كتّاب

فى ذكرى محمد عبد الوهاب…


فى ذكرى محمد عبد الوهاب

أحمد شوقى بين محمد عبد الوهاب وأم كلثوم

أحمد شوقى (1868- 1932) أمير الشعراء، وشاعر مصر الاعظم، وأحد مؤسسى النهضة الادبية المصرية الحديثة، ولد لأسرة تعمل فى القصور الملكية وكان رفيقا وصديقا للخديو عباس حلمى الثانى مدحة كثيرا وعمل مستشارا له ونفى معه الى اسبانيا وحافظ على صلاته الوثيقة بالقصر الملكى وبالشعب فى نفس الوقت وكان لسان حال الحركة الوطنية المصرية فى الثلث الأول من القرن العشرين، التقى محمد عبد الوهاب (1902- 1991) فى أحد مسارح الأسكندرية سنة 1924 وكان مجرد مطرب بلدى بسيط فقير يؤدى أغانى وأدوار من سبقوه، فأعجب بصوته العظيم، وقال له ان صوته لن يجود الزمان بمثله، وتبناه وراح يقدمه لكبار مفكرى ومثقفى وساسة عصره فيلتقى فى بيت شوقى “كرمة ابن هانى” سعد زغلول ومصطفى النحاس وعبد الخالق ثروت وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم، وراح شوقىيصحبه فى رحلته السنوية إلى باريس، وعندما يزوره الطلاب المصريين المبعوثين الى فرنسا لاستكمال دراستهم العليا، كان شوقى يطلب منهم اصطحاب عبد الوهاب لتعليمه فنون الأوبرا والآلات والغناء والسيمفونى والدراما والمسرح، ويحضر كل يمثل على مسارح واوبرا باريس طوال فترة وجوده فى باريس، وراح شوقى يكتب لعبد الوهاب العديد من أغنياته، حتى بلغ ما كتبه له منذ تعرف عليه حتى وفاته بعدها بسبع سنوات نحو عشرين أغنية، كانت أولهم” اللى يحب الجمال يسمح بروحه وماله، قلبه إلى الحسن مال، مال العوازل وماله” وانتهج فيها عبد الوهاب نهجا تلحينيا غير مسبوق، حيث يسير المطرب والكورس كل فى اتجاه مختلف ومحسوب حتى يلتقيا قرب ختام الاغنية، ومن المعروف أن شوقى شاعر العربية الأكبر لم يكتب بالعامية إلا العديد من أغنيات عبد الوهاب، وكان من بين تلك الأغنيات العشرين: أنا انطونيو، وياجارة الوادى، وياناعما رقدت جفونه، وبلبل حيران، وفى الليل لما خلى، والنيل نجاشى..
– أما أم كلثوم ( 1898- 1975) فقد لفتت نظر المنشد ابراهيم بلتاجى ابيها لقدرتها على حفظ الانشاد وصوتها العذب القوى فجعلها فى مقدمة فرقته وهى بعد طفلة صغيرة وفى مرحلة الصبا ذاع صيتها فى الدقهلية موطنها وقد ضاقت عن طموحها، فرحلت الى القاهرة واستقرت فيها منذ 1921 ولم تكد تمر خمس سنوات على هذا التاريخ حتى أصبحت مغنية مصر الأولى والتى يزرى نجمها الصاعد بنجوممنيرة المهدية وعزيزة البيضاء ونعيمة المصرية ونبوية غزال وغيرهن من الشهيرات وقتها، وأصبحت بثقافتها العربية وحفظها للتراث العربى والموسيقى هى المفضلة فى قصور الكبراء والأمراء، وكان من الطبيعى أن يلتقيها ويعجب بها أحمد شوقى بك، ويحضر حفلاتها هنا وهناك، وتقوم بينهما صداقة رقيقة، ويدعوها لزيارته بين آن وآخر ويقدم لها النصيحة أواخر العشرينيات، وفى إحدى الزيارات فى حديقة كرمة ابن هانئ، وفى هدأة ليل يقدم لها كأسا من النبيذ، فتعتذر عن احتساءه، فيلح عليها ويلحف فى الالحاح، فتضطر ام كلثوم الى رفع الكأس إلى شفتيها ثم تعيدها الى مكانها على المائدة، وفى اليوم التالى، تتلقي أم كلثوم من شوقى مظروفا به قصيدة رائعة عن موقف الأمس، من تسعة أبيات فصيحة تقول: سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها/واستخبروا الراح هل مست ثناياها .. باتت على الروض تسقينى بصافية/لا للسلاف ولا للورد رياها.. ما ضر لو جعلت كاسى مراشفها/ ولو سقتنى بصاف من حمياها” ولم تغن أم كلثوم القصيدة، ولم تناقش شوقى فى امكانية ان تغنيها، ولم تطلب من شوقى أن يكتب لها ما تغنيه،
فهل كانت هذه رغبة شوقى؟ أم كانت رغبة عبد الوهاب؟ وهل كان هناك اتفاق بين شوقى وعبد الوهاب، ألا يكتب شوقى لأحد غير عبد الوهاب، المهم أنه مات شوقى اكتوبر سنة 1932، دون أن تغن له أم كلثوم أغنية واحدة فى حياته…. لماذا بالتحديد؟ .. الله أعلم
– وبعد موت شوقى بسنوات، انشغل عبد الوهاب بنجمه الصاعد ومشروعاته التجارية وشركة انتاجه السينمائى والافلام التى سيمثلها، ومع مرض الملك أحمد فؤاد فى مطلع سنة 1936، فكرت ام كلثوم فى تحيته فبحثت عن قصيدة مناسبات قديمة لشوقى كتبها للملك احمد فؤاد من قبل،وقد أصبح من السهل عليها الآن التعاقد مع ورثة شوقى لشرائها وغنائها وقدمتها للملحن الشاب الذى وثقت به رياض السنباطى، فغنت من شعر شوقى: ” الملك بين يديك فى إقباله .. عوذت ملكك بالنبى وآله”، وبعدها باشهر قليلة بعثت القصيدة التى كتبت لها خصيصا منذ سنوات ” سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها/واستخبروا الراح هل مست ثناياها.. باتت على الروض تسقينى بصافية/ لاللسلاف ولا للورد رياها.. ماضر لو جعلت كاسى مراشفها/ ولو سقتنى بصاف من حمياها” ولما تأكدت ام كلثوم من براعتها فى الغناء لشوقى ومعرفتها الوطيده بأبنائه وسهولة التعاقد معهم على غناء اشعار ابوهم العظيم، فقد غنت له العديد من القصائد نذكر اهمها ، فاعقبت سلوا كؤوس الطلى بالقصائد النبوية الاربع العظيمة: سلوا قلبي غداة سلا وتابا/ لعل على الجمال له عتابا”، ونهج البردة:”ريم على القاع بين البان والعلم/ احل سفك دمى فى الاشهر الحرم” وولد الهدى: “ولد الهدى فالكائنات ضياء/ وفم الزمان تبسم وثناء” وإلى عرفات الله: “الى عرفات الله ياخير زائر/ عليك سلام الله فى عرفات” وأظن أننى لم أعرف المعنى الإنسانى الرحب لحب الرسول “صلى الله عليه وسلم” إلا عندما مست أبيات تلك القصائد الأربع شغاف قلبى، وختمت أم كلثوم أغانيها من قصائد شوقى سنة 1949، بقصيدة النيل: “من أى عهد فى القرى تتدفق/ وبأى كف فى المدائن تغدق.. ومن السماء نزلت ام فجرت/ من عليا الجنان جداول تترقرق.. الماء تسكبه فيسبك عسجدا / والارض تغرقها فيحيى المغرق””
رحم الله النبلاء الذين سطروا أروع صفحات ثقافتنا المصرية

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى