مجتمع الميم

آخر طنين – ترانسات Transat


كتبـ/ـت: ليل المصلوحي

تحرير: مايا أنور

 

لم أكن في يوم لأتخيل أن يوماً كهذا سيأتي، يوم ليس كباقي الأيام، يوم سيصبح ذكرى لميلاد جديد. اعتلى صباح ذلك اليوم نسيم عليل، كان جواً هادئاً نقياً، لم أنعم بنوم هانئ، فقد أبقتني المناسبة متحمساً كطفل في ليلة عيد، إذ أمضيت ساعات وساعات في الليل وأنا أتحضّر لليوم المنشود؛ كانت فرحة عارمة ولحظات متخبطة بين شعور بالقلق والخوف وبين شعور بالشوق والمتعة؛ كانت هذه المتلازمة ردة فعل تلقائية، فيوم غد هو يوم العملية، العملية التي طال انتظارها لسنوات، وفي انتظارها أصبح الألم خليلاً، والتردد، والقلق، والحيرة، والاكتئاب، كلها جزء من اليومي. كان الأمر في البداية أشبه بأحلام اليقظة عندما كنت أحلم بصدر محايد، أو ربما مذكر قليلاً، وأنني قد عملت ووفرت بعض المال من أجل العملية، إذ كنت بالفعل أبحث على الإنترنت عن عيادات التجميل من أجل الحصول على الصدر المثالي بالنسبة لي؛ ففي مرحلة المراهقة عندما شرع جسمي في التغيير الفسيولوجي وأصبح لي ثديين، لم أستوعب كيف ولماذا يجب أن يكون لي ثديين، وأصبح الأمر أليماً ويشتد قسوة كلما ازدادت أثدائي حجماً، فالألم جدير بالذكر سواء في تلك المرحلة أو التي بعدها، كنت أرى أن حظي عاثر، كحظ الماعز في ليلة عرس لجياع لم يذوقوا للّحم طعماً منذ خُلقوا. لم أكن كمن في مثل سني، كنت آنذاك في التاسعة من عمري عندما بدأت مواصفاتي الثانوية الجنسية في الظهور بشكل يصعب إخفاؤه وعندما التحقت بالمرحلة الإعدادية، ازداد الأمر تعقيداً. 

دائماً ما كنت أحاول ارتداء ملابس فضفاضة لتمويه الناظر، وللتنفيس عن ضيقي وحزني ولو قليلاً؛ أتذكر حينها عندما اشترت لي أمي أول حمالة صدر، خجلت كثيراً من ارتدائها إلى أن أقنعتني أمي أنه الحل الأنسب على الأقل للتحكم بمظهرهما، وحتى مع الحمالات كنت أعمل جاهداً-ة على ألا أبدو وكأني أرتديها. كنت عندما أعود من المدرسة، وغالباً ما أكون لوحدي، أقف أمام المرآة أجرب قمصان أبي، أو أقوم بتغطية ثدياي، كنت أُعد الوقت وكل شيء كان محكماً، حتى لا أقع فيما لم يكن في الحسبان، كانت تلك متعتي الخاصة ولحظتي الحميمية التي كانت تخلق لي السعادة المثالية التي كنت أتوق إليها في كل وقت، وكم كنت أتمنى لو لم تكن تلك اللحظات قصيرة العمر، وكم كنت أتمنى لو كانت تلك المرآة بوابة عالم خالد لنفسي الصغيرة في تلك اللحظات الصغيرة، عالم تكون فيه ذاتي حرة ومقبولة ويكون فيه جسدي كما أريد له أن يكون، معبد نقي لروحي، أنيق بقمصانه المخملية، متماشيا مع تضاريس وجهي البريء، كانت لحظة المرآة هي لحظة تتويج الحقيقة بالنسبة لي، لحظة مصارحة الذات بكل ما كنت أملك، ربما كانت لحظة حب لامشروط ولكن سرعان ما كان يتبدد هذا الحلم عند اقتراب الساعة الثانية عشرة بعد الزوال، كان ذلك موعد نهاية نصف دوام أمي وأبي، فيحين وقتها توديع لحظتي إلى حين عودتي مع أمل متجدد بأن أسكن اللحظة إلى الأبد هكذا إذا كنت أعيش ثنائيتي اللامعيارية، مستتراًـ ة، مختلياً ـ ة.

كبرت في محاولة لطمس تلك الذات ظنا مني أن بي خطب جلل، ربما كنت مريضاً نفسياً بداء خطير يصعب حتى على المختصين تشخيصه، ففي المرحلة الثانوية قمت بمحاولة مستميتة لطي الماضي وقصة المرآة وقصص أخرى كنت أحاول دفنها في قاع المحيطات، خاصة عندما كان معظم حديث الطالبات عن إعجابهن وقصص حبهن وتعلقهن بالشباب؛ كنت دائماً أهرب من تلك المواضيع أو أظل صامتاً/ة. 

كلما مر الوقت، كلما زادت مهارتي وقدرتي على الإخفاء، وزاد الضغط المجتمعي لكي يصوغني في قالب معياري يتماشى مع ما كان ينبغي أن أكون وليس مع ما كنت فعلاً أكون. كان الألم ممزوجاً بضياع مشتت في الأرجاء، ضياع الذات بين طبيعتها وبين إصرار الخلق أجمعين على تعزيز كيان ليس بكياني، فكم كان ذلك الإصرار عنيداً، مكلفاً وقاسياً. كم تمنيت موتي حينها، وكم بكيت وندبت عثرة حظي وحيرتي، كنت في نفق مظلم لم أعرف مخرجاً له ولا براً سوى ألا أكون؛ فعزمت وتوكلت وخلت أنني ودعت حيرتي حين أقدمت على قتل نفسي. ارتحت قليلاً لبضعة أيام في المستشفى من ضوضاء الحياة وإصرارها المقيت، إذ كنت في صفحة ناصعة البياض ونقية كالثلج لا يسمع فيها لغواً، وكأنما دخلت عالمي المثالي عبر بوابة مرآتي وأنا صغير، وحينها سعادتي كانت لا توصف، استعدت حريتي إلا قليلاً، ومن ثم فكري، واستعدت حياتي ثانية، إلا أنه انتابها الهدوء والسكينة وكان شعوري أشبه بالميلانكوليا الحلوة، كنت أطفو كفلين عائم على سطح جدول ماء، غير آبه لما كنت أو سأكون إلى أن أسرع الكون إلى غضب مفتعل، مقصود، خفي وكأنه أراد مساعدتي لأكون من أكون، وكأني جزء من توازن الكون الجليل فأتى بإعصار كسيح أفاض الجدول وطار بالفلين.

بعد سنوات من الحب والألم، قررت المجازفة وخضت تجربة الهجرة. لم تكن الرحلة سلسة وخالية من الشوائب، فقد عشت فيها مغامرات عديدة، فيها ضحك وبكاء، وهزل وجد. كانت رحلة غريبة وكأنها رحلة سريالية، المعقول فيها محال، ولكن صوتاً بداخلي كان يقودني بشغف متواصل، يذكرني بعمل الكون في نقلي من على سطح جدول مجنون إلى بر مجهول، لكي أكون من أكون، فثابرت كثيراً وسعيت وتعبت، سقطت و نهضت وأكملت طريقي متذكراً دائماً صوت حركات الجدول والإعصار، لم يهنأ لي بال إلى أن آتى عملي أُكله ولم أصدق أذناي حين تلقيت مكالمة المستشفى تخبرني بموعد العملية وعند الموعد كان آخر صوت صوت طنين لأدخل بعدها في تلك الصفحة البيضاء، ولأكتب فيها قصة ميلاد جديدة لنفس مكتملة متعطشة لحياة تستحق الحياة.                             

 ـ يتبع ـ

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليل المصلوحي: كاتبـ/ـة لا ثنائيـ/ـة الجندر

العمل الفني لجيمس جين

 



Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى