مجتمع الميم

ترجمة مقال The Institute of Current World Affairs (ICWA) برلين – في يوم صيفي شد…


ترجمة مقال The Institute of Current World Affairs (ICWA)

برلين – في يوم صيفي شديد الحرارة من شهر يوليو/ تموز، توافد ما يقارب 400 ألف شخص إلى مسيرة الفخر في برلين؛ أحد أبرز احتفالات العالم بالفخر للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنـــ-سي ومغايري الهوية الجنـــ-سانية والأقليات الجنـــ-سية والجندرية الأخرى. ازدهرت أصوات فرقة أبا وديفيد بوي من طوافات العرض بينما استجابت الجماهير لبيان المنظمين: Let’s Dance هيا نرقص! كان المشهد مليئًا بقصاصات قوس قزح.
أمام بوابة براندنبورغ، صعد فنان الدراغ السوري درويش إلى خشبة المسرح الرئيسية في العرض، مرتديًا فستانًا فضيًا وأبيضًا وطربوشًا من الكروم، “أنا هنا كسوري، أنا هنا لأقف وأقول أن المعركة لم تبدأ بعد. أريد أن يكون كل هذا في سوريا!” نادى الدرويش على الحشد قبل أن يشرع بالزغرتة.
وقال درويش خلال تسجيل صاخب للمغني السوري الشهير عمر سليمان: “من المهم أن نُظهر أن هؤلاء اللاجئين، هؤلاء الناس، هم بشر”. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتصدر فيها سوري أي حدث فخر كبير في المدينة.
لطالما كانت برلين عاصمة للمثليين، لكنها أصبحت مؤخرًا أيضًا موطنًا لـ 40 ألف فرد من الشتات السوري. في محادثاتي مع بعضهم، لم أجد إجماعًا سهلًا حول ما إذا كان السوريون عمومًا قد شكلوا مجتمعًا هنا، فلا يزال الكثير منهم منشغلاً بالانتقال من حالة لاجئ إلى مقيم، ولكن بالنسبة لأولئك الذين يعرفون أنفسهم كأفراد من مجتمع الميم، ظهرت رواية أوضح.
دانيا نجاري (سورية ذات وجه دائري حلو، وشعر أسود مجعد، في أوائل العشرينات من عمرها) قالت ببساطة: مثلما لا يوجد شتات سوري موحد في برلين، لا يوجد مجتمع كويري سوري. بدلاً من ذلك، على حد قولها، تخيل مجموعة من الفقاعات الاجتماعية التي تندمج أو تنقسم أحيانًا، كل ذلك في تفاعل ديناميكي.

تُعتبر المثلية في سوريا “بدعة” أجنبية، ولكن بالعودة إلى التاريخ الإسلامي والسوري؛ نرى انتشار واسع لأمثلة مثبتة عن السلوك المثلي والتغني به، بدءًا من الخليفة العباسي السادس محمد الأمين، إذ أن بعض المصادر تؤكد أنه مارس الجنـــ-س مع ذكور، وصولًا إلى الشاعر العربي أبو نواس؛ والمعروف بكثرة وصفه لجمال جنـــ-س الرجال اليافعين.
أخبرني أحد السوريين في مقابلة عن ذهابه لحفلات كويرية في المدن الكبرى في البلاد، وعن وجود حفلات سرية خاصة وعامة لمجتمع الميم، ومع ذلك لا يوجد اعتراف ولا مودّة ولا أمان لمجتمع الميم في سوريا، إذ أنّ المجتمع يمتنع عن طرح قضية المثلية، ويُجرم القانون السوري السلوك المثلي، حسب المادة 520 من قانون العقوبات المطروح عام 1949، وذلك بحبس مدته تصل إلى ثلاث سنوات، بالإضافة إلى ذلك، تمنع كلا السلطتين الإسلامية والمسيحية السلوك المثلي.

في عام 2011، جلبت الانتفاضة السورية أمل مبدئي في زيادة الحريات، بما في ذلك المتعلقة بمجتمع الميم، ولكن الحرب آلت دون ذلك. حتى بعد حركات النزوح الواسعة التي شهدها الشعب السوري وطرح أفكار جديدة بعيدة عن الأعراف الاجتماعية السائدة. حيث ساعدت الحرب على ظهور مجتمع متزمت و”محافظ” اتجاه الأعراف الاجتماعية السائدة. زارت حملات القمع على المثليين والعابرين جندريًا، ومع وجود فصائل إرهـابـيـة إلى جانب النظام السوري، إذ يعاقب تنظيم داعــش الإرهـابـي السلوك المثلي بطرق وحشية مثل عقوبة الرجم على الملأ.

يشهد بعض المنفيين إلى برلين صورة مختلفة تمامًا عن السرد التاريخي للأحداث، إذ أن برلين كانت مكانًا يجمع المثليين خلال الحربين العالميتين، حتى مع وجود قمع محدد لمجتمع الميم من قبل النظام النازي الذي كان يُرسل الأشخاص المشتبه بمثليتهم إلى مخيمات الاعتقال، استضافت المدينة حفلات خاصة بالمثليات؛ إذ أن المجتمع في برلين سبق زمنه في الاعتراف بالفروقات بين الهويات الجنـــ-سية والجندرية، إذ ألغت ألمانيا قانون تجريم المثلية عام 1969، واضعة بذلك حجر الأساس لثقافتنا اليوم.
الآن، بعد أقل من عقد من وصولهم، أصبح السوريون ثالث أكبر مجموعة من الرعايا الأجانب في برلين بعد الأتراك والبولنديين. من بينهم العديد من المثقفين والفنانين والكويريين والشباب الذين انضموا إلى مجتمعات لبنانية وفلسطينية كبيرة لجعل المدينة عاصمة ثقافية جديدة للمنفيين العرب.
تعتبر برلين رسميًا أن أفراد مجتمع الميم في المنفى “أقلية مستضعفة” مؤهلة للحصول على اللجوء. على الرغم من عدم وجود بيانات عامة حول عدد السوريين المثليين في البلاد، أكدت المحادثات داخل العاصمة وخارجها سمعة المدينة كعنصر جاذب لهم. قال طارق (مهندس في الثلاثينيات من عمره وأصله من دمشق) “تم الترويج على أن برلين هي المكان الذي يمكنك أن تعيش فيه ذاتك الحقيقية، حيث يتم الاحتفال بكل شهواتك ولذاتك الجنـــ-سية، وليست كشيئًا تخجل منه”.

وأخبرني العديد من السوريين الكويريّين بأن برلين ليست جنة، حيث تعرض العديد منهم إلى إهانات معادية للمثلية والعبور الجندري وصولًا إلى قصص تحرش جنـــ-سي، لا سيما ما قام به حزب “البديل من أجل ألمانيا” (حزب يميني متطرف) بالوقوف أمام البرلمان الألماني مناديًا بإغلاق الحدود أمام اللاجئين وإلغاء قانون زواج المثليين.
وبناءًا على ذلك، ازداد عدد جرائم العنف ضد مجتمع الميم عام 2020 وفق ما نقلته الحكومة الألمانية، بنسبة 36 بالمئة، بمحصلة 782 جريمة و150 حالة عنف.
وضحت عمدة برلين (فرانشيسكا غيفاي) خلال مسير فخر المثليين في برلين: “حتى اليوم، لا زال مجتمع الميم يُستبعد ويُعتدى عليه جسديًا”. وفي نفس الليلة تم الإبلاغ عن حالتي اعتداء على مجتمع الميم.
قال معظم مجتمع الميم السوري في برلين، أنهم لا يشعرون بالأمان في الأحياء ذات الغالبية من اللاجئين السوريين، على طول شارع سونين -اليه (شارع العرب) في نيوكولن. شرح لنا السوريون من مجتمع الميم التغير في تصرفاتهم داخل منازلهم وفي الطرقات، حيث أنهم يتجنبون مسك الأيدي ويتكلمون باللغة الإنجليزية ويرتدون سماعات الأذن؛ تجنبًا للتعليقات الجنـــ-سية غير المرغوب بها، ومنعًا لحدوث أي صدام مع المتحرشين.
قالوا الفنانون الكويريون العابرون جندريًا ميكيلا داوود (انتقلوا إلى برلين سنة 2015): “من الصعب جدًا أن تكون نفسك”، واصفون بذلك شارع زونين -اليه.
ومثل كثير من الذين يواجهون مشقات في إيجاد سكن في برلين، واجهوا داوود بعض الصعوبات، واضطروا للسكن في حي صاخب ذو أغلبية عربية، وعلى الرغم من أن الاضطهادات اليومية التي تتسبب بحوادث فظيعة، إلا أن داوود وصفوا مشاعرهم العميقة التي تحيط بها مشاهد وأصوات مألوفة من الوطن، حيث صرّحوا: “حي زونين -اليه يشبهني. لا أشعر بالأمان ولكنّي أيضًا لا أريد المغادرة “.

رغم وجود قوانين صارمة تمنع أشكال الاعتداء على مجتمع الميم، إلا أن هيئات الإنقاذ الألمانية تغض الطرف عن الانتهاكات داخل أحياء اللاجئين.
يناقش المجتمع الكويري ازدواجية المعايير التي تقوم بها هيئات الإنقاذ في برلين، ويطالب بتوحيد القانون اتجاه العنف القائم على الميل الجنـــ-سية.
ووصف الفنان السوري الفلسطيني العشريني حادثة مرّ بها خلال التقدم لوظيفة للعمل عن بعد في منظمة داعمة لمجتمع الميم، حيث دعاه شخص برليني إلى الساونا وقام بتعديات غير مرغوب بها، الحادثة التي هزّت ثقته حيال العيش في برلين.
كان درويش يتخيل أن يكون على المنصة الرئيسية لموكب الفخر منذ وصوله إلى برلين قبل ست سنوات، قال بعد الأداء: “كان التواجد على هذه المنصة وشغل مساحة في بيتي الجديد أحد أهم الأيام بالنسبة لي هنا”.
بالعودة إلى مدينة اللاذقية على الساحل السوري حيث عاش الدرويش حياة مزدوجة، يقول إن عروضه تهدف إلى ترجمة صدمات الماضي إلى رقص بهيج.
لكن درويش تعرف بشكل قريب على الصعوبات التي يواجهها السوريون في المشهد الكويري في برلين، ويقوم وزميلته (أولمبيا بوكاكيس) في استضافة مجموعة “كوينز ضد الحدود”؛ والتي تنظّم العروض، وتجمع التبرعات، وتعلّم دروس الدفاع عن النفس من أجل بناء التضامن بين اللاجئين العابرين والمثليين، ومساعدة الآخرين على إيجاد منصة للتعبير عن الذات.
“كنت أعرف من أنا منذ الصغر”. قال درويش “لكن برلين أخرجت كينونتي”.
ومع ذلك، لم يقل جميع السوريين المثليين أنهم يشعرون بأنهم مُمَثلون في موكب الفخر، “إنه أبيض للغاية” كما قالت لي دانيا نجاري، وبدلًا من حضور العرض، ذهبت هي وصديقتها إلى مظاهرة بعنوان “فخر كويري دولي من أجل التحرر” في هيرمانبلاتز، هناك حيث سارت الحشود ضد “عروض الغسيل الوردي ورأسمالية قوس قزح”، بينما سخر بعض العرب المحافظين في الحي من ذلك.

“مسير الفخر لا يتعلق بالاحتفال ولكن بالتظاهر” قالت دانيا. وأضافت أنها وجدت صعوبة في تكوين صداقات مع الألمان المثليين، لكنها تشعر وكأنها في المنزل وهي تتظاهر مع مجتمعات غير تقليدية ملونة. “بعض أصدقائي السوريين المثليين سعداء لأننا بأمان. ولكن هذا لا يكفي.. نحن بحاجة إلى جعل (برلين) موطنًا أيضًا”.
يمكن للمجتمع الرقمي -الذي يُنظر إليه على أنه أكثر خصوصية وأمانًا وغير مرتبط بالجغرافيا- أن يلعب دورًا رئيسيًا في التقدم الاجتماعي الأكبر، أو على الأقل هذا ما يعتقده إيان القاضي (مؤسس منصة LGBT بالعربي الشهيرة على الإنترنت، أصله من دمشق) يسعى إلى سد الفجوة التي لاحظها خلال تجاربه المبكرة. “إذا كنت تتقن اللغة العربية فقط وبحثت على غوغل (هل من الطبيعي أن تكون مثليًا؟) فستجد جميع المصادر المتاحة باللغة العربية تقول أنك غير طبيعي”. لدى LGBT بالعربي الآن أكثر من 100 ألف متابع.
وأطلق إيان وفريقه عبر منصتهم العديد من الحملات لزيادة الظهور، وكانت أكثرها نجاحًا هي حملة “واحد منكم – One of You”، والتي تضمنت مئات الصور لأفراد قاموا برسم علم قوس قزح على أصابعهم مع كتابة عبارة “واحد منكم” على راحة أيديهم، وتم التقاط الصور المشاركة أمام العديد من المعالم الأثرية في دمشق وحمص واللاذقية والقامشلي ومدن سورية أخرى، والعديد من المدن حول العالم، وأثارت الحملة جدلًا في جميع أنواع وسائل الإعلام السورية، قال إيان: “بالتأكيد، كانت هناك حملة سلبية ضدنا، لكن ليس هناك دعاية سيئة”.
دينا أبو الحسين (صحفية من السويداء – جنوب غرب سوريا) قامت أيضًا ببناء وقيادة مجتمع على الإنترنت، في إحدى الليالي في برلين، وبعد أن شهدت سلسلة من الموت لعدد من الشباب السوريين الذين يموتون جرّاء أزمات قلبية، فأنشأت على إثرها مجموعة على فيسبوك تسمى (قلبي قلبك) حيث يناقش السوريون فيها الصحة العقلية.
العديد من المحادثات تمت داخل المجموعة، وتضم مجموعة دينا اليوم ما يقرب من 30 ألف عضو نشط في جميع أنحاء سوريا والمنفى.
تدور المحادثات حول نطاق واسع من المواضيع المختلفة؛ مثل ازدواجية الميول الجنـــ-سية، الجدل بين الآباء والأطفال حول تقبل أفراد مجتمع الميم، وصولًا إلى مناقشة ما يتداول عن مؤامرة افتعلتها الدول الغربية التي رحبت بالسوريين من أجل غسل دماغهم ليصبحوا مثليين. في الوقت نفسه، شهدت دينا تقدمًا ثابتًا في التعبير عن التسامح. وقالت “إنه مثل القطار، لا يتحرك بسرعة، لكننا ما زلنا نتحرك”. وقالت إن التعرض لقيم مختلفة قد يكون هو التطور الجيد الوحيد الذي نتج عن النزوح الهائل للسوريين على مستوى العالم.
عبّر السوريون المثليون عن تعبهم من تفاعلهم مع سكان برلين الآخرين. بعض الألمان لم يظهروا الاهتمام، بينما كان البعض الآخر حريصًا جدًا على سماع ما كان يحدث في سوريا. “حتى أصابعك مختلفة، فكيف يمكنني تمثيل دولة بأكملها؟” قال علي شريكة (سوري كويري يبلغ من العمر 28 عامًا وله لحية مشذبة).
حيث يصف وآخرون التمييز اليومي الذي يواجهونه، فضلًا عن الافتراضات بأنهم لن يتمكنوا من استكشاف هوياتهم بالكامل حتى وصولهم إلى برلين.
قالوا ميكيلا داوود: “كان المشهد الكويري في سوريا سريًا ولكنه أصيل للغاية”. أما بالنسبة لبرلين، فالمدينة توفر مهرب للعديدين.
غالبًا ما يشعر السوريون أيضًا بأنهم مغمورين في رواية الصدمة.
قال طارق “يرغب الكثير منا في أن يُنظر إلينا بصفتي أنا، وليس أنا بالإضافة إلى خلفيتي”.
آخرين يقولون إن المنفيين السوريين في برلين قطعوا شوطًا طويلًا بالفعل. وصف الكاتب المسرحي السوري وائل، الافتقار إلى مجتمع واحد موحد بالأمر الجيد.
قال: “لم يعد هناك شيء غير متوقع، ما تراه مقابل ما لم تراه.. هناك فخر وهناك بدائل. يمكنك الاحتجاج من أجل تقاطعات معينة، أو يمكنك الدخول في حفلة بأموال الشركة. عدم التجانس هو الطريق إلى الأمام”.

ترجمة: علي
تدقيق: وَرْد
المقال الأصلي في أول تعليق
#LGBTArabic #LGBTبالعربي


يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى