“التأويل وقمع العقل”…


“التأويل وقمع العقل”

كان ابن حنبل (رابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة)، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي يتعامل مع النصوص، دون تجميل، لم يحاول التوفيق بين النص المقدس والعقل، ولم يترك مجالا لإعمال العقل في الفقه الإسلامي، وقد عاني بن حنبل كثيرا من (فتنة خلق القرآن) التي ابتدعها المعتزلة وآمن بها (الخليفة المأمون) وصمد أمامها وتحمّل السجن والتعذيب، فكان أكثر إتساقا مع نفسه ومع النصوص الدينية بحروفها.

لم يكن يعلم ابن حنبل ومن بعده ابن تيمية أن فقههما سيصمد وحده، ويجابه كل محاولات التجديد وإعمال العقل، رغم مرور السنين، ليصل إلينا بحذافيره ودون أي إختلاف.

السبب في ذلك أن كل محاولات الإختلاف بعدهما، لم تكن تنفذ الي جوهر النصوص بإعتبارها نصوص للهداية، أي نصوص للدلالة ولإرشاد الناس، ولكنها حاولت تجميل النصوص، أو تأويلها بما ليس فيها، في محاولة للتوفيق بينها وبين العقل، مع الإبقاء علي حرفية النصوص.

حاول المعتزلة في بداية القرن الثاني للهجرة، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل، ولو لم يرد نص بذلك، وغالوا في استخدام العقل وجعلوه حاكماً على النص، وهم بذلك أيضا لم يخرجوا عن إطار النصوص، فقط حاولوا تأويلها، ودائما ما يكون التأويل نزوعا للتعبير عن الهوي والنزعات الخاصة.

عندما جاء ابن رشد، بحث عن نقاط الإتصال بين النصوص والفلسفة (الحكمة) وخلص الي أن هناك طريقين لمعرفة الحقيقة، طريق الفلسفة التي تخضع للبحث والتطوير الدائم، وطريق الحقيقة المستندة الي الدين أي المعتمدة علي العقيدة وهو ما لا يمكن إخضاعه للتدقيق والتمحيص والفهم الشامل، وحتي هذا لم يشفع له في زمن سلطة الفقهاء علي الفكر والثقافة والمجتمع والسياسة، فاتهم بالكفر والإلحاد وأحرقت كتبه ونفي الي مراكش.

في العصر الحديث يواجه بعض المتسمّين بالليبراليين الإسلاميين، ما يعتري العالم من حداثة وتنوير وعلم له إنجازات هائلة، بنفاق رخيص وتجميل كاذب، عن طريق إدعاء أن كل شيء موجود في القرآن، من كروية الأرض الي النسبية وحتي الهندسة الوراثية، وكل ما سيستجد من أسرار العالم والحياة، هو موجود، ولا أدل علي ذلك من أكذوبة الإعجاز العلمي في القرآن، بل أن المستجدات الفكرية، مثل القومية والإشتراكية والديمقراطية وغيرها، لا يقفون أمامها، بل يجدون طرقا عديدة لتضمينها في النصوص.

علي الجانب الآخر يقف غالبية رجال الدين وكل التيارات الإسلامية، وكلها سلفية الهوي، رافضة لكل هذه المحاولات، غير مكترثين بها، ويعدّونها انتهاكا لقدسية النصوص، ويستثمرون ذلك لإثبات حقهم في قمع العقل والإنسان، فقد كفر ابن رشد ومن قبله المعتزلة وكل من حاول أن يوجد توفيقا بين النصوص وبين واقع يتغير وعقل نقدي يفكر، وتعرض الكثير منهم للملاحقة والحبس والقتل، حدث كل ذلك باسم النص المقدس ودفاعا عنه.

إن العقل من حيث أنه مناط التفكير هو حجة التكليف من الله، وبه تعرف الحقيقة, ولهذا فنحن بحاجة الي القفز علي كل الحوائل التي تعوق العقل، فيما بيننا وبين جوهر الدين وأساسه.
#بالعقل_والهداوة

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات