مجتمع الميم

حين طَلَبْتُ العبور – ترانسات Transat


 

كتب: باسل إيرين

 

منذ أيام قليلة استمعت مجدداً لكلمة “إميلي كوين”، امرأة إنترسكس، في “مؤتمر تيد” بعنوان “أفكارنا عن الجنس البيولوجي خاطئة”. روت إميلي تجربتها مع أطباء مُصرّين في محاولاتهم لـ “تصحيحها”، وحثها على إجراء جراحة لكي “يستطيع زوجها المستقبلي ممارسة علاقة معها”. لم تحتج إميلي هذه الجراحة طبياً ولا حتى سألت عنها، لكن لطالما لاقت تركيزاً من الأطباء بشأن صلاحية وتأهيل جسدها لحتمية رجل مستقبلي، مهمشين تماماً رغبات إميلي الشخصية والتأثيرات على جسدها هي، وبالتأكيد محو أي دليل على التنوع الجندري.

رغم أنني لست إنترسكس ولا امرأة، تأثرت بروايتها للغاية لأنها ذكّرتني بإحدى المرات عندما سألت والداي عن إمكانية إجراء عملية إزالة الصدر. كان ذلك بعد فترة من البلوغ، حين أتلفت معظم ملابسي بتمديدها في محاولة يائسة لإخفاء معالم جسدي، وكان الاكتئاب قد استقر في نفسي، لذا سألت أمي بكل صراحة: “ممكن أعمل عملية تشيل صدري؟”. ويا لسذاجتي، ظننت أنهم سيستمعون إلى تفسير مشاعري الكامنة خلف طلب كهذا، لكن كل ما حدث أن أمي ضحكت بسخرية ومسّتني عدة مرات على خدي (كأنها تُسكت طفلاً صغيراً) وردّت: “بلاش هبل… وهتتجوزي إزاي يعني؟”. هز أبي رأسه وكأن شيئاً لم يكن. شعرتُ بالصدمة، أحسست أن كل معاناتي حتى الآن تافهة، أنني أنا تافه، وسؤالي الجاد والصادق (والذي تطلّب شجاعة هائلة) قوبل باستخفاف تام، بلا أي مسعى للاهتمام والاستماع لاحتياجاتي. فهمت أن جسدي ليس ملكي، بل هو ملك رجل مستقبلي، وممنوع تماماً اتخاذ أي قرار لتثبيط ذلك. بعبارة أخرى، من المفترض علي أن استمر في المعاناة فقط من أجل رجل مستقبلي يجدني “امرأة مرضية” بما يكفي للزواج.

أشعر بالغضب والإحباط كلما فكرت في كل محاولاتي للتعبير لهم عن نفسي، عن ما أعانيه بين واقع يرسخ في عقول المراهقات أولوية تهيئة أنفسهن وأجسادهن لرجل مستقبلي، وواقع الاستهزاء والاستخفاف بمشاعر المراهقين الترانس، حيث يتم رثاء عبور الرجال الترانس كـ”ضياع”، أن هؤلاء هم “نساء” كان بإمكانهن إرضاء رجل ما بجمالهن! لأن أجسادهن ليست لهن. لذا، أرى أن من العوامل المؤثرة في الرفض الشديد والسخرية التي يواجهها الرجال الترانس فيما يتعلق بعبورهم هو أنهم في نظر المجتمع نساء، مثلهم مثل جميع النساء، أجسادهم مُلك ورهينة للرجال، وبالتالي، فقد “عبثوا” بممتلكات هؤلاء الرجال المتاحة والتابعة لهم وتجاوزوا على قدسية المذكر.

كم تمنيّت لو أخذني والدايّ على محمل الجد واهتموا لأمر “ابنتهم” التي طلبت منهم شيء كهذا مراراً وتكراراً، كم أتمنى أن أمي لم تصفني ب “المعقدة” عندما أفشل في إخفاء أعراض الاكتئاب والانزعاج، ولو كنا تعاونّا سوياً وأتيح لي التحدث بلا خجل أو خوف عن مشاعري تجاه هويتي والخطوات الممكنة للعبور، والبحث والقراءة سوياً في الأمر، مثل شراء مشد للصدر خاص للترانس وملابس ذكورية أو ببساطة تجربة اسم وضمير مختلف. كم اتمنى لو صدّق أبي معاناتي بدلاً من المزاح بأن أرتدي خماراً لإخفاء جسدي حتى أتوقف عن مضايقتهم، أو المزاح بأنني سأقابل يوماً ما رجلاً يحبني – ويحب صدري – وسوف يتم “إصلاحي”. كم أتمنى لو أنهم لم يسخروا من صفاتي الأنثوية لتكذيب هويتي واستخدام الدين لتهديدي، أو لو لم يقولوا لي “لن نساعدك على أن تصبح مسخاً”.

كم من مرة أتعلم أن كل حياتي وقراراتي تجاه مظهري وجسدي يجب أن تنتظر، من أجل هذا الرجل المثالي المستقبلي الذي لطالما سمعت عنه. كتمت أيضاً عدم ارتياحي للحجاب، لم أجرؤ على التذمر ولم يكن مسموحاً حتى التفكير في عدم ارتدائه. في رأيي، يرمز الحجاب للمفاهيم الجنسانية المتأصلة والملازمة لأي جسد يصنف كـ “أنثوي”، ووقوع العبء والمسؤولية على النساء (منذ الصغر) لضبط رغبات الرجال (الذين يُفترض أنهم عقلانيون)، لكن رجلاً واحداً مميزاً يمتلك بشكل حصري وكلي، مفاهيم سخيفة ومؤذية مبنية على افتراض النمطية والمغايرة، مفاهيم أكرهها حتى الآن، ونجحت في خلع الحجاب في النهاية بعد عناء وجدال متكرر معهم، والآن أنا سعيد بارتداء ملابس تمثلني. صدّقت لوقت طويل كل ما قيل لي، كل الرسائل الموجهة لي. تعلمت كبت الانزعاج الجندري وتصنيفه كـ”مشاعر مراهقات تافهة”، وتطلعت إلى التعويض والمكافأة التي سأحصل عليها مقابل معاناتي، حيائي، وجمالي: رجل جيد يقوم بطريقة ما بإصلاحي، وبعدها أباشر دوري كامرأة “طبيعية” مثل أمي وكل النساء اللاتي أعرفهن (سرد مشابه يحكى للمثليات أيضاً)، وعندها فقط سيرضى عني الإله. الزواج من رجل هو الهدف الأساسي لوجودي، وحاجتي لعملية الصدر (أو أي إجراء عبور للذكورة احتاج بالفعل إليه) يمنع من تحقيق هذا الهدف ويجعلني “امرأة معيوبة”، وغير صالحة.

أتذكر بمرارة المرات العديدة التي عارض فيها والدايّ عبوري بتذكيري بجمالي! وكأن سبب عبوري وعبور الرجال الترانس هو افتقادهم للجمال، وكأن الجمال هو القيمة الوحيدة للنساء، وكأن العبور يتعارض مع الجمال، وكأن الأشخاص الترانس لا جمال لهم/ن. كان أهون على والدي أن أستمر في حياة بائسة وتعيسة بدل المساس بجمالي، وبصورة أوسع، فقدان الإمكانية لكسب رجل ليكون زوجي. هذه الأفكار موازية للأفكار عن المثليات، أنهن نساء “قبيحات” لم يتمكنّ من إعجاب الرجال لذا اتخذوا اتجاهاً آخر. كما تتشابه نوعاً ما مع فكرة أو اعتقاد أن النساء الترانس يعبرن لغرض معين وهو خداع الرجال. في جميع الأحوال، يبدو أن الرجال هم المحور ويعتبرون أنفسهم الدافع خلف جميع خيارات وقرارات حياة أي شخص آخر.

أدركت واستوعبت الحقيقة المؤلمة، حقيقة نظرة أهلي وأقاربي ومعظم المجتمع إليّ. بالنسبة لهم سأكون دائماً مأساة أو على الأقل تهديداً، امرأة قامت ب “تشويه” نفسها، امرأة كان بإمكانها أن تكون “طبيعية”، يا للأسف!. 

لكن، ومع ذلك، فأنا للأشخاص ذوي الأهمية حقاً بالنسبة إلي، أولئك الذين يهتمون بي في المقابل، الذين يدعمون قراراتي في عيش حياة تمثلني وتناسبني وتفرحني، أنا موجود، ومحبوب، كما أنا الآن. وأياً كان ما سيبدو عليه مظهري في المستقبل، فلن يكون كما كان منتظراً مني أن أكون، وهذا يكفيني.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باسل إيرين: كاتب ومترجم عابر جندرياً

العمل الفني للفنانة العابرة: نور الجندي



Source link

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى