كتّاب

المبدعون فيما يبدعون مذاهب (2 من 3):…


المبدعون فيما يبدعون مذاهب (2 من 3):
الجمهور الحائر بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
فى هذا المقال والذى يليه سنحاول تفسير لماذا لم يحب عبد الوهاب أن يغنى فى حفلات جماهيرية متعددة، وبالتالى غالبا مالاتجد له سوى تسجيل وحيد للأغنية ؟ بينما تتعدد التسجيلات الموجودة لأغنيات أم كلثوم؟ ولكن لابد أن نتفق اولا أنهما الاثنين قد بدءا حياتهما بالغناء وسط الجماهير، واكتسبا ثقتهما فى نفسيهما وصوتيهما من جماهير الشارع حرفيا فى المدينة وفى الريف فى العشرين سنة الأولى من حياتيهما، فعندما تدعى أم كلثوم للغناء فى دوار عمدة أو فى حلقة ذكر صوفى فهى تغنى لعينة عشوائية من للناس كلهم، وعبد الوهاب أيضا عندما يغنى فى الصالات المتواضعة فى القاهرة أو سرادقات الريف
ونأت هنا لأول فارق فى علاقة أم كلثوم وعبد الوهاب بالغناء وهو موقف أسرتيهما، فالشيخ المنشد والمغنى ابراهيم البلتاجى هو أول من اكتشف موهبة ابنته أم كلثوم وقدراتها الصوتية الهائلة، فسعد بها واعتبرها هدية ثمينة فراح يرعاها ويهتم بها ويعلمها ويغرس فيها حب المثل العليا فى الغناء والتلحين الشيخين أبو العلا محمد وزكريا أحمد، وراح ويقدمها على أخيها وبقية جوقته وهو ما يعنى أن أول ارتباطها بالجمهور كان محبوبا ومقدرا ويتم فى جو الحب والتشجيع والإعجاب.
كل هذا على النقيض من أسرة محمد عبد الوهاب، فأبيه “محمد أبو عيسى” مؤذن لمسجد الشعرانى وقارئ قرآن فقير لم يكن من الممكن أن يدفع بابنه للمدرسة الابتدائية التى كانت مصروفاتها تبلغ عشرة جنيهات فى العام فى ذلك الزمن، فلم يكن أمامه إلا الكُتاب ككل الفقراء ليقرأ ويكتب ويرث مهنة أبيه ولكنه رفض، فحاول أبوه أن يتعلم الطفل مهنة عمة “الخياط البلدى”، ولكن الطفل كان مسكونا بالغناء وهو بالنسبة لأسرته الطريق إلى خيبة الأمل وضياع المستقبل “والبوظان”، ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن يعود طفل العاشرة إلى بيته بعد منتصف الليل لسهرة قضاها فى سامر أو حلقة ذكر وما ينتظره من عقاب وإهانة، وعندما توسمت فيه بعض الفرق أن يغنى موالا بين الفقرات فإنه قد سمى نفسه حتى لا يحرج أسرته “محمد البغدادى”، وذكرنا من قبل كيف طالبه صاحب الفرقة الغنائية فى دمنهور أن يكنس الصالة ليحتفظ به وبخمسة قروش هى أجره فى اليوم، فبكى وشعر بالإهانة البالغة وترك دمنهور ليعود خائبا إلى القاهرة، وهكذا نجد أن خبرات عبد الوهاب الأولى مع المسرح خبرات مؤلمة وحزينة،
أما السبب الثانى: فهو أن محمد عبد الوهاب قد صدق بلا شك ماقاله له شوقى بك عندما صحبة من سنة 1924، بأن صوته جميل ولكنه بدائى وفى حاجة للتدريب والتعليم والثقافة، ولعله كان يعرف حلم أستاذه سيد درويش بالسفر إلى إيطاليا وتعلم فنون الموسيقى، وهو ماراح يقوم به فعلا فى باريس فى أشهر الصيف بصحبة شوقى بك، ولهذا فلم يكن عبد الوهاب يشعر بالحاجة إلى منافسة المطربين الكبار فى ذلك الوقت كصالح عبد الحى و زكى مراد ومنيرة المهدية أو حتى أم كلثوم نفسها والتى راحت فى العشرينات تنطلق بسرعة الصاروخ سواء فى حفلاتها الجماهيرية فى المسارح والصالات أو فى تسجيل الاسطوانات، فهو يبنى نفسه ويكتفى بتسجيل الأسطوانات فقط
ولا شك أن مصاحبة عبد الوهاب قد وفرت له درجة كبيرة من بلهنية العيش فهو يعيش فى كرمة ابن هانى على النيل، ولا حاجة به للسعى لكسب لقمة العيش أكدها بعدم زواجه حتى انتهت العشرينيات، وعدم اضطراره للانفاق على أسرة وبيت مفتوح
يضاف إلى هذا أن عبد الوهاب منذ أن عاش مع شوقى قد اعتبر نفسه من الأرستقراطية أو “الأليت”، فهو كشوقى لا يخالط العامة ولا يجالسهم ولا يرتاد المقاهى، وانما جلساؤه هم طه حسين وحسين هيكل وعدلى يكن ومصطفى النحاس وعبد الخالق ثروت وهدى شعراوى.. صفوة المجتمع وكبار مثقفيه وساسته
يضاف إلى هذا تأثر عبد الوهاب بظرف خاص بشوقى بك، فالمعروف عن شوقى أنه على الرغم كونه الأعظم بين شعراء زمنه، ولا يستطيع أحد أن يطاوله، إلا أنه كان شديد الحياء لا يستطيع أن يقرأ قصيدته فى منتدى عام، فهو يكتب الشعر ويدفعه إلى الصحف لينشر، أو يختار من يقرأ قصيدته إذا كان لابد من قرائتها فى محفل عام.
هذه هى بعض الأسباب لعدم تحمس عبد الوهاب للغناء فى المسارح والصالات.. والبقية غدا إن شاء الله
يسعد أوقاتكم

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى