كتّاب

صعاليك ونبلاء…

صعاليك ونبلاء…


صعاليك ونبلاء
كانت محطة السكة الحديد بالنسبة لنا فى الريف فى منتصف ستينيات القرن الماضى مكانا جذابا ومميزا، ففيها نتأمل حركة القادمين والراحلين، وأشكل أمتعتهم من حقائب وأسبته وقفف ومقاطف، ونستمتع بطقوس دخول القطار إليها وخروجه منها، فذراع السيمافور ينحنى، ويتسلم المسؤل عنه من شباكه من سائق القطار طوقا ويسلمه غيره فى رشاقه بالغة، ونقفز من رصيف إلى آخر، ونتنافس فيمن يستطيع أن يجرى على قضبان القطار مسافة أكبر، ولأنها بعيدة نسبيا عن البيوت وتكاد تكون خالية فى غير مواعيد وصول القطار فإنها كانت محور التحدى بيننا حين يحتدم النزاع، ف” لو إنت راجل اطلع لى ع السكة الحديد”
أنور أخى وهو دون الثامنة، وصديقه “صلاح فراج” يلهون فى محطة السكة الحديد عصر أحد أيام شهر رمضان، كانوا فى ظل فترة تحدى الكبار بإثبات قدرتهم على اتمام الصوم حتى آذان المغرب، ووجدوا فى المحطة مكانا يساعدهم على اتمام الصوم وقتل الوقت بعيدا عن مغريات الأكل والشرب فى البيت، وصولا إلى موعد الإفطار، وفجأة وجدوا أمامهم رجلا مهذبا أفنديا، يحمل بيده حقيبة وأمامه قفة كبيرة، يناديهم بكل أدب وذوق، طالبا منهما أن يساعداه بحمل القفة “لحد هنا” وأشار بيه إشارة تنبئ عن قرب “هنا” هذه،
وبكل الشهامة والأريحية تقدم أنور وصلاح ليحملا القفة من أذنيها، ونزلا بالقفة من رصيف المحطة وشريط السكة الحديد يمتد أمامهم، على مدى الشوف، والرجل يتقدم وهو يسأل: أولاد من أنتم؟ فى أى سنة دراسية؟ هل أنتما صائمين؟ ويتكلم ولا يكف عن الإطراء والمديح، ويتوقف ليريح يده، ويطلب منهم تبديل موقعهم من أذنى القفة لترتاح يداهم، ويعبروا جميعا “الكوبرى المخرق”، على أطراف البلدة، والولدان محرجان بسبب “دور” الشهامة الذى تورطا فيه، والطريق مازال ممتدا، والشمس تميل للمغيب، حتى وصل الرجل إلى باب بيته فى قرية “سبك الضحاك” على مبعدة ثلاثة كيلومترات من بلدنا “الباجور”، مع آذان المغرب، فطلب منهما ترك القفة وسحبها إلى الداخل وأغلق الباب،
وانسحب الولدان الصغيران وفد تضورا جوعا وعطشا وتعبا عائدين ليقطعا الطريق الطويل وحيدين فى الظلام وقد أسدل الليل سدوله، وبعد المغرب بساعة دخل أنور إلى المنزل منهكا خائر القوى يطلب الماء والطعام، وبادرته جدتى – رحمها الله – أو “ستى” كما نسميها فى الريف، بالسؤال: أين كنت؟ فحكى لها الحكاية، فاتسعت عيناها وأحمر وجهها من الغيظ والغضب، وأضمرت أمرا، وكانت قد تصورت أنه كان عند أحد الأقارب أو الجيران فاستحى أن يدعه يخرج وقت الإفطار
وفى ضحى اليوم التالى نادت ستى على أمى: ناولينى الجلابية والطرحة يا أم صلاح، وخرجت لتقطع نفس الطريق الطويل الذى قطعه على شريط السكة الحديد، أنور وصديقه بلأمس، حتى وصلت إلى سبك الضحاك، وراحت تدق أبواب البيوت القريبة من السكة الحديد كما وصف أخى، وهى تسأل عمن جاء فى قطار بنها قبل إفطار الأمس؟ حتى قال لها أحدهم: نعم أنا، فجذبته من طوقه بكل قوة إلى وسط الطريق وهى تسبة، ويتجمع الناس وهى تواصل: “بقى يا واطى يا ابن الواطى تخلى ولاد صغيرين يشيلوا لك القفة من الباجور لحد هنا زى الشيالين وهما صايمين ومايهونش عليك تسقيهم شربة مية يا كلب، وهما أحسن منك ومن إللى خلفوك، إتفو عليك ……. ” وراح بعض الطيبين الذين تجمعوا يعتذرون عن الرجل ويطلبوا إليها أن تهدأ وتتريث وتقبل ضيافتها فى بيوتهم، وهى تأبى وتستمر تصلى الرجل نارا حامية من الشتائم المنتقاة، والناس ينظرون، حتى أشفت غليلها، وأدارت ظهرها، وقفلت راجعة، ودخلت البيت وعلى وجهها شعورا بالرضا كمن وضع عن كاهلة حملا ثقيلا، وخلعت الجلابية وتنهدت بارتياح، ثم سألت: حتفطروا إيه ياولاد النهاردة؟

الصورة لستى “أم حامد”


يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى