الناقد العربي الكبير د. صلاح فضل…


الناقد العربي الكبير د. صلاح فضل
يكتب عن جدائل صعدة في المصري اليوم..

مروان الغفورى يتدلى على جدائل
صعدة
بقلم د. صلاح فضل ١٤/ ٨/ ٢٠١٥
تفجرت ينابيع الإبداع الروائى العربى فى كل المناطق التى كانت شبه قاحلة أو قاصرة، امتصت نسغ الحياة من أنابيب الثقافة العربية المستطرقة فى اللغة وثورة الاتصالات. فى اليمن الذى كان يرزح تحت وطأة ما قبل التاريخ حتى عقود قليلة على زاد شحيح من الشعر المتفاوت أصبح اليوم – على الرغم من تمزقه الأيديولوجى بين الحياة القبلية الغارقة فى ميثولوجيا المكان والنزعات الطائفية – أصبح يتطلع بشغف لترسيخ مفاهيم المواطنة والعدالة والممارسة الديمقراطية، مصارعاً حيتان الماضى وأشباح التخلف القابعة فى كل ركن منه، الحروب الفاجعة المؤرقة لضمير أبنائه الهاربين من جحيمها إلى أقطار الأرض تطاردهم بعنف، لكنهم يملكون حدقات صافية بمقدورها أن ترصد حركة الحياة ونبض المجتمع وسيرة المستقبل برؤية لا يقوى عليها الغارقون فى أتون الصراع، فمسافة البعد هى أداة القرب، مروان الغفورى طبيب قلب موهوب هاجر إلى ألمانيا وظل هناك يصدح بأشعاره العربية حتى اهتدى إلى فضاء الأصوات السردية المتعددة، يعمد فى روايته المثيرة الجديدة «جدائل صعدة» إلى محاولة اكتشاف شكل ينبثق من هذا الوضع ذاته، حيث يغرس قدماً على الأرض الأوروبية وأخرى على سفح جبال صعدة الحافلة بالأساطير والبنات ذوات الشعور الطويلة التى تتدلى من مرتفعات القرى المرصعة كالنجوم على حواف الجبال، ليتسلق عليها العشاق كوسيلة وحيدة للوصول عبر التقاليد والتضاريس العاتية، تكمن فرادة هذه التجربة الروائية فى احتفاظ الكاتب لنفسه بحق الحضور الصريح الموازى لصوت الرواية الأنثوى بنظام الرسائل المتبادلة، حيث يزعم أنه تلقى خطاباً تقول صاحبته: «عزيزى الكاتب مروان الغفورى، أنا فتاة من محافظة صعدة، اسمى إيمان، وهذا مجرد اسم مستعار، لدىّ قصة، فى الحقيقة أنا قصة، إذا وجدت فى نفسك الرغبة لسماعها أخبرنى، لا أدرى كيف سأسردها عليك ولا كيف سترويها لقرائك، أشعر برغبة فى الموت، وأخشى على قصتى أن تموت مثلى، اخترت الكتابة إليك بعد أن قرأت روايتك (الخزرجى).. أرجوك اكتب عنى، حدث الناس عنى، لا تدعنى أموت فى الجبال»، فيرد عليها المؤلف: «عزيزتى إيمان.. كل امرأة فى اليمن تنام على بحيرة من القصص، قديماً كان يقال: فى اليمن تجد تحت كل حجر شاعراً، واليوم تجد فوق كل شاعر حجراً، لدىّ ثقة فى أن القصة التى هى أنت هى دراما من النوع الذى يحنى الظهر ولا يكسره»، وهكذا ينجح الكاتب عبر صيغة الرسائل المتبادلة التى تموج بين التمايز والتماهى، بين الحكى والتأمل، بين الملاحظة الساذجة والسرد المباشر لأطراف الحديث ومواجد العذارى ثم التعليق عليها بنفس شعرى وتأمل فلسفى ورؤية وجودية ومناوشة أدبية، مما يجعل الاستبطان للطبيعة الغارقة فى أخاديد الصمت والفطرة ودهشة الحياة بحساسية أنثوية تتعرض لمكيدة تلقائية فرصة لطرح المفارقات والحكم المنبثقة من لحم الحياة الحى فى هذه الأرض، فالفتاة التى ينتفخ بطنها دون أن يقربها رجل يسارع باتهامها كل الناس ويموت أبوها حسرة على هذا العقد اللؤلؤى من البراءة تعيش فى سلسلة بيوت مرصوصة على جبل من الأسفل للأعلى كأنها مرسومة على ورقة على شكل أسطر أفقية، كل سطر يتشكل من عدد من المنازل المتداخلة، تفصله ممرات ضيقة عن السطر الذى يعلوه، دون أن تكون هناك علاقة تراتب اجتماعى غير وجود المسجد القديم فى وسط القرية»، تحتفظ ذاكرة القرية بأخبار اليهود الذين كانوا يشغلون قرية مجاورة تم إجلاؤهم عنها فأصبحت قاعاً صفصفاً ينفى إليها من لا ترضى القرية عنه، مثل ذلك المدرس الذى ذهب إلى السعودية، وتعلم هناك أفكاراً «حقيرة» فطرد إلى قرية اليهود بعد أن قام مجموعة من الشبان بدفع سيارته كى تتدحرج إلى الوديان فظلت تهوى لنصف ساعة، ومهما أكدت الراوية على تساوى السكان فهى تذكر أن بيت السيد الهاشمى هو الأكبر وكلمته هى المسموعة، والحروب المتتالية تستنزف شباب القرية التى لا يبقى فيها سوى النساء والعجائز والأطفال، وتكشف رسائل إيمان عن كل اللغط الذى تسمعه من أهلها وصديقاتها، فتتعامد مع رسائل المؤلف المثقف الذى يتحاور معها حيناً ثم لا يلبث أن يتماهى ويتمايز عن منظورها لينسج قماشة الحكاية ونقوشها البارزة.

طروس مزركشة:

يتولى الكاتب، فى رسائله إلى الشخصية التى صنعها، إضفاء الطابع الأسطورى عليها، فيسميها شمس الله، ويتخيل أن شعرها طويل ينسدل حتى الوديان، وأن اليهود كى يسيروا من القبيلة كان عليهم الهبوط للوادى، ويناشدها «اللغز فى شعرك يا إيمان، لم تخلق الطبيعة شعرك لتغفو تحته القوافل المارة فى الوادى قليلاً، اسدلى شعرك وامنحى اليهود فرصة أن يهبطوا عليه وينزحوا إلى الأماكن الأخرى».. أسدلت «رودابة» أميرة كابول شعرها من سطح القصر حتى الحديقة فصعد عليه العاشق زال، التقاها على السطح بعيداً عن عيون الفرس، كان لابد أن تبحث عن ملحمة الشاهنامة للشاعر الفارسى الفردوس، قادت خصلات رودابة زال إلى خباء الحبيبة، فتنبأت العرافة بمولود سيهزم العالم، فى القرن التاسع عشر ولدت أسطورة الجميلة «رابونزيل» فى شرق ألمانيا، كانت مختبئة فى أعلى برج تغنى، منعتها الساحرة من الحب ورؤية العالم الحقيقى.. فى أحد الأيام يجذب عاشقاً هائماً فى الأحراش، يتوسل إليها كى تسدل شعرك ويتسلق خصلاته إلى أعلى البرج، يلتقيها ثم يبحث عن مهربه أيضاً عبر خصلاتها، يلهب الكاتب خيال شخصيته كى تتجاوز ومعها القراء مرارة الواقع الضاغط الرهيب، ويتثاقف مع الأماكن والعوالم، فينفتح فضاء النور، لكن إلى جانب هذه الطروس الثقافية هناك نقوش يمنية محلية من الأساطير القبلية والدينية التى تحتل وجدان الناس ويجترونها مع وريقات القات التى تغيب تماماً عن الرواية، ربما لأن الكاتب نسيها فى مهجره الأوروبى الوثير، لكنه لم ينس الوباء الأيديولوجى الذى تسلل إلى اليمن فى العقود الأخيرة وتكفل بإشعال حروبها المتجددة، وهو ما تسميه الراوية بوضوح قائلة: «كان السلفيون قد اقتربوا من مناطقنا على نحو جعل حديث أبى متوتراً أكثر من ذى قبل، لن يتحدث عنهم سوى باستخدام كلمة الوهابيين، التحق بعض شباب القرية بمدارس الحديث الجديدة فى صعدة وأصبحوا وهابيين.. لم أجد فى مكتبة أبى كلها ولا مكتبة جدى كتاباً يتحدث عنهم، لكن صفية – أقرب صديقاتى – أخبرتنى أنها وقعت فى غرام شاب منهم، أهداها دزينة من الكاسيتات فاعتذرت عن قبول الهدية، تعلم صفية أن زواجها من وهابى مستحيل، فأبوها سيد مبجل من أحفاد الرسول الهاشمى، ستنتظر عريساً ذا موصافات أسرية خاصة، لابد أن يكون دمهما متطابقاً، فى قريتنا ليس بمقدورك أن تكون يهودياً أو هاشمياً، قالت صفية إنها تنفق على الوهابى فى دراسته، وعندما عاد لزيارتها فى الاسطبل وقت صلاة العشاء فى المرة الأخيرة كان مريضاً فأعطته مبلغاً من المال ورجته أن يسافر إلى أقرب وحدة صحية فى صعدة، لم تره بعد ذلك، هؤلاء السادة الهاشميون فى القرى اليمنية يرتزقون من أنسابهم، فهم يزعمون شفاء الأمراض بالأحجبة والتعاويذ وآيات القرآن «وعندما يأتى الدور ليموت السيد المبجل الذى أقنع القرية لعشرات السنين بأن الطب لا قيمة له إذ يكفى التحصن بالأدعية والسور سوف يقول الناس: مات لأن أحداً لم يقرأ عليه الآيات، وفى وعيهم الجماعى لن يتذكروا كل أولئك الذين ماتوا بعد أن قرأ عليهم أقوى ما يحفظه من آيات الشفاء، كل ما يحدث هو أن الماضى يفترس كل شىء فى القرية والمدينة معاً وعندما تشتعل المواد التى تخمرت طويلاً فى المجتمع اليمنى بعد عقود من الاستقطاب القبلى والطائفى تعلن عن نفسها فى الحروب المتتالية التى ترهق صعدة وصنعاء وعدن، وتبرز تجربة حسن – شقيق إيمان المؤمن ببراءتها – بمشاركته فى عدد من هذه الحروب ضمن صفوف المجاهدين، لكن أخته تدرك بفطرتها أن هذه الصفة تنتقل من فريق إلى آخر، وتستطيع بحدسها الأنثوى الصافى خلال رحلتها بصحبة أخيها وشقيق السيد الهاشمى إلى صنعاء للمعالجة الطبية لبطنها المنتفخ، تستطيع أن تصرح لهم بشجاعة بأن الحرب لم تجلب غير الشقاء كله سواء كان أبطالها مجاهدين أو مجرمين، فإذا استنكر الرجال منها هذا القول دللت على صدقها بتجربة المرأة التى تفقد عائلها سواء اعتبره الناس شهيداً أو مجرماً، وبهذا يتبنى الكاتب منظور الرواية على لسان إيمان التى تنطق بخبرة الحياة وحكمة الوجود لتدين أشكال التعصب الطائفى والتمييز الدينى بين البشر.

شعرية التأمل:

قصة إيمان المأساوية فى «جدائل صعدة» لا يمكن اختزالها فى حكاية اشتباه فى بطن عرض قناة بريئة واعتباره حمل سفاح من أهل قرية، وإصرار أخيها على اصطحابها للكشف الطبى عليها الذى يثبت نمو ورم ضخم فى رحمها ويتم استخراجه بجراحة ناجحة، لكن شقيق السيد الذى صحبهم فى الرحلة يصر على إبلاغ القرية باستخراج جنين ميت من بطنها كى لا يكذب العرفاء ويخيب ظن القرية فى خطيئة بنتها وحكمتها فى تحريم وتجريم الحب على نسائها، ومع وجازة الحكاية المعتمدة على المفارقة فإن ما ينصب خيمة المتخيل الروائى فيها هو لحظات التأمل التى تضخ طاقة شعرية فى ثنايا الأحداث والمواقف، خاصة عندما تنقدح هذه اللحظات فى رسائل المؤلف للشخصية التى خلقها وأخذ يناشدها قائلاً: «أنت أيتها الصغيرة المشعة، يا جرحى المفتوح على البحر، لطالما كانت الحرب تحدك من كل جهاتك، اصعدى الجبل رويداً رويداً، لا تزعجى الأطفال من حملة السلاح، لا تجعلى الطيور النائمة على أكتاف المتربصين فى الكمائن، لا تقولى للمقاتلين عودوا إلى الوادى، استجمعت ذاتى، رأيت جديلتك ممتدة من أعلى القرية حتى بطن الوادى، فنمت تحتها، غفوت مع الخيول والمسافرين، عندما حل الليل، لم يكن ثمة سواى وخصلاتك، صعدت ورأيت شمس الله، كنت معك ولم أكن معك، كنت فيك وكنت حدودك، لم تكونى تنتظرين شيئاً سوى نبى المدينة وأنت بين لحظة وأخرى تضعين كفك على بطنك»، كانت إيمان من البراءة والطهر بحيث أحست بيد الطبيب باعتباره أول رجل يلمسها فى حياتها، مئات التفاصيل الواقعية عن بنات القرى وسيدات المدن فى اليمن بنقوشها ونقابها وعاداتها تزخر بها الرواية، تنجح فى تجسيد التركيبة الداخلية للمجتمع اليمنى وإبراز ما وراء الحروب والصراعات من الأدواء القبلية والطائفية والثقافية، «من عشرات المجتمعات والطبقات المتراصة مثل بيوت القرى على الجبل، عن الفقر الذى يتدفق من الأسفل حتى الأعلى..

الطبقة الصغيرة التى تتربع على قمة هذا الجبل هى التى تستحوذ على النصيب الأكبر من غنيمة الفقر»، نطقت إيمان الفتاة الساذجة المتهمة بكل هذه الحكمة وهى تجادل السيدة الشريفة التى نزلت فى ضيافتها بصنعاء وعرفت سر عواطفها المكتومة المكلومة وجعلتها تعترف بأن السادة يأكلون ما ليس من حقهم من نصيب الفقراء، لكن العروق التأملية الشعرية التى تبثها الرواية عبر رسائل المؤلف الذى لم يتنازل عن طاقته الشعرية الفذة وهو يجترح السرد فيمزج خيوطه الحريرية بجدائل صعدة الخشنة يصنع منهما مرقشة يمنية زاهية الألوان ناطقة الأشكال بما تزخر به الحياة من ضروب الفن والجمال والإبداع.

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=474296

.

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

عااااااااجل وهام

عااااااااجل وهام تم تأجيل قضية انتصار الحمادي وزميلاتها محلية البعداني للمرة الألف!! لم أصرح مذ صباح اليوم؛ بالمماطله، والتسويف؛ لنيتنا بعدم التصعيد، أو التثوير.. وأردنا

الشَعر كأداة تطويع – My Kali

بقلم: جنى نخال Hold Still by Hayv Kahraman – العمل الفني: هيف كهرمانهذا المقال من ملف ‘شعري يا شعري’ – هيكل العدد هنا وفاحم وارد يقبل