كتّابمفكرون

“أزمة الهوية”…


“أزمة الهوية”
سعي الحكام منذ بدء التوسع الإسلامي، الي دمج الشعوب المتصلة جغرافيا تحت هوية واحدة مشتركة، هي الهوية العربية الإسلامية، بصرف النظر عن اصول الشعوب وأجناسها واختلاف أوطانها وقومياتها، وتجسد ذلك في منطقتنا بشكل مكثف، حتي أن عبارات مثل القومية العربية والوطن العربي والعالم العربي أصبحت مسلّمات لدي أغلبنا، لا نفكر في مدي صحتها أو دقة تعبيرها.

لم تدخل الصفة العربية علي إسم الدولة في مصر الا مع إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير من عام 1958 تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة)، وكانت منذ يونيو 1953 (الجمهورية المصرية)، وقبلها كانت (المملكة المصرية)، ثم نص في دستور 1971 في عصر السادات، وفي غفلة من الزمن، علي تسمية الدولة بـ (جمهورية مصر العربية).

وهذا يقودنا الي البحث عن أصل التسمية (عربية أو عرب) لمعرفة أصل هذه الهوية التي التصقت بشعوب لم تكن تمت لها بصلة.

لفظة (عرب) كان يشار بها في كل اللغات السامية القديمة الي معني (البداوة) ومازالت بعض نقوشها موجودة حتي اليوم في النصوص الأثرية الآشورية، وفي اللغة الإغريقية كان يشار بها الي سكان جزيرة العرب، وفي اللغة الرومانية أشير بها الي مناطق ثلاث هي البتراء في الأردن والصحراء العربية واليمن.

ويعود أصل التسمية في بعض المراجع الي العرب من نوعين، العرب العاربة، وهم بنو قحطان في ممالك اليمن القديمة وحضرموت.
والعرب المستعربة، وهم البدو سكان باقي جزيرة العرب، الذين كانوا يرتحلون شمالا حتي الأردن، وغربا حتي وادي العريش، بحثا عن الماء والكلأ.

وقبل التوسع الإسلامي سكن المنطقة شعوب ذات أصول مختلفة، مثل الأمازيج في المغرب والجزائر وتونس وليبيا، والمصريين القدماء والقبط – وهي ليست ديانة – والنوبيون في مصر، والحبشية والزنجية في السودان، والكنعانية في فلسطين، اضافة الي الأصول الفينيقية والآرامية في الشام، والآشورية والأكدية والسومرية في العراق.

كما لم تكن اللغة العربية مستخدمة الّا في شبه جزيرة العرب، وكان لباقي الشعوب لغاتها الخاصة.

وانتشرت اللغة مع انتشار القبائل العربية وارتحالها الي هذه البلدان الأغني نسبيا، واختلاطها بشعوبها قبل وبعد انتشار الاسلام، وفي مصر علي سبيل المثال تمثلت هذه الهجرة في الآتي:
قبيلة (بلي) وبطون من خزاعة وقبائل كهلانية من عرب الجنوب (قبل الاسلام).
قبيلتا (لخم) و(قيس عيلان), انتقلتا إلى مصر بأعداد كبيرة منذ بدء الغزو الإسلامي.
قبيلة (الكنز) إحدى بطون ربيعة، في خلافة المتوكل في القرن التاسع الميلادي.
قبيلتا (هلال) و(سليم) في القرن العاشر الميلادي.
سلالة (جعفر الطيار) في القرن العاشر الميلادي.
وفي ظل الهيمنة القسرية للولاة العرب والخلافة الإسلامية، فرضت اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، حيث فرضت في مصر في القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة (لغة الدواوين).

وهكذا فرضت أيضا الهوية العربية الاسلامية غير معبرة عن الهوية الحقيقية لهذه الشعوب التي تشمل غير المسلمين.

ان الهوية تعني حقيقة الشيء, التي تجعله مختلفا عن غيره، كما أنها تعبر عن وحدة الذات وثباتها رغم ما يطرأ عليها من تغييرات.

وعندما نعلم أن العقيدة الإسلامية لم تغير هويات الشعوب في إيران أو اندونيسيا أو الفلبين أو تركيا أو الشعوب جنوب روسيا … الخ، يكون من حقنا أن نتساءل عن صحة هذه التسمية وهذه الهوية الدخيلة.

ان مصطلحات مثل العالم العربي، والوطن العربي، والقومية العربية، جديرة بالتوقف عندها،وكشف حقيقتها، وإرهاصاتها الأولي علي يد ساطع الحصري وميشيل عفلق في بداية القرن العشرين، ودراستها بمزيد من البحث المتخصص وكفانا أوهاما.
#بالعقل_والهداوة

يمكنك دعم الموقع من هنا
مؤسسة ندى لحماية الفتيات

Sameer Zain-Elabideen سمير زين العابدين

خريج الكلية الحربية فبراير 1969, أعمل حاليا في النظر حولي وأشياء أخري, عقلي هو إمامي ورئيسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى