكريم نفسه و من تاريخ الديانات و ذلك أن الإسلام الذي هو ضد كل أنواع الشرك و يوحد فرداً صمداً ، قد قام في درس هام بحماية الكعبة المكية بهجوم جوي ساحق قضى على جيش المسيحيين و ذلك في الموقعة المعروفة بعام الفيل ،و قد فعل الله ذلك حماية لبيت يقدس فيه ما ينوف على ثلاثمائة صنم معبود و يذبح فيه لغير الله .
الدرس الواضح هنا أنه رغم أن الكعبة المكية كانت حين ذاك أعتى الحصون الوثنية في العالم فإن الله الواحد الذي لا يقبل شفعاء و لا شركاء و يرفض فنون النحت و التصوير لأنه لا يشبهه شئ ، قرر حماية هذا المكان بكل ما يحويه من وثنية صريحة سافرة ، حماية كانت الفريدة من نوعها في تاريخ الأديان و ذلك اعتمادا على مفهوم الإيمان ، فقريش كانت تعتبر هذه الأصنام شفعاء إلى رب واحد أحد و أنها كانت تماثيل لبشر صالحين طاهرين تم تقديسهم بعد موتهم ، ويقرر القرآن هذا الإيمان بقوله :و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض و رب العرش العظيم ليقولن الله قل فأنى يؤفكون . لقد قرر الله تطبيق معنى العدل الذي هو أحد أعمدة الإيمان فرفض تأييد أحبابه أصحاب آخر ديانه سماوية صحيحة حتى ذلك الوقت ، و قام بعقابهم برشقهم بأحجار من سجيل لأنهم قرروا الإعتداء على بيت يذكر فيه اسم الله ، و هو ما يعني حرمة هدم أو حرق الكنائس من أولئك النشطين ضد المعاب التي يذكر فيها اسم الله ،والذين يستحقون طير الله الأبابيل . و مصداقا لذلك مهما بحثت لن تجد بالقرآن أي إشارة إلى هدم أو حرق بيوت يذكر فيها اسم الله ، لا كنيس و لا كنيسه و لا معبدا بوذيا أو كنفوشيوسيا . لكنه أوضح بلا لبس وأكد أن على المسلمين هدم مساجد الضرار و حرقها ، و قد نفذ الرسول (ص) ذلك بحرقه مسجدا من مساجد المدينة على من فيه لأنه كانت تدار بداخله الفتن لبقية الناس ولتدمير المجتمع، الله إذا لم يأمر بهدم أو حرق الكنائس أبداً و لكنه أمر بهدم و حرق المساجد ، مساجد الضرار .
و في واقعنا ستجد أن المسلم لا يعرف شيئا عن ديانة شقيقه المسيحي في الوطن ، بينما المسيحي يعرف كل تفاصيل ديانة شقيقه المسلم لأنه يدرسها في المدرسة في نصوص اللغة العربية و في التاريخ و في الإعلام و كلها أدوات لا ترى في الوطن أحداً توجه لها خطابها سوى المسلمين وحدهم ، يعرف المسلم عن ديانة شقيقه المسيحي في مصر فقط ما ورد عن المسيحيه في دين الإسلام نصوصا و تفسيرا و فقها ، و هو ما يختلف إلى حد التباين و التناقض عن الديانة المسيحية التي يعرفها المسيحيون من أناجيلهم الأربعة و رسائل الرسل الثلاثة و العشرين . و الإعتقاد الإسلامي في إنجيل موحى به يعود إلى من يدعون (أصحاب الإنجيل العبراني) ، و هم فرق منشقة عن المسيحية الأم و تعتبرها المجامع المسيحية المسكونية فرقا ضالة هرطوقية ولم تعترف تلك المجتمع سوى بالأناجيل الأربعة المتداولة الآن ، وحالها حال الأحاديث النبوية التي لم يأت بها وحي إنما كتبها أصحابها رواية عن المسيح وأحداث زمانه، ومع هذا القرار المسكوني تم اضهاد أصحاب الأناجيل الأخرى والتنكيل بهم وسحلهم ، وكان أصحاب الإنجيل العبراني متعددي المذاهب بدورهم فمنهم النسطوري ومنهم الديصاني ومنهم الآريوسي … إلخ ، ومع قيام المسيحسة المتفق عليها بالمجامع ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية زمن قسطنطين أخذ الاضطهاد شكله المنظم ، مما دفعهم إلى الهروب بعيداً عن يد البطش الديني الإمبراطوري ، إلى فيافي جزيرة العرب وبواديها ،مع إنجيلهم العبراني الذي هو مقصد القرآن و تعريفه بالمسيحية التي هي صاحبة الإنجيل العبراني .
و بهذا المعنى التاريخي نجد أن هدف الآيات المعادية لأهل الكتاب هو أهل كتاب بعينهم كانوا يعشون في جزيرة العرب حين ذاك ، و بمرور الزمن و صفاء الجزيرة للمسلمين و الإسلام خفت وجود أصحاب إنجيل العبرانيين ودخلوا في الظل و تلاشوا من التاريخ اللهم إلا شتات متناثر شمالي العراق وسوريا وانقطعت صلتهم بعقيدتهم الأصلية فذهب الأشتات كل منهم الى سبيل مغاير، مما يعني أن أحكام الآيات بشأنهم قد توقف العمل بها لزوال العله التي تدور و جودا و عدما مع المعلول حسبما قرر الأصوليون المسلمون ، لكن بعضنا يعاني من خلل في سمو الإيمان و سماحته الداخليه و ألوانه الطيفية التي تقبل كل الألوان و يجعل من نفسه في منزلة فوق منزلة الله وقراره فوق الله ،فيهدمون و يحرقون بيوتا يذكر فيها اسم الله … مما يذكرنا بأصحاب مساجد الضرار.
بهذا المسقط التاريخي من نافذة الإيمان نستطيع أن نفهم تجاور آيات حرية الإعتقاد مع آيات التحريض و الكراهية ضد أهل الكتاب ، وذلك باعتبارها حدثاً يخص زمانها و مكانها ، لأن الآيات تؤكد لنا ” أن الإنجيل فيه هدى و نور” و “أن التوراة فيها هدى و نور”و ” كيف يحكمونك و عندهم التوراة فيها حكم الله “. و هنا لا يصح القول بأننا نرتكب آفة الانتقاء التي أردنا الابتعاد عنها بل وانتقاء آيات منسوخة . والواضح أن هذا ليس إنتقاء لآيات منسوخة بآيات الكراهية و الحرب المفترض أنها قد نسخت آيات السلم و السماحة ، بل إن الموغلين في التعصب يحتسبون الديانة الإسلامية قد جبت و نسخت ما سبقها من أديان ، وأن القرآن قد جب و نسخ ما قبله من كتب مقدسة موحى بها ، هنا يسعفنا الإيمان ،و الإيمان يفترض أن عظمة الله لن تسمح لبعض الناس أن يحرفوا بعض كلامه ( الإنجيل والتوراة ) ،بينما تصون بعض كلامه (القرآن ) . لأن كلامه كله هو من عنده و من قوله القدسي ، و من ثم فإن سلامة الإيمان تفترض أن كلامه كله هو موضع حمايته و صيانته ، و حتى لو ذهبنا معهم و قلنا بنسخ الإسلام لكل ما سبق من ديانات وكتب ، فلدينا في القرآن درسا و أسوة ،والمدهش في هذا الدرس درجة وضوحه ، فستجد أن ما تم نسخه من آيات ظل في الكثير المعظم محفوظا بالقرآن و مكملا و موضحا و شارحا رحلة القرآن التطورية الناتجه عن تفاعله مع الواقع أخذا و عطاءا نسخا و تبديلا رفعا و إنساء في جدل و حوار مستمر مع متغيرات الأحداث في الواقع الأرضي ، و من ثم الدرس يقول إن الله قد أبقى على كتبه السابقه ولم ينسخها وأبقى على المؤمنين كدليل شاهد على الرغبة الإلهية ، كما أبقى على الآيات المنسوخة برغبة منه وإرادة .
و هنا لا بد أن نصل إلى نتيجة واضحة و هي أن و جود الديانات الأُخرى ووجود أصحابها هو رغبة إلهية ، ورغم ذلك يزايد بعضنا على هذه الرغبة اليوم ، فالله هو من أراد لسكان كوكبنا أن يكونوا شعوبا و قبائل و أمما مختلفه لكن ليتعارفوا ، و لذلك يؤكد القرآن أن ذلك كان الهدف من خلقنا ، و ان الله يريد أن يظل هذا الاختلاف موجودا ، و لكنه اختلاف التعارف و التآلف ، اختلاف البعض يتمم البعض ، و هكذا يكون الله قد أكد ضرورة وجود المختلف برغبته و بوصفه الخالق الوحيد و ذلك إعلانا بأن ثراء الحياة الإنسانية و مساحة الإيمان الرحبة تتسع لكل المختلفين ، لأن الله أوضح ببساطة أنه لو كان يرغب في أن يكون البشر على الأرض أمة واحده لفعل ، لكن بعضنا يتحدى تلك الرغبه الإلهية و يريد أن يعلوا برغبته فوق رغبة الله و إرادته فوق إرادة الله لأن لديه خلل في الإيمان و تدهور و فشل في الضمير .
و لعل أهم ما قدمه القرآن الكريم لهذا الإيمان الرحب من أسانيد قصة طوفان نوح وهي قصة يؤمن بها أصحاب الدينات الإبراهيمية جميعا ، و التي تقول أن نوحا لم يعجبه ما عليه البشر من الضلال فدعا عليهم بالإبادة الجماعية ، و قرر الله أن يستجيب لنوحا لأنه قرر في بدء الخليقه أن تكون دعوة النبي مستجابة ، و لكنه اعطى الدرس لأصحاب الإيمان ، و هو أن إزالة المختلف مستحيلة ، فجاء من نسل المؤمنين الناجين من الطوفان كل من كفروا و اختلفوا و انشقوا وارتكبوا المعاصي وعادوا أديانا شتى ، تأكيدا لإرادة الله التي تعلو إرادة البشر حتى لو كانوا رسلا أنبياء مثل نوح ، ترى هل لذلك عظم الله من شأن الإيمان و جعله على درجة أعلى من الإسلام. وهو يوجه حديثة للبعض منا ” قولوا أسلمنا ولا تقولوا آمنا ” لأن هذا البعض لم يرتق بعد من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان .

د. سيد القمني

2011 / 8 /24

—————-
#أدمن_Saeed

مساجد الضرار – د. سيد القمني Sayed ElQemany

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى