“أ. جعفر فتحي” هذا اسم مُعلم اللغة العربية الذي درسني وأنا…


“أ. جعفر فتحي” هذا اسم مُعلم اللغة العربية الذي درسني وأنا في مرحلتي الإعدادية، لا يُمكن أن أنساه أبدًا مهما مر الزمن، فكان يُعاملني ليس كـأستاذ وتلميذ عنده ؛ بل كأخ وصديق له، وكنتُ أشعر بصدق حبه لنا، وكُنا نتناقش دائمًا في العوامل المُشتركة والمُتفق عليها بين الإسلام والمسيحية، وأكثر ما كان يُعجبني فيه هو إستنارة عقله وفكره وتقبله للآخر، فـذات يوم كُنت من ضمن فريق الإذاعة المدرسية، فطلب مني وقتها أن أحضّر جُزءً من آيات الإنجيل المقدس لأقولها أمام الطلاب في فقرة الإذاعة صباحًا، فلم أصدق أن مُدرسًا أو مُديرًا يكون مُستنيرًا لهذه الدرجة ويطلب شيء مثل هذا على غير المُعتاد عليه تقبله، فغالبًا كانت هذه المرة الأولى والأخيرة في التاريخ أن يُقرأ الإنجيل داخل مدرسة، فقرأت وقتها بعض الآيات من الموعظة على الجبل فصفق لي جميع الحضور، ولا أنسى تشجيعه لي في ذلك اليوم فكان مُتحمسًا جدًا لهذه الفكرة التي بادر بها، وكان حينما يشرح بعض النصوص القرآنية أو الأحاديث الشريفة كان تلقائيًا يقول لي:
” مش انتوا برضه عندكم كده يا أبانوب ولا إيه؟!! ”
وكان صوته حلو وعزب ويعجبني جدًا في تلاوة آيات القرآن الكريم، وكنتُ أقول له هذا بإستمرار وأحب الإصغاء إليه، فهذه الروح الطيبة أصبح من النادر وجودها في هذه الأيام ؛ وكل ما يسوء بنا الحال من إنتشار فتاوي شاذة وآراء مُتطرفة لا ينتُج عنها سوى الفتنة والكراهية، أتذكر نماذج سوية كهذا الأستاذ الراقي والعاقل، فأقول في نفسي: “الدنيا لسه بخير”.
أريد أن أوجه رسالة بكل ما ذكرته ..
– ماذا يجرى لو تم تخصيص فقرة من الإذاعة المدرسية لقراءة جزء من الإنجيل المقدس كما القرآن الكريم؟
– ماذا لو كان هدفنا بالفعل الإفادة والتعلم ما يُفيد ويبني من دين وفكر الآخر دون التعصب الديني الأعمى؟
– ماذا لو عملوا جميع المُعلمون كهذا المُدرس الفاضل الذي يسعى إلي بناء شخصيات شوية في المُجتمع؟
– ماذا لو أخذنا من الآخر الجانب الإيجابي وما ينفعنا؟ فأنا مثلًا أستمع إلي الشيوخ والقساوسة والملحدون وجميع ما أختلف عنهم ؛ لهدف إيجاد شيء صالح لي ينفعني فيما بعد.
– هل أخطأ هذا المُعلم فيما فعله لنرى ما يُكفره ويُخرجِه من الملة لتصرفه الحكيم في عدم التفرقة بين الطلاب؟
– ماذا لو نبدء منذ النشأة بتربية وتعليم أولادنا أجيال المُستقبل بأننا جميعًا مواطنون متساوون في كل شيء؟
– ماذا تكون نظرة الطالب المُسلم لأخيه المسيحي وهو يراه لا وجود أو إعتبار أو أهمية أو دور في أي شيء داخل المدرسة؟، فحتى حصة الدين المسيحي يقضونه في الحوش!
بلا شك سيتربى على إحتقار المسيحي وينظر له بنظرة دونية وأقلية كما كان يُقال لنا، فنحن نُربي أرهابيون ومُتطرفون دون أن ندري، وكل هذا يعود إلي التنشـئة الغير سليمة والغير صحيحة والغير سوية، فالمدرسة هي الأساس ؛ فالطالب يقضي وقت بمدرسته أكثر من الذي يقضيه في بيته.
هذا المُدرس لم يكن يُعطينا حصة أو درس مُقرر علينا بالمنهج ؛ بل كان يُعطينا درسًا في الإنسانية والأخلاق وتقبل الآخر ويُنفذ ما أتى به دينه، ليُخرج جيلًا سويًا ينفع ولا يضُر ويبني ولا يهدم، فجزيل الشُكر لأستاذي ومُعلمي الذي أتذكره دائمًا بكل الحب والوفاء، وأتمنى أن يصل إليه ما كتبته لأني لا أعرف أن أتواصل معه، وأتمنى أيضًا تكرار مثل هذه النماذج المُشرفة والبناءة التي تُدرك قيمة عمل المُعلم ورسالته السامية في كل قطاعات التعليم في مصر وفي كل مكان.

#أبانوب_فوزي

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات